دائمًا ما تظهر علينا تلك الأخبار التي تتعلق بأحد الكويكبات الذي يقترب من الأرض بشكل كبير، لكنه لا يشكل خطرًا عليها في النهاية، ليمر بسلام ودون مشكلات. لكن بين الحين والآخر يقترب أحد تلك الكويكبات الصغيرة بشكل يجعل جاذبية الأرض تسيطر عليه، ليبدأ بالاحتراق في الغلاف الجوي. غالبية الكويكبات تكون صغيرة وتحترق بالكامل، لكن في حالات نادرة يبقى جزء من الكويكب متماسكًا ويصطدم بالأرض.

من بين تلك الاصطدامات المسجلة بوضوح في تاريخ البشرية، كان ذلك الكويكب الذي ضرب الأرض منذ أكثر من 100 عام، ورغم ذلك ما زال يثير حيرة العلماء؛ بسبب عدم توافق النتائج مع عملية الاصطدام بالشكل الذي يفترض أن يحدث مع أي كويكب يصطدم بالكوكب. لا نتحدث هنا عن تفسير يتعلق بوجود كائنات فضائية أو ما شابه، لكن عن تفسير تلك الآثار الغريبة التي ترتبت عليه.

تسمى حادثة الاصطدام هذه «حادثة تونغوسكا»، والآن ربما تمكن العلماء من تقديم تفسير مناسب وإن كان غريبًا على أقصى حد، وربما يتعلق بحادثة فريدة من نوعها. فما قصة هذه الحادثة؟ وما سر غرابتها؟ وكيف يفسرها العلماء؟

حادثة تونغوسكا.. انفجار بقوة 30 ميجا طن

في الصباح الباكر من يوم 30 يونيو (حزيران) 1908، وقع انفجار هائل فوق سيبيريا. حطم صوت الانفجار السكون الطبيعي لمنطقة غابات الصنوبر ذات الكثافة السكانية المنخفضة، لكن الانفجار كان هائلًا لدرجة أنه سوَّى الأرض بغابة تبلغ مساحتها 2150 كيلومترًا مربعًا، مما أدى إلى قطع 80 مليون شجرة مرة واحدة.

تصف التقارير المسجلة لشهادات شهود العيان وجود «كرة براقة من الضوء»، ونوافذ محطمة وجدران متساقطة، وانفجار يصم الآذان في منطقة بالقرب من نهر بودكامينايا تونغوسكا في محافظة كراسنويارسك كراي (ينيسيسك سابقًا) في  روسيا. أطلق على هذه الحادثة اسم «حدث تونغوسكا»، ووصف لاحقًا بأنه نيزك أو شهاب متفجر، انفجر بقوة وصلت إلى 30 ميجا طن، على ارتفاع 10 إلى 15 كيلومترًا من سطح الأرض، وتسبب في وفاة ثلاثة أشخاص على الأقل.

صورة أرشيفية لحادثة تونغوسكا – ويكيبيديا

ونظرًا إلى بعد الموقع والأدوات المحدودة المتاحة وقت الحدث، اعتمدت التفسيرات العلمية الحديثة لسبب وقوعه وقوته بشكل أساسي على تقييمات الأضرار والدراسات الجيولوجية، التي أجريت بعد سنوات عديدة من وقوع الحادثة. أسفرت الدراسات عن تقديرات مختلفة لحجم النيزك، من 50 إلى 190 مترًا، اعتمادًا على ما إذا كان الجسم دخل بسرعة منخفضة أو عالية.

وتشير التقديرات إلى أن موجة الصدمة من انفجار الهواء كانت ستسجل خمس درجات كاملة على مقياس ريختر. انفجار بهذه القوة كان يمكن أن يكون قادرًا على تدمير منطقة حضرية كبيرة.

علامات استفهام.. أكبر اصطدام ليس اصطدامًا!

غالبًا ما يشار إلى «حدث تونغوسكا» بأنه أكبر حدث اصطدام في التاريخ المسجل. ورغم صفة «اصطدام» هذه التي لحقت به، فإن الباحثين لم يعثروا على أي حفرة ناجمة عن وقوع الاصطدام كما ينبغي. وكشفت عمليات البحث اللاحقة عن وجود أجزاء من الصخور يمكن أن تكون نيزكية في الأصل، ولكن الحدث ما يزال يحمل علامة استفهام تلوح في الأفق، إلى درجة تساءل البعض: هل كان ما حدث حقيقيًّا؟ وإذا لم يكن كذلك، فماذا يمكن أن يكون؟

التفسيرات التي أطلقت على ما حدث هو أن الكويكب تفكك على ارتفاع خمسة إلى 10 كيلومترات بدلًا من أن يصطدم بسطح الأرض. هذا ما وقع بحادثة «نيزك تشيليابنسك» الذي انفجر في الهواء فوق جبال الأورال الروسية قبل اصطدامه بالأرض على ارتفاع 25 كيلومترًا عام 2013، وبلغت قوة الانفجار وقتها  500 كيلو طن. تناثرت شظايا الانفجار مما أدى إلى إلحاق الأضرار بأكثر من 3 آلاف مبنى في مدينة تشيليابنسك الروسية، بالإضافة إلى تضرر ثلاث محطات توزيع للغاز، وإصابة 1491 شخصًا.

ومنذ عام 1908، نشر ما يقدر بألف ورقة علمية (معظمها باللغة الروسية) حول انفجار تونغوسكا. وفي عام 2013، نشر فريق من الباحثين نتائج تحليل العينات الدقيقة من مستنقع بالقرب من مركز المنطقة المصابة، والتي تظهر شظايا قد تكون ذات أصل نيزكي، وبالتالي فإن الحدث قد وقع بالفعل.

مرور عابر وليس اصطدامًا

حسنًا، من المحتمل أننا لن نعرف أبدًا الإجابة بشكل حقيقي، فالحدث مر عليه 112 عامًا الآن. لكن وفقًا لورقة بحثية حديثة راجعها علماء آخرون، فإن هناك تفسيرًا يبدو منطقيًّا لما حدث رغم غرابته. تقول الورقة إن كويكبًا حديديًّا كبيرًا دخل الغلاف الجوي للأرض ومر سريعًا بكوكب الأرض على ارتفاع منخفض نسبيًّا قبل أن يعود إلى الفضاء.

الدراسة تقول إن هذا التفسير يمكن أن ينتج منه الآثار نفسها الموجودة حاليًا في منطقة تونغوسكا، عن طريق إنتاج موجة صادمة دمرت السطح في المنطقة التي مر بها. درس الباحثون من جامعة سيبيريا الفيدرالية في روسيا ظروف ونتائج مرور الكويكبات التي يبلغ قطرها 200 و100 و50 مترًا، والتي تتكون من ثلاثة أنواع من المواد، هي الحديد، والحجر، والجليد المائي، عبر الغلاف الجوي للأرض على ارتفاع ما بين 10 – 15 كيلومترًا.

وتدعم النتائج التي حصل عليها هؤلاء الباحثون فكرتهم في شرح واحدة من مشكلات علم الفلك التي طال أمدها «حدث تونغوسكا»، التي لم تتلق تفسيرات معقولة وشاملة حتى الآن. ويجادل الباحثون في أن «حدث تونغوسكا» نتج من كويكب حديدي، مر من خلال الغلاف الجوي للأرض ثم أكمل مساره في المدار القريب من الشمس.

الجليد والحجر يخسران والحديد يكسب

أجرى الباحثون عملية نمذجة رياضية لتمرير جميع تركيبات الكويكبات الثلاثة بأحجام مختلفة لتحديد ما إذا كان مثل هذا الحدث ممكنًا. كانت فكرة الكويكب الجليدي هي فرضية طرحها باحثون روس في السبعينيات، لكن الباحثين سرعان ما استبعدوها بسهولة؛ لأن النتائج الخاصة به كانت بعيدة جدًّا عن النتائج الواقعية. إذ إن الحرارة المتولدة من السرعة المطلوبة للحصول على المسار المقدر لما حدث في «حدث تونغوسكا»؛ ستؤدي إلى إذابة الجسم الجليدي تمامًا، قبل وصوله إلى البيانات التي رصدها شهود العيان.

تاريخ وفلسفة

منذ شهرين
هل تعتقد أن 2020 هي الأصعب على البشر؟ ربما لم تسمع عن 536 ميلاديًا

كما أن الجسد الصخري أقل احتمالًا للبقاء. يُعتقد أن الشهب تنفجر عندما يدخل الهواء إلى الجسم من خلال كسور صغيرة في النيزك، مما يتسبب في تراكم الضغط أثناء طيرانه عبر الهواء بسرعة عالية، لذلك سيصعب على الكويكبات الصخرية أن تبقى متماسكة بعد دخولها للغلاف الجوي للأرض، ثم الخروج مرة أخرى إلى المدار نحو الشمس. وربما لا يزال هذا الكويكب يدور حول الشمس حتى يومنا هذا.

لكن الأجسام المكونة من الحديد أكثر مقاومة للتفتت من الأجسام الصخرية. وفقًا لحسابات الباحثين، فإن السبب الأكثر ترجيحًا هو نيزك حديدي يتراوح طوله بين 100 و200 متر عبر مسافة قدرها 3 آلاف كيلومتر عبر الغلاف الجوي. هذا الكويكب الحديدي لن تنخفض سرعته أبدًا إلى ما دون 11.2 كيلومتر في الثانية، أو تحت ارتفاع 11 كيلومترًا.

تفسير مقبول

يشرح هذا النموذج عدة خصائص ميزت «حدث تونغوسكا»، وأصابت العلماء بالحيرة على مدى عشرات السنين. أحد أهم الخصائص كانت عدم وجود حفرة ارتطام، على سبيل المثال، لأن النيزك سيتخطى مركز الانفجار دون حدوث اصطدام مباشر. ويفسر هذا النموذج أيضًا عدم وجود حطام من الحديد بسبب السرعة العالية التي كان الكويكب يسير بها؛ إذ إن الجسم يتحرك بسرعة كبيرة، وسيكون ساخنًا جدًّا، لدرجة عدم إسقاط الكثير من قطع الحديد. وقال الباحثون إن أي كتلة ستفقد ستكون من خلال تسامي ذرات الحديد الفردية، والتي ستبدو تمامًا مثل أكاسيد الحديد الطبيعية الموجودة في الأرض.

وأشار الباحثون أيضًا إلى أنه من خلال هذا النموذج، يمكننا تفسير التأثيرات البصرية المرتبطة بالغبار القوي للطبقات العالية من الغلاف الجوي فوق أوروبا، مما تسبب في توهج مشرق لسماء الليل. وفي حين أن النتائج مقنعة بالتأكيد، يشير الباحثون إلى أن بحثهم يحتوي على بعض القيود التي يأملون في حلها عبر الأبحاث المستقبلية. على سبيل المثال، لم يتعاملوا مع مشكلة تشكيل موجة صدمة، على الرغم من أن مقارناتهم الأولية مع «نيزك تشيليابينسك» تسمح بحدوث موجة صدمة كبيرة في تونغوسكا.

ومع ذلك، فإن فكرة أن جسمًا حديديًا يمر من خلال غلافنا الجوي، أمر مثير للاهتمام بالتأكيد، ويمكننا أن نتطلع إلى المزيد من الأبحاث حول هذا الموضوع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد