أشارت النتائج المبدئية للانتخابات البرلمانية التونسية عن تقدم حزب نداء تونس “العلماني” في المركز الأول بإجمالي حوالي 83 مقعدًا “بنسبة حوالي 38% من الأصوات” مقابل 67 مقاعد لحركة النهضة “31% من الأصوات” التي حلت ثانيًا وفقًا للنتائج الأولية التي كشفت عنها العديد من وسائل الإعلام.

ووفقًا للمؤشرات فقد بلغت نسبة التصويت في الانتخابات 61.8% في الداخل مقابل 29% في الخارج، ويبلغ إجمالي عدد مقاعد البرلمان التونسي 217 مقعدًا موزعة على 33 دائرة انتخابية “27 في الداخل و6 في الخارج” بإجمالي 199 مقعدًا للداخل و18 مقعدًا للخارج، هذا وقد أجريت الانتخابات على جميع المقاعد بنظام القائمة النسبية.

وتنافست في الانتخابات التشريعية 1327 قائمة (1230 قائمة في الداخل و97 في الخارج) ضمت أكثر من 13 ألف مرشح على أساس مبدأ المناصفة بين النساء والرجال وقاعدة التناوب بينهم في القائمة الواحدة كما ينص القانون الانتخابي.

 

كيف سيتم تشكيل الحكومة في تونس؟ وهل سيشكلها نداء تونس بمفرده؟

الباجي قائد السبسي رئيس حزب نداء تونس أثناء الإدلاء بصوته في الانتخابات.

وفقًا للدستور التونسي الذي تم إقراره بأغلبية عريضة في المجلس التأسيسي “200 عضوًا من إجمالي 216” في 26 يناير 2014، فإنه يشترط على الحكومة القادمة الحصول على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس التأسيسي المنتخب “109 عضوًا على الأقل” وهو الرقم الذي لن يستطيع حزب نداء تونس المتصدر أو غيره من الأحزاب تأمينه بمفرده.

ينص الدستور على أن يسمي الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد مرشحًا لرئاسة الحكومة، يمنح هذا المرشح مهلة مقدارها شهر قابلة للتجديد لشهر آخر من أجل تشكيل حكومته والحصول على ثقة الأغلبية المطلقة، وفي حال فشل المرشح في الحصول على هذه الثقة تتم تسمية مرشح آخر “لا يشترط أن يكون من الكتلة الفائزة” ويتم منحه مهلة شهر قابل للتجديد أيضًا للحصول على الثقة لحكومته، وفي حال مضي الأشهر الأربعة “منذ تسمية المرشح الأول” دون أن تحصل أية حكومة على ثقة البرلمان فيحق لرئيس الجمهورية حينها حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة.

الأمر يعني ببساطة أن حزب نداء تونس مطالب بالبحث عن حلفاء يكمل بهم على الأقل عدد الـ”109″ مقاعد اللازمة لتمرير الحكومة من خلال البرلمان، وإلا سيكون أمام حركة النهضة فرصة “نظريًا” لعقد تحالف يمكنها من المشاركة في الحكومة.

التصريحات المبدئية لقادة حزب نداء تونس تشير ربما إلى اتجاه الحزب إلى التحالف مع من وصفهم بالحلفاء الديمقراطيين وعلى رأسهم الجبهة الشعبية “12 مقعدًا” وآفاق تونس “9 مقاعد” والمسار، حيث يرى أيمن بجاوي عضو المجلس الوطني عن حزب نداء تونس أن هناك “واجب أخلاقي” لحزبه تجاه هذه الأحزاب لكون مناصريهم قد اختاروا عدم التصويت لهم لمنع تشرذم الأصوات لصالح حركة النهضة كما حدث في انتخابات 2011 على حد وصفه.

 

ما أهم دلالات نتائج هذه الانتخابات؟

(1) يبقى الأمر مبكرًا على تحليل النتائج والدلالات، فالنتائج الرسمية لم تعلن بعد، إلا أن أبرز الملاحظات الجديرة بالانتباه هو التراجع الملحوظ لحركة النهضة التونسية أبرز ممثلي التيار الإسلامي الديمقراطي في تونس والمحسوبة على حركة الإخوان المسلمين إلى المركز الثاني وفقدانها ما لايقل عن 10% من كتلتها التصويتية مقارنة بما حصدته من انتخابات عام 2011.

(2) الأمر التالي الجدير بالملاحظة هو نجاح القوى المعارضة لحركة النهضة في صناعة تحالف قادر على تأمين أغلبية انتخابية – وهو ما فشلت فيه التيارات المعارضة لحكم الإخوان في مصر مثلا -، فبحسب العديد من المراقبين فإن المفاجأة لا تكمن في التراجع “المتوقع” لحركة النهضة بقدر ما تكمن في كونها حصلت على المركز الثاني بما يعني نجاح قوة جديدة في إقصائها انتخابيًا.

“الباجي قائد السبسي”

ويصنف حزب نداء تونس بحسب مراقبين على أنه ائتلاف غير معلن بين محسوبين على حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، حزب الرئيس السابق زين العابدين بن علي، ونقابيين ويساريين من مختلف مشارب اليسار وبعض المستقلين، ويقود الحزب الباجي قائد السبسي وهو رئيس الحكومة المؤقتة المعين في أعقاب رحيل بن علي وسبق له تولي منصب رئاسة البرلمان أثناء حكم بن علي، الأمر الذي يجعله مصنفًا من قبل البعض كأحد رموز نظام بن علي.

وبحسب خطابه المعلن منذ التأسيس، كان نداء تونس يطرح نفسه بديلًا في الحكم عن حركة النهضة وحلفائها في “حكومة الترويكا” وهما حزبي التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات الذي ينتمي إليه رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، والمؤتمر من أجل الجمهورية وهو حزب الرئيس منصف المرزوقي.
(3) الأمر الثالث الجدير بالنظر في النتائج الأولية للانتخابات يكمن في التراجع الملحوظ للأحزاب المحسوبة على تيار الثورة بخلاف حركة النهضة، خصوصًا حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (حزب الرئيس المنصف المرزوقي) الذي سيحصل على 4 مقاعد في البرلمان الجديد مقابل 29 مقعدًا كان حصل عليها في انتخابات 2011، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات (حزب مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي) الذي سيكون ممثلا في المجلس بمقعدين بعد أن كان ممثلا بـ20 مقعدًا في المجلس التأسيسي المنتهية ولايته.


لماذا تراجعت حركة النهضة؟

“احتفالات حركة النهضة بنتائج الانتخابات رغم التراجع”.

وفقًا للمحللين فإن جملة عوامل قد تضافرت للإسهام في التراجع الانتخابي الملحوظ لحركة النهضة بعضها أمور تتعلق بالحركة ذاتها وكيفية تعاطيها مع الواقع التونسي، وبعضها أمور تتعلق بتطورات الأوضاع في المحيط الإقليمي، وبعضها أمور متعلقة بمجريات الانتخابات ذاتها وتوجهات الناخبين.

على مستوي الحركة، يرى الكثيرون أن النهضة فعلت تمامًا ما فعله الإخوان في مصر حين وجدوا الساحة خالية للتصدر للسلطة بعد الثورة بغير استعداد كاف وفي وجود عقبات بعضها حقيقي وبعضها تم افتعاله من قبل الخصوم الأيدولوجيين وأذرع الأنظمة السابقة، الأمر الذي أدى إلى فشل الحركة على المستويين الاقتصادي والأمني وتنامي بعض حالات العنف غير المعهود كحوادث اغتيال المعارضَين التونسيَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وهي الحوادث التي استثمرها معارضو النهضة في الضغط عليها للتخلي طوعيًا عن السلطة مستثمرين شبح الخوف من تكرار تجربة انقلاب مصر، في النهاية استقالة حكومة علي العريض في مطلع العام وتم تشكيل حكومة “تكنوقراط” برئاسة مهدي جمعة، واعتبر النهضة خطوته هذه تقديمًا للديمقراطية على السلطة.

على المستوى الإقليمي كان التحول الأبرز مرتبطًا بالانقلاب العسكري المدعوم إقليميًا على سلطة الإخوان في مصر، وتوجهات ربط العنف الذي يجتاح المنطقة بحركات الإسلام السياسي ووصمها بالإرهاب بهدف عزلها اجتماعيًا وشعبيًا وهو ما نجح بشكل كبير، أما على مستوى الانتخابات فقد نجحت الأحزاب المناوئة لحركة النهضة في تفادي تشتيت الأصوات بينها عبر الدعوة إلى سياسة ما عرف بـ”التصويت المفيد” بمعنى ألا يصوت الناخب المعارض للنهضة للقائمة التي يرغب فيها بقدر ما يصوت للقائمة القادرة على منافسة النهضة في دائرته وهو ما استفاد منه حزب نداء تونس وخسرت بسببه العديد من الأحزاب جزءًا كبيرًا من قدرتها التصويتية.

“الغنوشي أثناء إدلائه بتصريحات حول الانتخابات”

من جانبها قدمت حركة النهضة التهنئة لحزب نداء تونس على فوزه بالانتخابات التي اعتبرها قادة الحركة انتصارًا للديمقراطية وفقًا لما جاء في تصريحات الغنوشي وغيره من قيادات الحركة، من جانبها اعتبرت سمية الغنوشي ابنة راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة أن قيادات النهضة اكتسبوا أفقًا واسعًا ونجحوا في قيادة بلادهم إلى بر الأمان عبر التنازل والتوافق وعدم اتباع المعادلة الصفرية أسوة بإخوان مصر، وذلك في مقال لها في صحيفة الجارديان أثار ضجة كبيرة، يمكنك مطالعة مقال سمية الغنوشي مترجمًا على موقع “نون بوست” من هنا.

 

كيف ينظر الإسلاميون – خصوصًا في مصر – إلى نتائج الانتخابات التونسية؟

“الغنوشي أثناء الإدلاء بصوته في الانتخابات”


الجدل حول الانتخابات التونسية وتراجع حركة النهضة تعدى حدود الداخل التونسي إلى المحيط الإقليمي خصوصًا في مصر التي أجهضت تجربتها الديمقراطية بعد انقلاب 3 يوليو 2013، يمكن بوضوح تمييز توجهين رئيسيين، الأول يعتبر ما حدث في تونس يحمل نوعًا من الإنجاز لحركة النهضة ولتجربة تونس الديمقراطية برمتها حتى وإن بدا في ظاهره تراجعًا فالمهم هو الحفاظ على التجربة، ويرى أن حركة النهضة قد أصابت في تخليها الطوعي عن السلطة مطلع العام الحالي، وأن صعود تيار جديد إلى السلطة غير الإسلاميين في انتخابات نزيهة هو فرصة للتيار الإسلامي لترميم صفوفه وإعداد كوادره دون أن يحمل على كاهله بشكل مباشر تبعات السلطة والمشكلات المتزايدة في أعقاب الثورات، بينما لايخفي أنصار هذا الفريق تخوفهم من أن تعمد السلطات الجديدة متحالفة مع أجهزة الدولة إلى الانفراد بالسلطة وممارسة سياسة إقصاء تعيد الأوضاع تدريجيًا إلى عهود الرئيس المخلوع بن علي.

التيار الآخر يرى أن المصير واحد في النهاية، يُقصَى الإسلاميون ويعود النظام القديم إلى السلطة متحالفًا مع خصومهم الأيدولوجيين، إن لم يكن بالانقلاب المباشر كما حدث في مصر، فعبر التشويه الإعلامي والتنميط والوصم بالعنف والإرهاب وسياسات الإفشال المتعمد، وتأتي الانتخابات – النزيهة شكلًا – لتتوج الأمر في النهاية، يرى أنصار هذا الرأي أن الثورة التونسية تلقى نظير نصيرتها المصرية ولكن عبر إخراج ديكوري أكثر ملاءمة.

 

كيف يرى الشباب التونسي نتائج الانتخابات؟

على مواقع التواصل الاجتماعي انقسمت آراء الشباب التونسي والعربي بشكل عام حول نتائج انتخابات بين من رآها انتصارًا للديموقراطية والثورة التونسية بغض النظر عن شخصية الأحزاب الفائزة وبين من رأى في نتائجها إعادة إنتاج لنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وكانت هذه بعض التعليقات حول نتائج الانتخابات التونسية على موقع التواصل الاجتماعي تويتر :
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=” https://twitter.com/eng_alkandari/status/526859055281623040″ ]
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/proudmuslim148/status/526859802631077888″ ]
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/eng_alkandari/status/526861324316205056″ ]
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/Mamedabdallah12/status/526862651452715008″ ]
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/nevzatcicek/status/525988389510983680″ ]
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=” https://twitter.com/mahragan10/status/526852291429535744″ ]
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/tounsiahourra/status/526799757780336641″ ]
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/mahmoudwaly/status/526800430391914496″ ]
[c5ab_embed_twitter c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://twitter.com/Mohmd_AAlhodaif/status/526457004898783232″ ]

 

تونس : ماذا بعد؟

ليس أمام التونسيين وقت كبير لالتقاط الأنفاس، فالتونسيون مدعوون بعد أقل من شهر “23 نوفمبر” لانتخاب رئيس جديد للبلاد خلفًا للرئيس الحالي منصف المرزوقي، في انتخابات يتنافس فيها 27 مرشحًا، على رأسهم الباجي قائد السبسي رئيس حزب نداء تونس ورئيس الجمهورية الحالي منصف المرزوقي ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، الأمر الذي قد يدفع حزب نداء تونس إلى تقديم بعض التنازلات في تشكيل الحكومة إذا أراد أن يحشد عددًا أكبر من المؤيدين للالتفاف حول السبسي في الانتخابات الرئاسية، بينما ستكون الانتخابات فرصة جديدة أمام حركة النهضة “التي لم تقدم مرشحًا يمثلها” لإثبات قوتها الانتخابية وقدرتها على دفع المرشح الذي ستدعمه إلى مقعد الرئاسة، هذا ولم تقم الحركة بعد بتسمية المرشح الذي سيحظى بدعمها في الانتخابات الرئاسية.

 

المصادر

تحميل المزيد