لا شك أن الطريق الذي اتخذته تونس بعد ثورتها عام 2011م كان طريقًا صعبًا وشاقًا ومليئًا بالعقبات والخلافات والصراعات. لكن رغم كل ذلك تعد تونس هي أكثر بلدان الربيع العربي نجاحًا حيث تمكنت من الحفاظ على العملية الديموقراطية دون ارتدادات عكسية أو انقلابات أو صراعات مسلحة.

استطاعت تونس أن تترجم نجاح ثورتها من خلال بداية أول الاستحقاقات الانتخابية متمثلة في الانتخابات البرلمانية المقرر انطلاقها يوم 26 أكتوبر الحالي.

الانتخابات البرلمانية

المنافسة في الانتخابات القادمة ستكون قوية جدًا طبقًا لتوقعات وسائل الإعلام والمراقبين بين معسكرين أساسيين هما المعسكر الإسلامي وتمثله حركة النهضة والمعسكر العلماني ويمثله حزب نداء تونس إلى جانب عدد من القوائم الدستورية المتفرقة.

يبلغ إجمالي المتنافسين على مقاعد البرلمان الجديد ذي الـ217 مقعد حوالي 15 ألف مرشح يمثلون 1327 قائمة مختلفة. وهذا يعني أن كل مقعد يتنافس عليه أكثر من 70 شخص تقريبًا.

يبدو هذا منطقيًا إذا ما عرفنا أن إجمالي الأحزاب السياسية في تونس حاليًا يبلغ 194 حزب.

يبلغ مجموع الدوائر الانتخابية 33 دائرة انتخابية منها 27 بالداخل و6 بالخارج.

يبلغ عدد مراكز الاقتراع 11 ألف مركز يخدمون 5 مليون و236 ألف تونسيًا مسجلين في كشوف الناخبين.

أحزاب بن علي

من بين الأحزاب المتنافسة هناك عدد من الأحزاب التي خرجت من رحم الحزب الدستوري الذي حكم البلاد بين عامي 1955م إلى 2011م عندما أطاحت به وبزعيمه زين العابدين بن علي الثورة الشعبية.

أبرز هذه الأحزاب هو حزب نداء تونس الذي تأسس عام 2012م والذي يتزعمه الباجي قائد السبسي الذي شغل منصب رئيس البرلمان التونسي في بداية عهد الرئيس السابق بن علي ووزير الخارجية والداخلية في عهد الرئيس الأسبق بو رقيبة وهو الذي أشرف على انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011م.

أحزاب أخرى تشمل حزب المبادرة وحزب الحركة الدستورية.

هناك أيضًا عدد من القوائم التي يتزعمها عدد من وزراء زين العابدين بن علي السابقين مثل الأمين العام السابق لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي عبد الرحيم الزواري، وكمال مرجان آخر وزير خارجية قبل الثورة، ورئيس الحكومة في حقبة التسعينات حامد القروي.

يشارك أعضاء حزب الدستور السابق أيضًا بعدد من القوائم المستقلة التي يدعمها وزراء سابقون ورجال أعمال محسوبون على النظام السابق.

المراقبون يتوقعون أن تفوز جميع الأحزاب والقوائم المحسوبة على النظام السابق بحوالي ثلث مقاعد البرلمان كما يتوقعون أن يكون رئيس الجمهورية مقربًا منها.

هذه المجموعة بالإضافة لقوائم العلمانيين المستقلين تظهر بوضوح تشتت وتفرق العلمانية في تونس.

حزب نداء تونس خاصةً سيكون معرضًا لتجاذبات وخلافات داخلية نتيجة تكوينه من أعضاء سابقين في حزب الدستور ومن يساريين ونقابيين وكلاهما من المعارضين لحركة النهضة. تخشى قيادات الحزب من تنامي نفوذ أعضاء النظام السابق.

الأحزاب الإسلامية

أبرز القوائم الإسلامية تتمثل في قوائم حزب النهضة الإسلامي الذي يتزعمه راشد الغنوشي.

المراقبون يتوقعون أن تفوز هذه القوائم بما لا يقل عن ثلث مقاعد البرلمان.

الحملة الانتخابية لحركة النهضة تركز على التوافق الذي أدى إلى الموافقة على أول دستور للبلاد بعد الثورة. هذا التوافق الذي تسبب في تقديم حركة النهضة للعديد من التنازلات خلال السنوات الثلاثة الماضية نجح في تجنيب البلاد سيناريوهات مسلحة تعرض لها عدد من بلدان الربيع العربي.

من أجل ذلك لم تقم حركة النهضة بترشيح إسلاميين “متشددين” على قوائمها يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية.

جدير بالذكر أن حركة النهضة تمكنت من تغطية جميع الدوائر الانتخابية داخل وخارج البلاد.

اليساريون والليبراليون المستقلون

أبرز هذه القوائم تتمثل في قوائم الحزب الجمهوري بزعامة أحمد نجيب الشابي، وقوائم حزب التكتل من أجل العمل والحريات الذي يتزعمه منصف بن جعفر، وقوائم حزب المؤتمر بزعامة الرئيس التونسي الحالي منصف المرزوقي، والأخيرين اشتركا في ائتلاف حكومي مع حزب النهضة سابقًا، وقوائم الجبهة الشعبية التي يتزعمها حمه الهمامي وتضم 10 أحزاب إلى جانب عدد من السياسيين غير الحزبيين.

ويتوقع المراقبون أن تفوز هذه القوائم مجتمعة بحوالي ثلث مقاعد البرلمان.

لا تحالفات

مما هو ملاحظ حتى هذه اللحظة أن فكرة بناء تحالفات لا تزال ضعيفة ولا يوجد اقتناع كافٍ بها.

فعلى الرغم من الدعوات المتكررة لعقد تحالفات بهدف موازنة قوة حركة النهضة الإسلامية والتقليل من إمكانية حصولها على الحصة الأكبر، لا يزال التجاوب مع هذه النداءات محدودًا.

لم تتجاوز القوائم الائتلافية حتى الآن 140 قائمة من أصل أكثر من 13 ألف قائمة.

السبب وراء ذلك يأتي من سعي كل حزب بشكل منفرد نحو تعزيز موقعه في العملية الانتخابية من أجل انتزاع أكبر عدد ممكن من المقاعد في البرلمان.

نتيجة لذلك يتوقع عدد من المراقبين مثل الكاتب محمد المالكي أن يكون البرلمان القادم “برلمانًا فسيفسائي وليس مؤسسة تشريعية ذات كتل وأقطاب محدودة العدد قوية الوزن”.

لكن التحالفات يبدو أنها ستظهر بوضوح في أعقاب ظهور النتائج والتي يتوقع المراقبون أن يتصدرها حزب النهضة الإسلامي يليه مباشرة حزب نداء تونس واللذان سيشكلان الكتلتين الرئيسيتين في البرلمان مما يعني صراعًا إسلاميًا علمانيًا واضحًا.

جدير بالذكر أن 23 حزبًا تونسيًا قاموا بالتوقيع على ميثاق شرف يتعلق بهذه الانتخابات من أجل عدم حدوث انتخابات.

تاريخ العملية السياسية بعد الثورة

في أعقاب ثورة الياسمين التونسية عادت حركة النهضة الإسلامية للواجهة وبقوة بعدما كانت تنظيمًا محظورًا منذ عام 1987م. فتمكنت الحركة من الفوز بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011م حيث حصلت على 37% من إجمالي الأصوات لتقوم بتشكيل أول حكومة تونسية بعد الثورة بعد أن كونت تحالفًا حكوميًا ثلاثيًا مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات، وهما حزبان علمانيان.

في عام 2013م شهدت تونس أزمة سياسية حادة نتيجة اغتيال اثنين من قادة المعارضة العلمانية في هجمات وقفت وراءها جماعات إسلامية محسوبة على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي.

مع مطلع عام 2014م قدم التحالف الثلاثي استقالته بموجب خارطة طريق طرحتها المركزية النقابية القوية لإخراج البلاد من الأزمة السياسية. ثم قامت حكومة غير منتمية لأحزاب بقيادة مهدي جمعة تتولى مهمة تسيير الأعمال في البلاد تجاه إجراء الانتخابات.

المرأة في الانتخابات

ترى منظمة (gender concerns) التي ستشارك في مراقبة الانتخابات التونسية القادمة أن هذه الانتخابات فرصة جيدة لقياس مدى التقدم بالنسبة لحقوق المرأة مقارنةً بانتخابات عام 2011م.

هذه الانتخابات تمثل فرصة جيدة للمرأة التونسية للمشاركة في العملية السياسية في البلاد في دولة تحظى فيها المرأة بوضع قانوني غير مسبوق بالنسبة للدول العربية الأخرى منذ صدور قانون الأحوال الشخصية عام 1956م.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد