الاغتيالات السياسية هي جرح تونس النّازف الذي لم يندمل بعد، واللغز الذي لم تتمكن التحقيقات من فك شفراته إلى اليوم، ومع الذكرى الرابعة لاغتيال بلعيد لم يكشف النقاب بعد عن باقي المنفذين والرؤوس المدبرة لعملية اغتياله، كما هو الأمر بالنسبة لعملية اغتيال محمد البراهمي، وهي القشة التي قسمت ظهر البعير؛ إذ عاشت تونس على أثره أزمة سياسية خانقة تمكنت جلسات الحوارالوطني من إخماد لهيبها، ولكنها لم تتمكن من كشف الحقائق ليبقى من دبر وخطط لاغتيالهما في صفوف الأبرياء، فهل دفن سره معهما؟

خط زمني للاغتيالات السياسية في تونس

لم تكن اغتيالات بلعيد، والبراهمي، ومحمد الزواري هي الأولى في تاريخ تونس، فقد سبقتها اغتيالات أخرى، والتي نفذت بحسب التحقيقات على نفس الشاكلة رميًا بالرصاص، وفي الجدول التالي أهم التفاصيل عن عمليات الاغتيال التي عرفتها البلاد منذ أكثر من نصف قرن إلى اليوم.

التسلسل الزمني لأبرز الاغتيالات السياسية في تاريخ تونس

الاغتيالات

متاهة الوصول إلى الحقيقة كاملة

ورغم المحاولات الكثيرة التي بذلتها أطراف عدّة، فلم يفك بعد لغز اغتيال بلعيد والبراهمي، ويلف القضيتين غموض كبير يدعو إلى التساؤل والحيرة، ومؤخرًا قرر القضاء التونسي تأجيل البت في القضيتين.

وبات هاجس التونسيين عامة، وعائلتي بلعيد والبراهمي خاصة، والمقربين منهما هو كشف الحقيقة كاملة ونهاية التحقيقات التي طال أمدها.

ويذكر أن التحقيقات في هاتين القضيتين توصلت إلى نتائج وحصيلة من الموقوفين، سواء بتهمة القتل العمد، أو المشاركة فيه، ولكن لم يتم الكشف عن العقل الذي دبر وخطط وقرر تنفيذ عمليات الاغتيال.

المصلحة السياسية وقرار الاغتيال

تم اغتيال فرحات حشاد على يد منظمة (اليد الحمراء) بعد تعدد نشاطاته ضد الاستعمار الفرنسي، وهو ما أثار قلق الحكومة الفرنسية، وحثها لمحاولة التخلص منه بعد أن أصبح يهدد مصالحها الاستعمارية في تونس وشمال أفريقيا، وتمت تصفيته رميًا بالرصاص وهو في طريق العودة إلى المنزل، وبذلك تخلصت السلطات الاستعمارية من رجل ومعارض لمصالحها، كان يمكنه أن يصبح رئيسًا في فترة ما بعد الاستقلال.

واغتالت أيادي الموساد، السياسي الفلسطيني خليل الوزير في أواخر الثمانينات في مقره بتونس بهدف إضعاف الانتفاضة الفلسطينية وإنهائها، كما تم مؤخرًا اغتيال أحد إطارات كتائب عز الدين القسام مهندس الطيران التونسي محمد الزواري؛ بسبب إشرافه على مشروع تطوير طائرات بدون طيار التي أطلق عليها اسم (أبابيل1)، ومشروع الغواصة المسيرة عن بعد، والذي يعمل عليه في إطار الدكتوراه، وتمت عملية الاغتيال عن طريق جهاز الموساد الإسرائيلي بحسب كتائب القسام، وما زالت الأبحاث جارية.

ومع بداية شهرفبراير (شباط) 2013، شهدت تونس أول عملية اغتيال في فترة ما بعد الثورة، والتي استهدفت المعارض والقيادي في ائتلاف الجبهة الشعبية شكري بلعيد، تلى ذلك اغتيال ثاني معارض تونسي محمد البراهمي، وهو الذي كان نائبًا في البرلمان المؤقت، وذلك تزامنًا مع إحياء تونس لعيد إعلان الجمهورية الموافق لـ 25 (تموز) يوليو من كل عام، والسؤال الذي يبقى مطروحًا، من هي الرأس المدبرة والمخططة لهذه الاغتيالات ؟

رسم توضيحي مختصر للمشهد السياسي في تونس نتيجة اغتيال بلعيد والبراهمي

الاغتيالات

 

محطات زمنية فاصلة في تاريخ تونس

ما بعد انتخابات 2011

نتج عن أول انتخابات نزيهة وشفافة في تونس ما بعد الثورة صعود الإسلاميين إلى الحكم بعد حصولهم على النصيب الأوفر من الأصوات، وبالتالي تم تكوين حكومة الترويكا التي كانت تتكون من حزبين من العائلة الديمقراطية، وهما: التكتل من أجل العمل والحريات، والمؤتمر من أجل الجمهورية، بقيادة حركة النهضة الإسلامية، وفي الأثناء قام الباجي قايد السبسي بتكوين حزب نداء تونس.

تأسيس حزب نداء تونس سنة 2012

يعتبر حزب حركة نداء تونس نفسه امتدادًا للحركة الإصلاحية التونسية، ويضم الحزب شخصيات تنتمي إلى تيارات سياسية مختلفة، تجمعها بعض القواسم المشتركة، ووجوه نقابية معارضة، إضافة إلى التيار اليساري، وعدد مهم من الدستوريين (نسبة للحزب الاشتراكي الدستوري)، إضافة إلى تجمعيين ومسؤولين انتموا سابقًا إلى نظام المخلوع بن علي، ويضم الحزب كذلك مجموعة من ناشطي المجتمع المدني.

بداية فترة التجاذبات بين النهضة والنداء

تم تأسيس حركة نداء تونس لتصبح المنافس الأول لحركة النهضة، وبدأت التساؤلات حول إمكانات التحالف بين الجهتين، وكان رئيس حركة النهضة دائمًا ما ينفي إمكانات التحالف بين الطرفين، قائلًا إن »نداء تونس تحمل داخلها ما هو أخطر من السلفيين، وهي حركات إعادة رسكلة التجمعيين». على حد قوله.

من فبراير إلى 25 يوليو 2013

تم تنفيذ اغتيالين سياسيين، وهما الأقرب زمنيًّا في تاريخ تونس. أولهما كان اغتيال المعارض شكري بلعيد، ثم اغتيال البرلماني محمد البراهمي، وهو ما نتج عنه أزمة سياسية حادة، ومرحلة اللا عودة، ووجهت الاتهامات من وجهة نظر البعض إلى النهضة.

أكتوبر (تشرين الأول) 2013

انطلاق جلسات الحوار الوطني، والتي استوجبت جلوس الفرقاء السياسيين على طاولة واحدة على رأسهم النهضة، والنداء.

تدخلت منظمات المجتمع المدني المعروفة باسم الرباعي، بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، وضم الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين، واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، وتم التوصل إلى مخرج للأزمة التي عرفتها البلاد؛ إذ أجبرت حكومة علي العريض على الاستقالة، وتم تعويضها بحكومة مهدي جمعة التي كان من بين أدوارها إدارة الدولة، والإعداد لانتخابات ديمقراطية.

أكتوبر (تشرين الأول) 2014: الانتخابات في تونس

انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2014، أوصلت خصوم النهضة، حركة نداء تونس إلى الحكم، وبعدما كان يوصف كحزب لرسكلة التجمعيين، ومعاداة الثورة والدولة، يصبح اليوم الحليف الرئيسي للنهضة.

قلبت الانتخابات موازين القوى لتجعل نداء تونس بالمرتبة الأولى برلمانيًّا، والنهضة بالمرتبة الثانية، ومهدت الطريق لتحالفات جديدة لم تكن متوقعة من قبل.

وبحسب المراقبين للشأن التونسي، فإن النهضة قد استفادت من تفكك نداء تونس، وفي المقابل استفاد النداء بعد تحول النهضة، لكن الصراعات الداخلية في قلب الائتلاف الحكومي أدت إلى عدم القدرة على إدارة الدولة، والعجز عن حل الأزمة نظرًا لعدم وجود برنامج إنقاذ وطني يتفق عليه قطبا الحكم.

فهل حققت الجهات التي نفذت الاغتيالات هذه المرة مرادها؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد