لم يكن مفاجئًا أن تعلن تونس عن نيتها تعويم الدينار مؤخرًا، إذ أن أجندة الإصلاح الاقتصادي التي تعمل بها الحكومة التونسية هي ذاتها التي طبقتها مصر وباتت المغرب قاب قوسين أو أدنى من البدء بها، ولكن هل يحتاج الاقتصاد التونسي للتعويم؟، ربما يكون هذا السؤال ملحًّا، لكن الإجابة عليه تحتاج منا للإجابة أيضا عن تساؤل آخر ربما يكون مشتركًا في نفس الإجابة وهو هل كانت مصر بحاجة إلى تعويم، وهل المغرب كذلك؟

في الواقع تعويم العملة ليس غاية، بل هو وسيلة اقتصادية لها أسبابها، ولكن هل اختارت مصر أو تونس أو المغرب هذه الوسيلة عن قناعة؟، في الحقيقة هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى الإجابة، فالتعويم لم يكن اختيار القاهرة، وهو كذلك ليس سياسة نابعة عن الرباط بشكل خالص، وأيضًا ليس هو الحل السحري بالنسبة لتونس، إلا أن الرابط بين هذه الدول هو النقد الدولي، فهي سياسة الصندوق والتي تستجيب لها الدول سواء طواعية أو كرهًا، وهذا ما يحدث الآن.

في البداية، التعويم هو ترك سعر صرف العملة تتحدد طبقًا لآلية العرض والطلب، وذلك بدون تدخل الحكومة أو المصرف المركزي، ومن سمات هذا العملة بعد التعويم إنها يمكن أن تتغير عدة مرات في اليوم الواحد، وهي ميزة التعويم الحر وهو ترك تحديد سعر الصرف للسوق بشكل كامل، دون أي تدخل.

نوع آخر من التعويم يسمى بالمُوجَّه، إذ يُترك تحديد سعر الصرف لقوى السوق، ولكن تتدخل الدولة حسب الحاجة، ويقول النقد الدولي أن تحرير سعر الصرف ينعكس إيجابيًّا على النمو الاقتصادي، ويساعد على توازن الميزان التجاري، ويساهم في خلق التوازن بالاقتصاد الكلي، إلا أن التجارب الاقتصادية العالمية لا تشير إلى أن التعويم قادر على فعل كل ذلك.

هل تونس بحاجة إلى التعويم؟

نظريًا، تحتاج كل الأسواق إلى السوق الحر فهو يعكس الواقع الاقتصادي الحقيقي لأي دولة وهذا أمر في غاية الأهمية بالنسبة لقطاعات اقتصادية عدة، ولكن في الغالب يدفع المواطن ضريبة هذا التغير باهظة، وهذه هي المشكلة وليس التعويم في حد ذاته، فالتعويم أو تحرير سعر صرف العملة إجراء اقتصادي جيد إجمالاً، ولكن التطبيق خاصة في المنطقة العربية يترك المواطن يتحمل كل التداعيات السلبية لهذا القرار دون حماية تذكر، وفي الغالب تكون هنا الأزمة.

المركزي التونسي بحاجة للتعويم حتى يتمكن من تكوين احتياطي نقدي جيد أو يمنع تآكل الاحتياطي النقدي الحالي، وهو كذلك هدف صندوق النقد الدولي لمزيد من الضمانات، ويتدخل المركزي حاليًّا في سوق الصرف بين البنوك ويضخ سيولة نقدية بالعملة الأجنبية حتى يحافظ على توازن السوق، لكي لا يحدث انخفاضات أو ارتفاعات كبيرة في أسعار صرف العملات الأجنبية بين البنوك، ومع التعويم سيمتنع البنك المركزي عن التدخل في سوق الصرف، ليصبح تحديد قيمة العملة طبقًا لقوى العرض والطلب.

ما هو أصل الأزمة؟

دائمًا يجب العودة للاقتصاد الحقيقي لمعرفة أصل الأزمات الاقتصادية سواء النقدية أو المالية، ففي الغالب يكون الخلل في الأساس في هيكل الاقتصاد، ولعل الأزمة في تونس ترجع إلى عنصرين أساسيين هما الميزان التجاري ومصادر العملة الأجنبية:

عجز الميزان التجاري

دائمًا ما يكون الميزان التجاري هو أكثر المؤشرات التي تدل على حالة الاقتصاد في أي دولة، وبالنظر إلى العجز التجاري في مصر والمغرب وتونس، نجد أن الأرقام تونس تشير إلى العجز الأكبر، فوفقًا لمعهد الإحصاء الحكومي، فإن العجز التجاري لتونس تضاعف تقريبًا في أول شهرين من 2017 مقارنة بالفترة المقابلة من العام الماضي، وقفز العجز 86% في أول شهرين من 2017.

وزاد العجز إلى 2.51 مليار دينار (1.10 مليار دولار) في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2017 من 1.35 مليار دينار في أول شهرين من عام 2016، إذ نمت الواردات بنسبة 23.7% في أول شهرين من هذا العام لتبلغ 7.13 مليار دينار، بينما زادت الصادرات بوتيرة بطيئة بلغت نحو 4% لتصل إلى 4.41 مليار دينار.

ومع هذا العجز الكبير، من الطبيعي أن يكون هناك أزمة عملة متفاقمة، وتسعى السلطات التونسية لعلاج هذا الأمر من خلال قرار بترشيد بعض الواردات في الفترة المقبلة، ولكن مثل هذه القرارات لا تمس المشكلة الأساسية وهي ضعف الإنتاج بالتالي تراجع الصادرات.

السياحة

تُعد السياحة في تونس من أهم مصادر العملة الصعبة، إلا أنها تشهد أوضاعًا صعبة خلال السنوات الماضية، إذ حظرت العديد من البلدان الأوروبية على مواطنيها السفر إلى تونس منذ منتصف 2015، وذلك في أعقاب الهجمات الإرهابية التي استهدفت متحف باردو وسط العاصمة تونس، ومدينة سوسة الساحلية (شمال شرق)، وأودت بحياة عشرات السياح الأوروبيين.

إلا أنه مع مطلع العام الجاري، استأنفت كل من فرنسا وروسيا وبولندا وبلجيكا وألمانيا، رحلاتها إلى تونس، مدفوعة بتحسّن الوضع الأمني في البلاد، فيما لا تزال بريطانيا متحفّظة على هذا الأمر، لكن ما زالت إيرادات السياحة لم تعد لسابق عهدها بعد، إذ تراجعت خلال الأشهر التسعة الأولى من 2016 بنسبة 8.4%، على أساس سنوي، وفق بيانات رسمية.

إيرادات تونس من السياحة سجلت انخفاضًا بنسبة قياسية وصلت إلى 34.1% بالأشهر التسعة الأولى من 2014، فيما تراجعت مساهمتها حاليًا بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي لتونس مقابل 10% قبل عام 2011.

وكانت وزيرة السياحة التونسية سلمى اللومي، قد أعلنت مؤخرًا أنها تسعى من خلال إستراتيجية جديدة لدعم قطاع السياحة، إلى استقطاب 10 ملايين سائح بحلول 2020 مقارنة بـ5.7 ملايين في 2016.

الاستثمارات الأجنبية

رغم أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تونس ارتفعت بنسبة 18% في الثلاثة أشهر الأولى من 2017، مسجلة نحو 190 مليون دولار، مقابل نحو 161 مليون دولار، في الفترة نفسها من 2016، إلا أن هذه الاستثمارات ذهبت إلى قطاعات لن يكون المردود الاقتصادي منها سريعًا، فيما لم يحظ القطاع الفلاحي بأي استثمار في هذه الفترة.

ووفقا لإحصائيات وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي (حكومية)، فإنّ الاستثمارات الخارجية تطوّرت بواقع 16.6%، حيث بلغت 462 مليون دينار (195 مليون دولار) مقابل 396.2 مليون دينار (167 مليون دولار).

لماذا يجب أن يقلق التونسيون من تعويم الدينار؟

في 18 أبريل (نيسان) الجاري، قالت وزيرة المالية التونسية لمياء الزريبي إن البنك المركزي سيقلص تدخلاته لخفض الدينار تدريجيًا، ولكنه لن يسمح بانزلاق كبير للعملة المحلية مثلما حدث في مصر عندما جرى تعويم الجنيه.

الوزيرة اعترفت أن الاتجاه لخفض الدينار يأتي ضمن نقاشات جرت مع صندوق النقد الدولي، فيما قالت إن الانزلاق الكبير والمفاجئ للدينار سيكون له تداعيات أبرزها التضخم مثلما حدث في مصر، وربما يكون استشهاد الوزيرة بتجربة هو أهم ما يجب أن يقلق بشأنه التونسيون، إذ أن صندوق النقد الدولي اعترف أنه أخطأ في تقدير هبوط العملة المصرية بعد التعويم، وهو أمر يجب أن تدركه الحكومة التونسية جيدًا.

الزريبي ذكرت أن القيمة الحقيقة للعملة التونسية مقارنة باليورو هي ثلاثة دينارات، فيما يبلغ سعر اليورو في الوقت الحالي 2.5 دينار تونسي، ولم تذكر الوزيرة أساس تقدير هذه القيمة، ولكن في ظل العجز الكبير في الميزان التجاري والمعطيات الاقتصادية سابقة الذكر، لا يمكن أن تكون الفجوة بين السعر الحقيقي والرسمي صغيرة إلى هذا الحد.

ووفقًا لتجربة مصر، فإن القلق ليس من التعويم في حد ذاته أنما الأمر متعلق أكثر بالإجراءات التي يجب أن تتخذها الحكومة لتخفيف حدة القرار، والتي من بينها مكافحة الاقتصاد الموزاي والتهريب إضافة إلى خطوات حماية بهدف ترشيد الواردات، وضبط الأسواق للسيطرة على نسب التضخم المرتفعة.

وفقد الدينار التونسي أكثر من 25% من قيمته، خلال السنوات الخمس الماضية، إذ سجل مقابل اليورو نحو 1.4 دينار سنة 2011 وصولًا إلى 2.53 دينار هذا الأسبوع.

يشار إلى أن نمو الاقتصاد التونسي تباطأ في العام الماضي 2016، إلى 1% مقارنة مع 1.1% في 2015، وفق أرقام رسمية نشرها المعهد الوطني للإحصاء (حكومي)، وتقدّر موازنة الدولة التونسية للسنة الحاليّة بـ 32 مليار دينار تونسي (نحو 14 مليار دولار) مع توقعات بنسبة نمو تقدر بـ2.5%.

شبح التضخم

يعد معدل التضخم هو أكثر ما يقلق التونسيين في الوقت الحالي، ورغم أن آخر معدل للتضخم في تونس وصل إلى 4.7% في مارس 2017، وهو معدل منخفض مقارنة بالكثير من دول المنطقة إلا أن تواصل هبوط الدينار ربما يضاعف هذه النسبة خلال فترة قصيرة، خاصة مع قرب حلول شهر رمضان المبارك، والذي ترتفع في نسب الاستهلاك، مما يرفع الأسعار بشكل ملحوظ.

على الجانب الآخر، يُحذّر خبراء من استمرار تدهور القوة الشرائية للدينار للتونسي، إذ كشف المعهد الوطني للإحصاء تراجعها بنسبة 42 %، وهو ما انعكس على الطبقة المتوسّطة التي تراجعت خلال السنوات الأخيرة من 80 % إلى 64 % من مجمل التونسيين.

ووفقا لإحصائيات المعهد فإن فارق الأسعار خلال 10 سنوات بين عام 2005 و2015، يكشف ارتفاع أسعار اللحوم بما يقرب من 84% والأسماك الطازجة بنحو 68% والغلال بنسبة 95% والخضر بنسبة 8%.

يأتي ارتفاع نسبة التضخم في تونس للمرة الخامسة على التوالي، وذلك بحسب إحصاءات المعهد الوطني، إذ سجل نحو 4.6%، في فبراير (شباط) الماضي، صعودًا من 4% إلى 4.2% في ديسمبر (كانون الأول) 2016 و4.6% في يناير (كانون الثاني) الماضي.

في الوقت ذاته يشكك البعض في معدلات التضخم الرسمية، في ظل أن أسعار مختلف السلع تسجل قفزات متتالية تجاوزت 100% في بعض الأحيان، إذ يرى الخبير المالي وجدي بالرجب، أن نسبة التضخم الملموس في تونس حاليًّا تقترب من 11%، مشيرًا إلى أن معهد الإحصاء يستعمل منهجية غير محدّثة في احتساب الأرقام، خاصة أن آخر تحديث قام به المعهد كان سنة 2010، وفق تأكيده.

النقد الدولي يحكم

لا تختلف ظروف تونس ما قبل التعويم عن مصر كثيرًا، وكذلك لا تختلف شروط النقد الدولي في تونس عن مصر أيضًا، إذ تتمثل أهم توصيات صندوق النقد الدولي للحكومة التونسية، في إصلاح القطاع المصرفي وتسريح الموظفين والزيادة في الضرائب، والحد من ارتفاع كتلة الأجور التي بلغت 14.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتحسين مناخ الأعمال والاستثمار.

وبحسب وزير المالية، فإن تعويم العملة كذلك ينضم إلى القائمة، إلا أن مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، قال «إن الصندوق لم يوصِ بالتخفيض في سعر صرف الدينار، وإنما أوصى بإدارة العملة بطريقة مرنة تسمح بمعالجة عجز الميزان التجاري».

وتابع أزعور: «ليس هناك حاجة، اليوم، إلى تعديل مفاجئ لقيمة الدينار ذلك أن قيمته الحالية لا تتجاوز قيمته الحقيقية إلا بنسبة 10% وهي نسبة ضعيفة وفق نماذج سعر الصرف القياسية»، لكن في الواقع هذه النسبة مرتفعة جدًّا وستقود التضخم لنسب كبيرة لن يتحملها التونسيون في الوقت الحالي.

رضا شكندالي الخبير الاقتصادي، قال إن البنك المركزي مع قانونه الجديد المشروط من صندوق النقد الدولي أصبح أكثر طاعة للصندوق منه للمصلحة الوطنية التي تستدعي منه التدخل للمحافظة على قيمة الدينار، إلا أنه يمهّد لإجراء التخفيض في قيمة الدينار والوصول إلى سياسة الأمر الواقع، وهذا ما يريده صندوق النقد الدولي، بل هذا من بين شروطه في كل الدول التي تتعامل معه.

اتحاد الصناعة والتجارة في تونس من جانبه، كشف عن قلقه من الهبوط الحاد للدينار، وحث السلطات على توضيح خطتها لوقف نزيف العملة المحلية، إذ قال إن التراجع الكبير الذي شهدته قيمة الدينار التونسي في اليومين الأخيرين أصبح يمثل خطرًا حقيقيًّا على الاقتصاد التونسي وعلى المؤسسة الاقتصادية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد