«صوت تونس يجهر باللغة العربية الفصحى، وليس بالفرنسية لغة المحتل القديم»

هكذا بدت أولى ملامح التغيير الذي طرأ على «بلاد الياسمين»، بعد إعلان فوز المرشح المستقل وأستاذ القانون الدستوري، قيس سعيد، في انتخابات الرئاسة بنسبة تجاوزت 72% من الأصوات.

عد مراقبون وصول سعيد، البالغ من العمر 61 عامًا، إلى قصر قرطاج بمثابة «تحول جذري» و«زلزال سياسي» لم يضرب التونسيين فقط، بل امتدت موجاته لتحرك مشاعر الشعوب العربية المؤيدة للثورة ومطالب التغيير، ولتهز في الوقت نفسه الأروقة السياسية للأنظمة المؤيدة للثورة المضادة، حتى عد بعضهم هذه النتيجة «ثورة ثانية» في تونس.

فبعد إعلان فوزه بالرئاسة، لم ينتظر سعيد كثيرًا ليؤكد برنامجه السياسي الطموح القائم على مبادئ الثورة والحرية، وتطبيق القانون، وإنهاء أي وصاية على تونس، وقال في أول كلمة له إن «عهد الوصاية انتهى»، واصفًا وصوله وما يحدث بأنه «مرحلة تاريخية يستلهم الآخرون منها العبر».

وعلى مستوى العلاقات الخارجية، أكد سعيد أنه سيعمل على دعم القضايا العادلة، وفي مقدمتها «القضية الفلسطينية»، مبررًا ذلك بأن الثورة التونسية «ثورة ذات بعد إنساني»، وفي الوقت نفسه أكد احترام بلاده لتعهداتها الدولية.

«واشنطن بوست»: دليلك لفهم نتائج الانتخابات البرلمانية التونسية

تونس ما بعد قيس سعيد.. تغييرات داخلية مرتقبة

أول ما ترنو إليه أبصار التونسيين بعد انتخاب قيس سعيد، هو إصلاح شؤونهم الداخلية، فنتيجة الانتخابات التي عُدت مفاجأة للبعض، عكست عدم ثقة التونسيين في الوعود الفارغة للنظام القديم والأحزاب الجديدة على السواء، ومن ثم كان اختيارهم لوجه مستقل جديد يتحدث بلسان الشارع، ويعبر عن أحلام الشباب بلغة يملؤها الصراحة والوضوح.

ويتجلى فقدان الشعب ثقته في النخب السياسية القديمة، أن من كان متوقعًا لهم الوصول إلى قصر قرطاج، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء يوسف الشاهد، ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، ونائب رئيس البرلمان عبد الفتاح مورو، لم ينجحوا في ذلك، في وقت أدار فيه قيس سعيد حملته الانتخابية من شقة صغيرة، لم ينفق عليها الكثير من الأموال، مدعومًا من جمهور غالبيته من الشباب صغار السن، الذين يحترمونه بسبب دعمه للثورة على بن علي، منذ أيامها الأولى.

هذه النتيجة التي عدها كثيرون رسالة واضحة وقوية تعبر عن إرادة التغيير التي تسيطر على عقول التونسيين، وخاصة الشباب، الذين يرغبون في تصحيح مسار ما حدث قبل ثماني سنوات.

وفي الوقت أشادت صحيفة «لابريس» التونسية الصادرة باللغة الفرنسية، بإقبال الشباب على التصويت في الانتخابات، رأت أن ذلك أعطى شرعية للمسار الانتخابي الذي كان سليمًا من الناحية التقنية، وقالت إن السبب في اختيار سعيد يرجع لكونه يجسد شخصية المرشح المعادي للطبقة السياسية القديمة، ورفعه لشعار التغيير وتجديد دماء السلطة في تونس.

إصلاح اقتصادي عاجل

يمكن القول بأن أولى مطالب الشعب التونسي تتمثل في إصلاح الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي، والتي تعد أكبر خطوة يمكن للرئيس الجديد أن يحافظ بها على ثقة التونسيين. إذ تعاني البلاد من أزمة اقتصادية زادت من جراء الخلافات التي سادت بين أركان مؤسسات السلطة، التي لم تكن قادرة على حل معدلات البطالة، وزيادة الأسعار، وغياب فرص العمل، والتي كانت سببًا أساسيًّا في اندلاع الثورة منذ البداية.

ويواجه الاقتصاد التونسي تحديات عدة، تحت تأثير عدد من الصدمات السلبية، والتي من بينها انهيار السياحة، وفقدان السوق الليبية، وتراجع إنتاج الفوسفات والنفط. وتقدر هذه الخسائر بنحو 6% من إجمالي الناتج المحلي سنويًّا في المتوسط، مقارنة بمعدلات عام 2010، و14% من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بتوجه إجمالي الناتج المحلي القائم عام 2010.

وخلال فترة الدعاية الانتخابية، تعهد سعيد بمكافحة الفساد، واستئصال الفقر، وبناء حكومة جيدة، وإنشاء نظام صحي وتعليمي حديث، وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطن التونسي. ويرتكز مشروع قيس سعيد على لامركزية القرار السياسي، وتوزيع السلطة على الجهات. ويتبنى شعارات الثورة التي أطاحت بنظام بن علي في 2011، ومنها «الشعب يريد»، و«السلطة للشعب».

لكن مشروع قيس سعيد لا يتضمن تفاصيل تبلور رؤيته لحل المشكلات التي يعاني منها المجتمع التونسي، ومنها البطالة، على سبيل المثال، لكن أعضاء حملته برون أن سعيد وضع قاعدة لحل المشكلة، وعليه ستستكمل باقي المؤسسات العمل معه في حلها.

فحل مشكلة البطالة، على سبيل المثال، يبدأ من إنشاء مجالس محلية تضع مشروعات تنمية بناء على مطلب سكان كل منطقة، وذلك لتلافي صرف منح مالية دون تحقيق عوائد، والعمل على إنهاء ثقافة العمل السائدة التي تعتمد على «التواكل».

وتجدر الإشارة إلى أن تونس تتعرض حاليًا لضغوط من مقرضين دوليين لخفض الإنفاق العام، بما في ذلك دعم السلع الغذائية الأساسية والوقود، وخفض عجز الميزانية. لكن التوترات الاجتماعية تجعل من مسألة خفض الإنفاق مسألة حساسة.

لمّ شمل «مجتمع منقسم»

ليس خافيًا على المتابعين الانقسام الواضح في الشعب التونسي، الذي يتأرجح بين الإسلاميين والعلمانيين نتيجة سنوات طويلة من الاحتلال الفرنسي، والحكم العسكري الموالي لباريس. وعلى إثر ذلك تعهد قيس سعيد، بأن يكون رئيسًا لكل التونسيين، ويكون على قدر حجم المسؤولية التي أسندت إليه من أجل ضمان استمرارية الدولة.

وتعبيرًا عن حمله هَمَّ جمع شمل ذلك الانقسام السياسي، قال قيس سعيد في مؤتمر صحفي عقب الإعلان عن فوزه: «أشكركم من أعماق الأعماق، وسأحمل الرسالة والأمانة بكل صدق وإخلاص، لأننا اليوم نحاول أن نبني بقدراتنا تونس جديدة، تونس التي صاح الشعب في ديسمبر (كانون الأول): «الشعب يريد». واليوم أرى أنكم تحققون ما تريدون. هذه الجملة العابرة للتاريخ، العابرة للقارات حتى الدول التي لا تنطق اللغة العربية رددوها بالعربية».

ويعد قيس سعيد مناهضًا شرسًا للنظام السابق وللحكومات المتعاقبة منذ 2011، وداعمًا قويًّا لمطالب ثورة 2011. ورغم ذلك فإنه مطالب بإيجاد حالة من التوازن بين كل فئات الشعب التونسي، وأن يحقق مطالب الثورة، وفي الوقت  نفسه لا يستثير غضب قوى النظام القديم. 

أجندة عربية تفرض نفسها على «الرئيس الثوري»

موقع تونس بين ليبيا الجريحة والجزائر التي تتطلع للتغيير، يفرض أجندة خارجية نشطة على قيس سعيد، الذي يدرك هذا البعد جيدًا، حتى إنه أعلن أن أول زيارة خارجية له بعد تسلم مهامه رئيسًا لتونس ستكون إلى الجزائر، وعبر عن أمله في أن تتاح له فرصة لزيارة ليبيا.

وردًّا على هذا التصريح، شكر الرئيس الجزائري المؤقت عبد القادر بن صالح، نظيره التونسي المنتخب بعد إعلانه الجزائر أول وجهة خارجية له بعد توليه مقاليد قصر قرطاج، بحسب بيان للرئاسة الجزائرية.

Embed from Getty Images

الرئيس الجزائري المؤقت، عبد القادر بن صالح

وأفاد البيان بأن: «بن صالح أجرى مكالمة هاتفية مع قيس سعيد، الرئيس المنتخب للجمهورية التونسية الشقيقة، هنأه فيها بتفوقه عن جدارة واستحقاق في الانتخابات الرئاسية». مضيفًا أنه عبر له عن «الشكر والتقدير على ما أبداه من مشاعر طيبة وعبارات الود والإخاء تجاه الجزائر وشعبها، مؤكدًا أنه يشاطره المشاعر تجاه الجارة الشقيقة تونس وشعبها».

في السياق ذاته، جاءت «أول تهنئة» رسمية من مسؤول عربي للرئيس التونسي الجديد من قبل رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية، فائز السراج، عبر مكالمة هاتفية بعيد إعلان النتيجة، التي لاقت أيضًا ردود فعل إيجابية بين الليبيين وخاصة في «الغرب الليبي»، الذي تفائل بهذه النتيجة؛ كونها تخدم وتؤكد أهمية قضية مدنية الدولة، والانتقال السلمي للسلطة عبر صندوق الانتخاب.

الترحيب الرسمي والشعبي الليبي بفوز قيس سعيد يأتي بسبب تصريحاته بأنه يتمنى زيارة ليبيا والمساهمة في حل أزماتها، وهو ما طرح تكهنات بشأن الدور الإقليمي الذي قد يؤديه الرئيس التونسي المنتخب، وهل سيقود موقفًا إقليميًّا من شأنه تغيير دفة الملف الليبي.

وخلال فترة الدعاية الانتخابية، صرح سعيد بأنه – حال فوزه بالرئاسة- سيسعى إلى وضع حد للوضع المتأزم في ليبيا، وتمكين الشعب الليبي من تقرير مصيره بنفسه، ولتكون تونس أرض الحوار، داعيًا الدول التي تتدخل في الشأن الليبي لرفع أيديها عن الشعب الليبي، مؤكدًا أن «ذلك لمصلحة الجميع، ومن بينهم تلك الدول المتدخلة في شؤون ليبيا».

حضور لافت للقضية الفلسطينية

للقضية الفلسطينية موقع اهتمام خاص في أجندة الرئيس التونسي الجديد، وقد ظهر هذا في تكرار التصريحات القوية التي أطلقها خلال فترة الدعاية، والتي أكد فيها أنه سيعمل على دعم القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وأن تكون القدس عاصمة فلسطين، وذلك في وقت تسعى فيه دول عربية أخرى لتمرير صفقة القرن المشبوهة.

وقد احتفت الجماهير التونسية والعربية بالمناظرة الرئاسية التي عقدت بين سعيد وبين المرشح الخاسر نبيل القروي، خاصة حديثه الذي هاجم فيه إسرائيل بقوة، قائلًا: «نحن في حالة حرب مع العدو الصهيوني، والتطبيع خيانة عظمى».

Embed from Getty Images

وأشار سعيد إلى أن «مفهوم التطبيع ظهر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد في مارس (آذار) 1977. ولا بد من الاستعاضة عن هذا المفهوم بمفهوم آخر، وهو الخيانة العظمى للوطن، وليس جريمة التطبيع».

تصريحات الرئيس التونسي الجديد عن فلسطين، ورفض التطبيع مع «الاحتلال الإسرائيلي»، دليل على أن الرجل لا ينوي ركوب موجة الارتماء في الحضن الصهيوني، التي تسود بعض العواصم العربية، وتشير أيضًا إلى أنه يسعى لإعادة تونس إلى المكانة التي كانت عليه حين كانت مقرًّا لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، وكانت الدولة العربية الوحيدة التي تحتضن المقاومة الفلسطينية آنذاك.

«الندية والمصالح» تحكم علاقة تونس بفرنسا وأوروبا

فيما يتعلق بسياسته الخارجية، يرى أستاذ القانون الدستوري أنها سترتكز على امتداد تونس في محيطها الطبيعي مع الدول العربية وأوروبا؛ أي دول شمال البحر المتوسط. مشيرًا إلى ضرورة بناء علاقات جديدة قائمة على الاحترام المتبادل.

ويضيف قيس سعيد خلال حوار صحفي سابق أنه «لا يمكن أن ننكر التاريخ، لكن كما أن لدى أوروبا مصالح فلنا أيضًا مصالح، وليست شعوبهم أفضل من شعوبنا، ويجب أن يرفعوا أيديهم عن ثرواتنا، فقد حان الوقت لنبني علاقات جديدة قائمة على الاحترام المتبادل، والتعايش بين الشعوب، فليس هناك ترتيب تفاضلي لشعب على آخر».

نبرة الاعتزاز القومي على لسان سعيد لم تمنعه من إعلان حرصه على تعميق العلاقات التونسية مع باقي الدول، مؤكدًا أن تونس ستبقى منفتحة على دول الجوار مغاربية عربية أو أوروبية، مضيفًا أن المجتمع التونسي سيبقى معتدلًا.

وبالنسبة إلى علاقات تونس الاقتصادية مع فرنسا واستغلال قوى أجنبية للثروات التونسية، أكد قيس سعيد في مناسبات عدة سيادة تونس على ثرواتها وحدودها، مع ضرورة مراجعة العقود الخاصة بهذه الثروات، لاسيما مع الشركات الفرنسية والأجنبية.

هذا يعني أنه لن يحدث تغير كبير في ثوابت الدبلوماسية التونسية مع فرنسا، نظرًا إلى حجم المصالح المشتركة بينهما، لكنها قد تشهد تغيرًا في بعض الملفات مثل ملف الطاقة الذي أثار جدلًا واسعًا في الشارع التونسي، حول مدى وجود شفافية في تعاقداته، وخصوصًا بشأن العقود المتعلقة باستغلال حقول النفط.

تحديات في طريق الرئيس التونسي الجديد

رغم كل الدلالات الرمزية لانتصار قيس سعيد وأجواء فرحة التونسيين به، فإن تحويل تعهداته إلى سياسات حقيقية على أرض الواقع ليس سهلًا؛ فهناك عقبات عديدة أمام الرئيس الجديد الذي تتربص به قوى معادية في الداخل والخارج.

Embed from Getty Images

أول هذه التحديات يتمثل في تشكيل الحكومة الجديدة، التي هي من صلاحيات الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية التي أسفرت عن برلمان ليس فيه أغلبية مطلقة، وجاءت حركة «النهضة» في المرتبة الأولى بـ52 مقعدًا، وفي حال عجزت «النهضة» عن تشكيل الحكومة بسبب عدم امتلاكها أغلبية مطلقة، يتدخل رئيس الجمهورية بتكليف شخصية أخرى بتشكيل الحكومة.

وفي حال فشل تشكيل الحكومة للمرة الثانية، قد يضطر الرئيس إلى حل البرلمان والشروع في انتخابات جديدة، وهو ما قد يطيل فترة تحقيق قيس سعيد لتعهداته، وخاصة في ظل تقلص صلاحيات رئيس الجمهورية، مقارنة برئيس الحكومة، لذلك سيضطر سعيد لأن ينتظر تعيين رئيس حكومة يأمل في أن يكون شخصية متعاونة معه، ومؤمنة بأفكاره.

في ضوء ذلك، سيواجه الرئيس الجديد عددًا من التحديات والعقبات التي ينبغي له أن يواجهها بعقلانية؛ لتجنب المواجهة مع أي طرف، خاصة في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية حادة يأمل التونسيون أن يجدوا حلًّا لها على يد الرئيس الجديد.

الإجابة «تونس».. تونس تتصدر العرب في مؤشرات الحرية والعدالة الاجتماعية

 

المصادر

تحميل المزيد