إبراهيم أبو جازية

11

إبراهيم أبو جازية

11

2,135

يناقش البرلمان التونسي هذه الأيام مشروع قانون لتجريم الاعتداءات على قوات الأمن، والقوات المسلحة التونسية، وكانت لجنة التشريع العام بالبرلمان قد بدأت مناقشة مشروع القانون منذ يوم الخميس الماضي الذي وافق 13 يوليو (تمّوز) 2017، لتستمع إلى عدد من الجهات المختلفة من أجل تقييم القانون، ورفعه للبرلمان للتصويت عليه، وكان القانون المعروف باسم «مشروع قانون يتعلق بزجر الاعتداءات على القوات المسلحة» قد أثار انتقادات واسعة داخل المجتمع التونسي وخارجه، وذلك نظرًا لمنحه الحصانة القضائية لقوات الأمن التونسية المختلفة، بالإضافة إلى إتاحته الاستخدام غير الضروري للقوة المفرطة والمميتة في نظر بعض المراقبين، إلى جانب تجريمه انتقاد سلوك قوات الأمن والشرطة، وهو الأمر الذي دعا الكثيرين لاعتبار القانون خطوة للوراء إلى مرحلة ما قبل الثورة التونسية في حالة الموافقة عليه.

كيف ومتى بدأت فكرة القانون؟

تعود أصول هذا القانون إلى أبريل (نيسان) 2015، عندما صادقت الحكومة السابقة برئاسة الحبيب الصيد على مشروع قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة ثم أحالته إلى البرلمان لمناقشته والمصادقة عليه، غير أنه أثار القلق والانتقاد على الحكومة؛ حيث طالبت نقابة الصحافيين التونسيين في الشهر نفسه الحكومة بالسحب الفوري لمشروع القانون، وذلك لأنه «يؤسس لدولة ديكتاتورية بوليسية» و«يستهدف حرية الصحافة والتعبير الوليدة في البلاد»، بحسبها.

الجدير بالذكر أن القانون ظل حبيسًا في أدراج البرلمان منذ مايو (أيار) 2015 بسبب موجة الرفض التي لقيها من عدد من الهيئات، والمنظمات المحلية والدولية؛ حيث دعت حينها 13 منظمة حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومراسلون بلا حدود، في بيان مشترك، البرلمان التونسي إلى إلغاء بنود إشكالية في مشروع القانون لما يتضمنه من انتهاك لحرية التعبير، ولحرية الصحافة، كما أنه يجرم سلوك الصحفيين والمبلغين والمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم ممن ينتقدون الشرطة، كما يسمح لقوات الأمن باستخدام القوة المميتة في غير حالات الضرورة القصوى لحماية النفس البشرية.

لكن بعد أكثر من سنتين، يعود القانون مرة أخرى إلى الساحة السياسية والتشريعية في تونس، وذلك بعد الأحداث التي نشبت في 22 يونيو (حزيران) الماضي، والمعروفة إعلاميًا باسم «أحداث بئر الحفي» في ولاية سيدي بوزيد التونسية. ظهر القانون مرة أخرى من جديد تحديدًا عندما تظاهر المئات من أفراد الشرطة التونسية أمام مقر البرلمان في بداية الشهر الجاري، وذلك للمصادقة على قانون يجرم الاعتداء على موظفي الأجهزة الأمنية خلال أدائهم مهامهم الرسمية؛ حيث رفعوا شعارًا رئيسيًا هو: «لا خوف ولا رعب، الأمني ابن الشعب».

وتأتي هذه التظاهرة بعد أيام من وفاة ضابط الشرطة، الملازم أول مجدي الحجلاوي متأثرًا بجراحه جراء إصابته بحروق، وذلك بعد سقوط زجاجة حارقة (مولوتوف) عليه خلال محاولة الشرطة فض النزاع بين قبيلتين بمنطقة بئر الحفي، وتحديدًا يوم 24 يونيو (حزيران) الماضي؛ حيث قال شكري حمادة، الناطق الرسمي باسم النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي، وهي الجهة التي نظمت التظاهرة، إن أفراد الأمن وعائلاتهم ليسوا محميين، داعيًا البرلمان التونسي وأعضاءه للمصادقة على قانون يمنع الاعتداء على قوات الأمن الداخلي، سواء كانوا من الشرطة، أو الدرك، أو حراس السجون.

ما هي بنود القانون؟ وكيف تبرر الحكومة وجوب تمريره؟

دعا وزير الداخلية التونسي، الهادي مجدوب، البرلمانَ إلى المصادقة على مشروع القانون، وذلك خلال جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة التشريع العام بالبرلمان معه حول مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة، مؤكدًا أن العقوبات الواردة في مشروع القانون غير صارمة.

وأكَّد الوزير مقتل 60 فرد أمن، بالإضافة إلى إصابة ألفي آخرين، وذلك بسبب الاعتداءات المختلفة على قوات الأمن منذ عام 2011 وحتى الآن، وقال الوزير إن مشروع القانون هدفه ليس الزجر، بل توفير الحماية القانونية اللازمة للقوات الأمنية والعسكرية والديوانية للقائمين على تأمين البلاد، مشيرًا إلى أنه يتضمن 20 فصلًا موزعين على خمسة أبواب.

وشرح الوزير الأبواب الخمسة لمشروع القانون باختصار؛ فأكد أن الباب الأول من المشروع يتضمَّن أحكامًا عامة، فيما يتعلق الباب الثاني بالاعتداء على أسرار الأمن الوطني، مشيرًا إلى تحديد مفهوم سر الأمن الوطني والاعتداء عليه.

أما الباب الثالث فيتضمَّن أحكامًا تتعلق بتجريم الاعتداء على القوات المسلحة، والمقرات، والمنشآت، والتجهيزات الموضوعة تحت تصرفها ومنع تحقير قوات الأمن الداخلي وتجريم تعطيل السير العادي للمصالح الأمنية، وتجريم حرق أو إتلاف أو هدم مقرات أو مخازن الأسلحة أو العربات والآليات البرية والجوية والبحرية، وتجريم الاستيلاء على التجهيزات والأسلحة.

أمَّا الباب الرابع فيتعلق بتجريم التهديدات والاعتداءات على القوات المسلحة، وذويهم، ومحلات سكنهم، ووسائل النقل الخاصة بهم، كما يتضمّن تكفل الدولة بجبر الأضرار المادية التي تلحق بممتلكات قوات الأمن الداخلي والعسكريين. ويتضمَّن الباب الخامس نفي المسؤولية الجزائية على أفراد قوات الأمن الداخلي، والعسكريين، عند ردهم باستعمال القوة على الاعتداءات الخطيرة خاصةً المسلطة على المقرات الأمنية والعسكرية والتجهيزات ومخازن الأسلحة والمعدات.

من جانبه أكد وزير الدفاع الوطني، فرحات الحرشاني، في تصريح لإذاعة (راديو ماد)، على أهمية هذا القانون، خاصةً في الظروف الحالية للبلاد، في ظل الانتقال الديمقراطي الهش، بحد تعبيره، مشيرًا إلى أن القوانين الموجودة حاليًا لا تحمي الأمنيين الذين يقومون بدور جبَّار في حماية البلاد والمواطنين والمواقع السيادية، وأشار الحرشاني أيضًا إلى أن مشروع القانون سيحمي العسكريين والأمنيين؛ حيث إنه سيدعم السلطات المدنية، وسيحمي المنشآت العسكرية الحساسة خاصة وأن هذه المنشآت غير مؤطرة وغير محمية وفق تعبيره.

اعتراضات وتنديدات بمشروع القانون

نددت عدد من المنظمات المحلية، والدولية، ومؤسسات المجتمع المدني، بمشروع القانون لما يمنحه من امتيازات لأفراد الأمن قد تضع حرية التعبير وحرية الصحافة في خطر، بالإضافة إلى فتحه الباب لأفراد الأمن لممارسة مزيد من الانتهاكات، بأشكالها المختلفة، باستخدام قوة مميتة للرد على أي شيء يحدث للأمن أو لأحد أعضائه حتى ولو كان بسيطًا، وذلك دون توقيع أي جزاء على فرد الأمن المستخدِم للقوة.

وكانت هيومان رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية قد طالبتا بإلغاء أو تعديل مشروع القانون؛ حيث قالت منظمة العفو إنه يمكن لمشروع القانون أن يفاقم من حالة إفلات قوات الأمن من العقاب ويمنحها الحصانة من التتبع القضائي لاستخدامها غير الضروري للقوة المميتة، ويمكن أن يجرِّم انتقاد سلوك الشرطة، كما أنه من شأنه أن يخوِّل لقوات الأمن سلطة استخدام القوة المميتة لحماية الممتلكات، حتى عندما لا يكون ذلك ضروريًا وحتميًا لحماية الحياة، خلافًا لما تنص عليه المعايير الدولية.

وأضافت المنظمة أن مشروع القانون من شأنه كذلك إعفاء قوات الأمن من المسؤولية الجنائية في مثل هذه الحالات، إذا ما اعتُبرت أن القوة المستخدمة ضرورية ومتناسبة، كما يجيز مشروع القانون لقوات الأمن الرد بالقوة المميتة على أي هجوم على الممتلكات، حتى لو لم يشكل تهديدًا للأرواح أو إلى إلحاق إصابات خطيرة بالأشخاص، وهو ما يخالف الدستور، وواجب الدولة في احترام الحق في الحياة وحمايته.

تعفي المادة 18 من مشروع القانون منتسبي قوات الأمن من المسؤولية الجنائية عن إصابة أو قتل أي شخص، نتيجة استخدام القوة المميتة للحماية من الهجمات على محلات سكنهم أو ممتلكاتهم أو وسائل تنقلهم، إذا ما اعتبرت أن القوة المستخدمة ضرورية ومتناسبة للتعامل مع خطورة الاعتداء.

كما طالب عدد من المنظمات المحلية التونسية، في بيان مشترك، بسحب مشروع القانون من أروقة مجلس النواب، معتبرةً أن عرض مشروع قانون زجر الاعتداء على قوات الشرطة والجيش فيه استهداف لحرية الصحافة وحرية التعبير والتظاهر ويجعل المؤسستين الأمنية والعسكرية فوق كل نقد ومساءلة.

هل تكفي التعديلات المقترحة لتمرير مشروع القانون؟

مشروع القانون المثير للجدل شغل الساحة السياسية التونسية خلال الأيام القليلة الماضية، كما أنه كان سببًا في زيادة حدة الاستقطاب المجتمعي؛ لتبقى الإشكالية كما هي منذ اقتراحه للمرة الأولى عام 2015؛ فبرغم أهميته في حماية رجال الأمن والقوات المسلحة، إلا أنه ما زال يحمل تهمًا واسعة تؤثر على مستقبل الحقوق والحريَّات في تونس. كل هذا كان سببًا لعدد من الشخصيات العامة والهيئات المختلفة للعمل سويًا لإيجاد نسخة وصيغة تُرضي الجميع.

ومن أبرز المقترحات التي عرضت على الساحة السياسية، أو أرسلت للجنة التشريع العام بالبرلمان، حذف الباب الثاني من المشروع، وهو الباب المتعلِّق بالاعتداء على أسرار الأمن الوطني، وذلك لأنه قد ينال من الحريات النقابية، وحرية الصحافة، كما اقترح آخرون إنشاء فصول جديدة في مشروع القانون تخص جبر الأضرار، والتعويضات على الأضرار الناتجة عن العجز الدائم، والعلاج النفسي لأفراد الأمن والقوات المسلحة الذين يتعرضون لاعتداءات جسيمة تلحق بجسدهم كالبتر.

كما تم اقتراح إنشاء صندوق خاص يسمى صندوق زجر الاعتداءات على القوات المسلحة، تساهم فيه الحكومة، ووزارة الداخلية، ووزارة العدل، ووزارة الدفاع، ووزارة المالية، لتعهد إليه مهمة دفع التعويضات المستحقة للضحايا، سواء من المصابين، أو لأهالي أفراد الأمن الذين لقوا حتفهم أثناء عملهم.

الجدير بالذكر أن الفصلين الخامس والسادس من مشروع القانون يفرضان أحكامًا بالسجن لمدة تصل إلى عشر سنوات، وغرامة قدرها 50 ألف دينار (20489 دولارًا أمريكيًا) على من يفشون أو ينشرون «أسرار الأمن الوطني»، وهي التي تُعرَّف على أنها «جميع المعلومات والمعطيات والوثائق المتعلقة بالأمن الوطني، والتي يجب ألا تكون معلومة إلا ممن له الصفة في استعمالها أو امتلاكها أو تداولها أو حفظها».

ولا يتفق هذا النص مع التزامات تونس بحماية الحق في حرية التعبير وتعزيز حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، فقد تكون تلك المعلومات ضرورية لفضح انتهاكات حقوق الإنسان وضمان المحاسبة الديمقراطية، ورغم أن للحكومات حقًا في تقييد تداول معلومات معينة من شأنها تعريض الأمن الوطني للخطر، إلا أن التعريف الفضفاض وغياب أي استثناء أو دفاع متعلق بالمصلحة العامة قد يسمح للسلطات بتوجيه الاتهام إلى من يكشفون عن أخطاء الحكومة.

وينص الفصل الـ12 من مشروع القانون على عقوبة بالسجن لمدة عامين كاملين، وغرامة تصل إلى 10 آلاف دينار (4098 دولارًا أمريكيًا) لمن يثبت عليه زجر أو تحقير القوات المسلحة بقصد الإضرار بالأمن العام، وفيما يلي النسخة الأصلية من مشروع القرار الأصلي الذي ظهر للمرة الأولى في أبريل (نيسان) 2015.

تعليقات الفيسبوك