كان التونسيون أول من بادروا في موجة الربيع العربي، بالخروج إلى الشارع للإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، بعدما عم الفساد الدولة وتأزمت حياة التونسيين الاقتصادية، ما دفعهم إلى الانتفاض أملًا في مستقبل يضمن للفئات الشعبية في الجهات الفقيرة حياة كريمة.

اليوم وبعد مرور أكثر خمس سنوات على «ثورة الياسمين»، لا زال الاقتصاد التونسي متخبط في أزمته، بالرغم من تغير النظام السياسي وتراجع الفساد بالبلاد.

تونس على وشك الإفلاس

تعيش تونس هذه الأيام أزمة اقتصادية عميقة، حيث تعرف خزينة الدولة التونسية عجزًا غير مسبوق، وصل إلى حدود 712 مليون دينار، وكان محافظ البنك المركزي، الشاذلي العياري، قد صرح بأن «تمويل ميزانية 2017 سيكون صعبًا في ظل عدم كفاية الموارد الجبائية، التي لن تكفي لسداد أجور أكثر من 670 ألف موظف، تعادل قيمتها 1 مليار دينار شهريا».

وشهدت البطالة بين الشباب التونسي ارتفاعًا منذ الإطاحة بنظام بن علي، حيث انتقلت من %13 سنة 2011 إلى %15 سنة 2015، بحسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء بتونس، مثلما زادت نسبة الدين العام من %40.5 سنة 2010 إلى 52.7 سنة 2015، وارتفع العجز التجاري بالميزانية التونسية من %7.3 سنة 2011 إلى 7.9 سنة 2015.

وتشير التوقعات إلى أن النمو الاقتصادي في تونس، لن يتجاوز في هذا العام %1.8، من حيث الناتج الداخلي العام، كما يتوقع المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للبنك الدولي. وتشكو تونس من تراجع الاستثمارات، حيث بدأت تبتعد رؤوس الأموال الخارجية عن تونس، بفعل الوضع الأمني والسياسي المضطرب بالبلاد.

بالمقابل، تراجع الفساد في تونس، بعدما احتلت المركز 76 في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2015، الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية، في حين كانت تحتل المرتبة 79 في مؤشر الفساد سنة 2014، وبالتالي تعد تونس البلد الأقل فسادًا في شمال إفريقيا، متفوقة على المغرب صاحب المرتبة 80 والجزائر بالمركز 88 في درجة الفساد.

كما تصدرت تونس الدول العربية في مؤشر الديمقراطية لسنة 2015، إذ احتلت المرتبة 66 دوليًا والأولى عربيًا، بعدما سجلت أعلى نسبة تطور إيجابي على الصعيد الدولي في مؤشر التطور الديمقراطي، بتقدمها بـ36 درجة عن تصنيفها السابق.

وعلى الرغم من تحسن المناخ الديموقراطي في تونس وتراجع الفساد بها، كما تؤكد ذلك المنظمات الدولية، فإن أرقام الاقتصاد التونسي تظهر بأن الوضع لا يختلف عما كان عليه الحال زمن الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

أسباب تعثر الاقتصاد التونسي

ساهمت عدة عوامل في عرقلة نمو الاقتصاد التونسي، بالرغم من الانتقال السياسي السلس نسبيًا الذي عرفته تونس، الأمر الذي تعذر في العديد من البلدان العربية الأخرى.

كان وقع الهجمات المسلحة، التي شنها الجهاديون، كارثيًا على الاقتصاد التونسي، ولا سيما القطاع السياحي، الذي عرف تآكلًا شديدًا بعد هجمات متحف باردو وسوسة بتونس، مثلما تسببت هذه الهجمات في تدهور الوضع الأمني بالبلد، ما خلق بيئة طاردة لرؤوس الأموال والاستثمارات خارج البلاد، الأمر الذي بدوره ارتد سلبًا على الاقتصاد التونسي.

في نفس السياق الأمني، أجج الوضع المنهار في ليبيا أزمة الاقتصاد التونسي، حيث كان البلدان يعرفان علاقات اقتصادية قوية قبل سنة 2011، بالإضافة إلى أن مجاورة تونس لبلد يغرق في الحروب الأهلية، يدفع كثيرًا من المستثمرين بعيدًا عن البلد، خشية انتقال عدوى عدم الاستقرار.

على مستوى آخر، حملت الاضرابات والتوترات الاجتماعية، على مدار الخمس سنوات الأخيرة، الاقتصاد التونسي خسائر بملايين الدولارات، ووصل عدد الإضرابات في تونس إلى ما يفوق 35 ألف إضراب في ظرف أقل من سنتين، ولم تنجح جهود الحكومة التونسية طوال الفترة الأخيرة في إثناء النقابات العمالية عن الانخراط في الاضرابات الماراثونية، الأمر الذي أثار امتعاض الشركات الأجنبية.

من جهة أخرى، قاد المسار السياسي المتعثر في تونس، من خلال تعدد الحكومات التي عرفتها البلاد طوال الخمس سنوات الأخيرة، إلى سياسات اقتصادية متباينة وغير مستقرة، فشلت في إيجاد حل للوضع الاقتصادي المتعثر بتونس. وتستمر حاليًا الخلافات السياسية حول تشكيل حكومة وحدة وطنية تتحمل مسؤولية قيادة البلاد، مما يعرض اقتصاد تونس إلى عدم الأمان، حيث قد تضطر استثمارات الشركات الأجنبية إلى نقل رؤوس أموالها، في ظل الوضع السياسي المضطرب.

كل هذه الأسباب ساهمت في كبح نمو الاقتصاد التونسي، وإن عرفت البلاد نوعًا من التحسن الديموقراطي، إلا أنه لم يحسن استغلال هذا المناخ في إنجاز نهضة تنموية.

اللجوء إلى المساعدة الخارجية

أمام الوضع الاقتصادي القريب من الإفلاس، في تونس، تسعى الحكومة التونسية جاهدة في نيل عطف البلدان الكبرى والمؤسسات المالية الدولية، لمساعدتها على اجتياز أزمتها الراهنة.

ونجح وزير المالية سليم شاكر في الحصول على قرض من الولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 500 مليون دولار، جرى توقيعه نهاية الشهر المنصرم مع البنك المركزي، مثلما يعتزم البنك العالمي إقراض تونس خمسة مليارات دولار مقابل القيام بإصلاحات لتوفير بيئة مواتية للاستثمار والوظائف.

وتواجه الحكومة التونسية مأزقًا صعبًا، فهي مضطرة إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية لمنع انهيار اقتصادها، وفي نفس الوقت ملزمة بتطبيق الإصلاحات التي تنادي بها تلك المؤسسات، وعادة ما تكون ممثلة في السياسات التقشفية وفتح مجال أكثر أمام القطاع الخاص مقابل تراجع الدعم العمومي للدولة، الأمر الذي سيثير مزيدًا من الغضب والاحتقان بالشارع التونسي، وإن كانت تلك الإصلاحات ضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد