في تونس هذه الأيام أينما تولي وجهك فثمة حملة انتخابية لقوائم حزبية ومستقلة تترصد بك؛ علها تحظى بتأييدك، وتضمن صوتك في الانتخابات البلدية المقرر أن تبدأ يوم 29 أبريل (نيسان) المقبل بتوجه رجال الأمن والدفاع للتصويت، فيما يوم السادس من مايو (أيار) المقبل هو اليوم المخصص لتصويت المدنيين، معلقات احتلت جدران المدن لتعرض البرامج الانتخابية للقوائم المرشَّحة، خيمات تواصلية مع المواطنين، حملات «باب باب»، مناظرات تلفزية وإذاعية، وفيديوهات تعريفية للترويج للمرشحين، وتشجيع المواطنين على ممارسة حقهم في الانتخاب تغزو منصات التواصل الاجتماعي.

وينص القانون على جملة من المبادئ التي تنظم الحملة الانتخابية، على غرار حياد الإدارة، وأماكن العبادة، وحياد وسائل الإعلام الوطنية، وشفافية الحملة، من حيث مصادر تمويلها، وطرق صرف الأموال المرصودة لها، بالإضافة إلى المساواة، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المرشَّحين، وعدم المساس بحرمة حياتهم الخاصة ومعطياتهم الشخصية، واحترام الحرمة الجسدية للمرشَّحين والناخبين وأعراضهم وكرامتهم، وعدم الدعوة إلى الكراهية والعنف والتعصّب والتمييز.

وبخصوص تنظيم الدعاية أثناء الحملة التي تمتد من 14 من أبريل إلى 4 مايو المقبل ينص قانون الانتخابات على أن وسائل الدعاية المتعلّقة بالانتخابات وبالاستفتاء تتمثل في الإعلانات والاجتماعات العموميّة والاستعراضات والمواكب والتجمعات والأنشطة الإعلانية بمختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة والإلكترونيّة وغيرها من وسائل الدعاية.

بيوت دعارة وخمور.. «مواقف وطرائف» الانتخابات التونسية

اختار حزب «نداء تونس» شعار «الدار الكبيرة» كعنوان انطلاق حملته في الانتخابات البلدية، ودعا في فيديو نشره على صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك» جميع أبناء الحزب وقياداته السابقة إلى العودة إليه ولم الشمل بعد انقسام الحزب وانشقاق عدد كبير من مؤسسيه؛ بسبب تحالف النداء مع حركة النهضة بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2014. وجاءت فكرة اسم الحملة استنادًا على فكرة أن الدار الكبيرة قد يختلف فيها البعض ويتخاصمون، لكنهم في الأخير يجتمعون تحت سقف واحد يتسع لهم على اختلاف أفكارهم ومواقفهم الأيديولوجية.

لكن سرعان ما تحول شعار حزب نداء تونس إلى موضوع للتندر والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتشابه اسم الحملة مع اسم أحد بيوت الدعارة المعروفة وسط العاصمة؛ ما دفع الحزب إلى تغييره بآخر تحت عنوان «فبحيث نحبك تونس».

ودون الباحث التونسي الأمين البوعزيزي في نفس السياق على صفحته على فيسبوك: «كتيبة الدار الكبيرة تصم المتمسكين بالحقيقة والكرامة (انتصارًا لقيم البحث العلمي وانتصارًا لشروط دولة مشروعة في نفوس مواطنيها) بـ«الدواعش»! حركة وكلاء فرنسا تقود حملتها الانتخابية بتحريض التونسيين والتونسيات على الالتحاق بحزب الدار الكبيرة. الدار الكبيرة هو الاسم الذي أطلقه المستعمر الفرنسي على ماخور تم فرضه عنوة على ساكنة مدينة تونس العتيقة. (ورد ذلك بالتفصيل في مؤلفات المؤرخَين: عبد الحميد الأرقش والهادي التيمومي)». 

وليس بعيدًا عن سياق «الدار الكبيرة» تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صورة إحدى المترشحات عن قائمة مستقلة بجهة أريانة ترتدي فيها قميصًا مكتوبًا عليه «جاك دانيال ويسكي»، وهو علامة تجارية مشهورة لنوع فاخر من المشروبات الكحولية؛ لتتحول بدورها إلى موضوع للتهكم.

ويتندر البعض بأن فترة الحملة قد كشفت عن شخصيات تتنافس حول لقب شخصية الموسم بكل جدارة، ووفقًا لهؤلاء فإن الكثير من المرشحين غير قادرين على التعبير لا عن توجهات الأحزاب التي يمثلونها، ولا على توضيح برامجهم الانتخابية؛ ما جعلهم حديث الساعة، ومادة للاستهزاء والترويح عن النفس في الشارع التونسي، ومن هذه الشخصيات رئيسة قائمة حزب حركة النهضة بسيدي بوسعيد، سليمة بن سلطان، حين سألها منشط (مذيع راديو) بإحدى الإذاعات الخاصة عن المشروع المجتمعي لحركة النهضة لتظهر عدم درايتها بالأمر، وأما البرنامج الانتخابي، فقد اكتفت بالقول إنه «يتمحور حول نشر الحب والسلام في أرجاء المنطقة».

وبالنسبة للشخصية الثانية فخلال استضافته في برنامج تليفزيوني على القناة الوطنية الأولى، لم يتمكن الناصر قن – رئيس قائمة «بدقاش» عن حركة «مشروع تونس» – من الإجابة عن السؤال المتعلق بالحوكمة المحلية ومشاركة المجتمع المدني ودوره في مراقبة عمل البلدية؛ حيث طلب من المحاورة إعادة السؤال بطريقة مختلفة؛ لأنه «لم يفهمه» بشكل جيد، واكتفى لاحقًا بقراءة بعض العبارات المكتوبة في ورقته، والتي لا ترتبط بشكل مباشر بموضوع السؤال.

انتهاكات متكررة لقانون الانتخابات

قرّر مجلس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، بعد التداول في جلسته المنعقدة بتاريخ 13 أبريل 2018، تسليط خطيّة مالية (غرامة) بحق قناة «نسمة» – المملوكة لرجل الأعمال التونسي نبيل القروي، وهو عضو سابق في حزب نداء تونس – في شخص ممثّلها القانونيّ، قدرها 10 آلاف دينار؛ وذلك من أجل نشر ومضة إشهارية (فيديو دعائي) على الموقع الإلكتروني الرسمي للقناة، وعلى صفحة فيسبوك الرسمية التابعة لها، أطلقها حزب حركة نداء تونس في إطار حملة إعلانية بمناسبة الانتخابات البلدية.

ما أقدمت عليه القناة يعد مخالفًا للقانون الذي يحظر على القنوات العمومية «كلّ عمليّة إشهار، أو دعاية بمقابل مادي، أو مجانًا، تعتمد أساليب وتقنيات التسويق التجاريّ، موجّهة للعموم، وتهدف إلى الترويج لشخص أو لموقف أو لبرنامج أو لحزب سياسيّ، بغرض استمالة الناخبين أو التأثير في سلوكهم واختياراتهم عبر وسائل الإعلام السمعية أو البصرية أو المكتوبة أو الإلكترونيّة، أو عبر وسائط إشهاريّة ثابتة أو متنّقلة، مركّزة بالأماكن أو الوسائل العموميّة أو الخاصّة».

وفي تصريح لـ«ساسة بوست»، قال السيد الناصر الهرابي، عضو الهيئة المديرة بـ«مرصد شاهد لمراقبة الانتخابات والتحولات الديمقراطية» في تونس بخصوص التجاوزات التي رصدها المرصد: إن «مبدأ حياد الإدارة لم يحترم؛ إذ حضر وزير الثقافة بصفته في افتتاح مهرجان انتخابي حزبي ببلدية رجيم معتوق من ولاية قبلي يوم الأحد 15 أبريل 2018، بالإضافة إلى وجود خطاب الكراهية والعنف في بعض الاجتماعات الحزبية العامة».

كما أن بعض القوائم قد عقدت اجتماعات دون أي إعلام للهيئات الفرعية للانتخابات، أو دون احترام أجل 48 ساعة الذي يحدده القانون، كما حدث بتمغزة من ولاية توزر، أو أن تلك الاجتماعات لم تُعقد في الموعد المحدد لها، كما حدث في بلدية مرناق من ولاية بن عروس، مع تجاوز الوقت المخصص للنشاط الانتخابي في أكثر من مكان. 

وفيما يتعلق بالمظهر العام للمعلقات الانتخابية، أشار الهرابي إلى «وجود صور فوتوغرافية للمرشحين الذكور، دون الإناث في قائمة مستقلة ببلدية المتلوي من ولاية قفصة، وعدم وضع المعلقات الانتخابية في الأماكن المخصصة لها بعدد من البلديات، وتعليق القوائم دون التأشير المسبق عليها من الهيئات الفرعية بعدد من الجهات، كما تم رصد تمزيق المعلقات الانتخابية في أغلب الجهات».

وأضاف الناصر: «كنا نأمل أن تصدر مجلة الجماعات المحلية قبل الانتخابات؛ لأنه كان من المفروض أن تكون القوائم المرشحة للانتخابات البلدية على دراية تامة بصلاحياتها وواجباتها تجاه المنطقة حتى لا تكون الوعود ذات سقف عال، وخارجة عن صلاحيات البلدية؛ ما يضرب من مصداقية المرشحين، ويتسبب في عزوف المواطنين عن الشأن المحلي، وهو ما حدث فعلًا مع بعض البيانات الانتخابية لبعض القوائم التي قدمت وعودًا بإنشاء مطارات، وسن عفو جبائي، وتعبيد الطرقات، وهو ما يخرج عن نطاق البلدية المحصورة في الرقعة الترابية التابعة لها».

وكان مرصد «شاهد» لمراقبة العملية الانتخابية قد دعا في بيان له يوم 18 أبريل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات إلى العمل على الحد من نزيف هذه التجاوزات وقدم مقترحًا بعقد ندوة صحافية في أقرب الآجال ترتكز على أربعة عناصر رئيسة:
1 – إعطاء إحصاءات حول المخالفات التي سجلها مراقبوها في كل دائرة انتخابية.
2 – تذكير المواطنين ومختلف المتدخلين في الشأن الانتخابي بالعقوبات التي فرضها القانون إزاء كل مخالفة.
3 – إعطاء إحصاءات حول الإجراءات التي تم اتخاذها ضد المخالفين لدليل الإجراءات الخاص بقواعد وإجراءات الحملة الانتخابية.
4 – كيفية التعاطي مع بعض المسائل التي لم يوضحها القانون، مثل تعطيل موكب انتخابي لحركة المرور بالطريق العام (براكة الساحل، نابل مفترق الجرة)، استعمال مضخمات الصوت قرب مدرسة ابتدائية (توزر)، وجود صور فوتوغرافية لبعض المرشحين دون البقية في بعض المعلقات الانتخابية، أو دون برنامج.

ويشارك في هذه الانتخابات 2074 قائمة مقبولة نهائيًا: 860 قائمة مستقلة و159 ائتلافية و1055 حزبية، وقد ترأس 69،67% من القوائم رجال، فيما ترأست النساء 30،33 % منها للتنافس على الفوز بـ7177 مقعدًا في 350 دائرة بلدية.

 

المصادر

تحميل المزيد