لعل مكسب حرية الصحافة والتعبير، أهم ثمرة قطفتها الثورة التونسية حتى اليوم، فبعد سقوط نظام بن علي إبان ثورة 2011، تفاجأ التونسيون أنفسهم من قوس الحرية الذي فتح أمامهم مشرعًا على حين غرّة، فأصبحوا كما قالت إحدى مراسلات مجلة «Réalités» آنذاك، وهي تصف صدمة أشعة الحرية التي لم يألفوها من قبل: «أخيرًا، بات بإمكاننا أن نقول كل ما نريد، وأن نجري مقابلات مع أي شخصية سياسية نريد، وأن ننتقد أي واحد منهم. لقد تحرّرنا».

لكن بعد ست سنوات من ثورة بلاد الياسمين، لا يبدو أن تونس نجحت حتى الآن في تأسيس إعلام قوي ومؤثر رغم مناخ الحرية الذي تشهده هذه البلاد، على عكس المتوقع، فإذن ما الذي يمنع تونس من السير إلى الأمام في مجال الإعلام؟

الإعلام التونسي قبل الثورة وبعدها

في عهد نظام بن علي، لم يتجاوز عدد القنوات التليفزيونية أربع قنوات في تونس، وهي تونس 7 وقناة 21 وقناتي نسمة وحنبعل وكان عدد الإذاعات في حدود 14 إذاعة منها تسع عمومية، وتسع صحف يومية، منها صحيفتين عموميتين وصحيفتين حزبيتين، إضافة إلى 21 صحيفة أسبوعية وبعض الدوريات نصف الشهرية والشهرية، أما عدد المواقع الإلكترونية الإخبارية فلم يكن يتجاوز الثمانية.

وقتها كان الإعلام التونسي، بتشكيلاته المختلفة، مسيطر عليه من قبل الدولة، وقسم آخر كان تحت إدارة الحزب السياسي لبن علي، فيما كان قسم ثالث من تصرف بعض رجال الأعمال، الذين لم يكونوا مستعدين لتجاوز الخطوط الحمراء التي كان يفرضها نظام زين العابدين على الصحافة المعارضة للخط الرسمي. لقد كان الإعلام التونسي يغرق في الرتابة المهنية ويخضع لتعليمات السلطة.

وغداة ثورة الياسمين وسقوط نظام بن علي، انهارت فجأة الجدران التي كانت تكبل حرية التعبير، فانفجرت تونس فورها مباشرة بعد الثورة سيلًا جارفًا من الكيانات الإعلامية المتنوعة، بلغت في أواخر سنة 2011، حوالي 229 صحيفة من بينها 17 يومية، و103 أسبوعية، و69 صحيفة شهرية، و5 نصف أسبوعية، و11 نصف شهرية، وأربع صحف حزبية، فيما تجاوز عدد القنوات التلفزيونية التونسية 12 قناة، بالإضافة إلى 29 إذاعة منها 9 عمومية. أما اليوم في 2017 فتراجع عدد الصحف من 229 صحيفة إلى 45 فقط، وبالمقابل نمت المؤسسات السمعية البصرية من 41 مؤسسة إعلامية إلى 68 مؤسسة من الإعلام السمعي البصري.

لقد كان هذا الطوفان الإعلامي الغزير في تونس، ينم عن كبت عميق للمجتمع التونسي عاشه طوال عقود، حيث فرغ مكبوتاته دفعة واحدة فور أن وجد الفرصة، ففاض المشهد الإعلامي التونسي بكم كبير من الآراء الاجتماعية والسياسية، عكست توجهات المكونات التونسية المختلفة.

الإعلام التونسي حُر.. لكنه ضعيف

ساعد مناخ الحرية الإعلام التونسي في تكاثره دفعة واحدة، إذ كانت حرية الصحافة والتعبير المطلب الوحيد الذي يعتز التونسيون اليوم بتحقيقه كثمرة من إنجازات الثورة تكاد تكون الوحيدة، إذ بات بإمكان التونسيين والصحافة التونسية التعبير عن آرائهم دون خوف من السلطة، وانتقاد الوزراء والحكومة والسياسيين بلا توجس من أجهزة الأمن، وفتح التابوهات مهما كانت ظلمتها، بالرغم من بعض الترسبات من زمن القمع العصية على الكسر إلى اليوم، التي تزال السلطة تنظر بها إلى الإعلام.

ضمن الدستور التونسي حرية الصحافة والتعبير وكفل الحق في الوصول إلى المعلومة في الفصل 13 و 32، وأزال عن كاهل الصحفيين عقوبات السجن والغرامة لمجرد آرائهم أو لنقلهم الأخبار والمعلومات، كما حمى سرية مصادرهم، وساعد المرسومان 115 و116 الواردان في الرائد الرسمي في استقلالية القطاع السمعي البصري عن السلطة.

وإن كانت هذه القوانين، في نظر بعض الإعلاميين التونسيين، تحفل ببعض المصطلحات الغامضة غير المفصلة التي يمكن الالتفاف عليها، إلا أنه يبقى قانون الصحافة التونسي الأكثر تقدمًا عربيا في هذا المجال، كما يؤكد عز الدين عبد المولى الباحث في مركز الجزيرة للدراسات.

وتؤكد التقارير الدولية الحرية القانونية التي يحظى بها الإعلام التونسي من بين البلدان العربية، حيث أصبحت تونس في المرتبة 96 من 180 بلد والأولى عربيًا، في ترتيب حرية الصحافة العالمية حسب تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» في سنة 2016، بعد أن كانت تحتل المركز 160 سنة 2010 تحت حكم بن علي. كما حصلت تونس أيضًا على مستوى حرية الإنترنت المرتبة 38 عالميًا والأولى في العالم العربي، وفق تقييم منظمة «فريدم هاوس» المعروفة.

بيد أن هذا القدر من الحرية في حرية الصحافة والتعبير، الذي تحظى به تونس، لم يساعد الإعلام التونسي في نموه نوعيًا كما كان متوقعًا أو يصبح فاعلًا في المشهد الإعلامي المغاربي والعربي عمومًا، فبالكاد يستطيع هذا الإعلام تغطية الساحة التونسية بشكل مهني، بالرغم من كثرة تشكيلاته المتلونة، فبالأحرى أن يتمكن من إنتاج مواد احترافية عالية الجودة يمكن تسويقها للقراء خارج تونس.

أسباب تخلف الإعلام التونسي

تعد حرية الصحافة والتعبير في الدساتير الديموقراطية الضامن القانوني لإمكانية تطوير إعلام حر مستقل، ليصل لدرجة السلطة الرابعة، التي تراقب الدولة والمجتمع معًا، لكن كما بينت التجربة في تونس، فإن مناخ الحرية غير كاف لبلورة إعلام محترف، إذا كانت كفاءات الفاعلين أنفسهم في الحقل الإعلامي والظروف التي يشتغلون فيها غير مساعدة على إنتاج مواد ذات جودة صحافية.

استفاقت الصحافة التونسية على وقع صدمة الحرية بعد الثورة، إذ لم تألف من قبل ممارسة الصحافة بشكل حر ومستقل عن السلطة والسياسة، فقد كان سجلها الإعلامي شبه خال من الخبرة التراكمية المهنية، وعندما ألقى الإعلاميون التونسيون أنفسهم في مستنقع هذا المجال، كانوا يعولون على ارتجاليّتهم المحضة، إذ أن أغلبهم بدون تكوين معرفي في الإعلام، كما أن معظمهم تطبع بالممارسة الصحفية التقليدية التي ألفوها قبل الثورة حتى باتت جزءًا من طريقة اشتغالهم في الصحافة، ناهيك عن موجة الدخلاء على المهنة.

قاد ضعف تكوين الفاعلين في الإعلام التونسي، صحفيون ورؤساء تحرير وتقنيون، إلى فوضى في المشهد الإعلامي التونسي، مليئة بالتحيزات والاختلاق واللا توازن، وأحيانًا اللا معنى واللا هدف، وهو ما فطن إليه العديد من المختصين في الصحافة بتونس، الذين دعوا إلى توفير تكوينات وهيئات تساعد الصحافيين التونسيين على الاحتراف.

بجانب ذلك، ساهمت الظروف الاقتصادية الشحيحة التي يعيشها الصحفيون التونسيون في البعد عن الصحافة المستقلة، حيث يعيش معظمهم على مرتبات هزيلة، وكثيرًا ما تكون بعقود مؤقتة، مما يجعل الإعلاميين تحت ضغوطات مالكي المؤسسة الإعلامية والمستشهرين خوفًا من الطرد ومنه الحرمان من مصدر قوتهم، وباتوا أكثر عرضة لإغراء المال الفاسد من قبل سفارات ومؤسسات وشركات مختلفة، حسب مصالحها الاقتصادية والسياسية، مما يحول العديد من هؤلاء الفاعلين إلى أقلام مأجورة تحيد عن المهنية الصحفية.

وبالتالي كان نقص نضج الممارسة الصحفية التونسية وضعف الاستقلال الاقتصادي لدى الفاعلين الإعلاميين، مؤسسات وصحافيين، عائقًا أمام بلورة إعلام مستقل وقوي في تونس، يمكن أن يفيض على المنطقة المغاربية والعربية تنويرًا، وإن كان مجال الحرية مفتوحًا بهذا البلد، لتتحول إشكالية الإعلام التونسي من سؤال الحرية إلى سؤال الجودة.