أعلنت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل، المسؤولة عن جائزة نوبل للسلام عن فوز اللجنة الراعية للحوار الوطني في تونس (2013- 2014) بالجائزة الدولية المرموقة لسنة 2015، وهو ما أطلق موجة فرح عارمة في وسائل الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي من طرف أنصار “الربيع العربي” والمهتمين بالحالة التونسية خاصة نظرًا لما يكتسيه هذا التتويج من رمزية واعتراف دوليين بالمجتمع المدني التونسي.

في هذا التقرير تشرح لك “ساست بوست” الجوانب المتعلقة بهذا التتويج ودلالاته.

ما هو الحوار الوطني التونسي؟

هو حوار انطلق في أكتوبر من سنة 2013 عقب أزمة سياسية مزمنة كادت تعصف بمسار الانتقال الديمقراطي نتيجة لعدة حوادث سياسية كان أبرزها اغتيال المعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إضافة إلى حالة الاستقطاب الشديد في الساحة التونسية بين الأغلبية التي تقودها حركة النهضة الإسلامية (إضافة إلى حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية القومي وحزب التكتل الديمقراطي اليساري) والمعارضة بقيادة الجبهة الشعبية وحركة الشعب التي ينتمي إليهما تواليًا الزعيمان المغتالان بلعيد والبراهمي.

وقد انبثق عن الحوار الوطني، الذي شهد صعوبات جمة خاصة في بداياته، خارطة طريق مهدت فيما بعد لإقرار دستور توافقي (صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي في الذكرى الثالثة للثورة بأغلبية 200 صوت من أصل 216)، ثم تبعته استقالة حكومة الأغلبية برئاسة القيادي في حركة النهضة علي العريض، وتنصيب حكومة كفاء ات عهد إليها باستكمال باقي أهداف المرحلة الانتقالية، وتوجت بانتخابات تشريعية ورئاسية هي الأولى من نوعها في ظل الدستور التونسي التوافقي.

الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي متحدثًا خلال إحدى جلسات الحوار الوطني التونسي

ممن تتكون اللجنة الراعية للحوار؟

تكونت اللجنة الراعية للحوار من أربع منظمات تونسية مهنية وحقوقية وذات رمزية وطنية كبيرة هي:

1- الاتحاد التونسي للشغل: أولى النقابات التونسية (أسست سنة 1946) وأكبرها على الإطلاق، لعبت دورًا بارزًا في فترة النضال ضد الاستعمار الفرنسي والذي اغتيل أول رؤسائها فرحات حشاد سنة 1952.

عرف تاريخها مرحلة طويلة من الشد والجذب خلال فترتي الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة والرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، كما لعبت دورًا محوريًّا أثناء الثورة وأثناء مرحلة النضال الديمقراطي.

رمزيتها الكبيرة جعلتها مؤهلة للعب دور الحكم بين الفرقاء السياسيين التونسيين بعد الثورة، وأمينها العام الحالي هو السيد حسين العباسي.

2- الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية: وهو منظمة أرباب العمل الرئيسية في تونس، تأسس سنة 1947 ولعب دورًا أيضًا في مرحلة النضال ضد الفرنسيين، تعرض لعملية استيعاب كبيرة خلال عهد الرئيس المخلوع بن علي نتيجة إغراق الساحة التونسية برجال أعمال مقربين من النظام، لكنه سرعان ما استعاد استقلاليته عقب الثورة وسقوط الإمبراطورية الاقتصادية لآل بن علي وآل الطرابلسي (عائلة زوجة الرئيس المخلوع).

3- الرابطة التونسية لحقوق الإنسان: إحدى أوائل الجمعيات المتخصصة في الدفاع عن حقوق الإنسان في الوطن العربي، تأسست سنة 1977، وعانت من مضايقات كبيرة من نظامي الرئيسين بورقيبة وبن علي، لعبت دورًا كبيرًا في توثيق انتهاكات النظام السابق قبل وأثناء الثورة، توصف بكونها مقربة من الحركات اليسارية التونسية.

4- الهيئة الوطنية للمحامين بتونس: هي منظمة ينضوي تحتها كل المحامين التونسيين دون استثناء، غير مقربة من أي طرف سياسي.

لماذا منحت لهم جائزة نوبل للسلام لسنة 2015؟

اللجنة النرويجية لنوبل تقرر منح جائزة نوبل للسلام لسنة 2015 لرباعي الحوار التونسي وذلك لدوره الحاسم في بناء نظام ديمقراطي تعددي بعد ثورة الياسمين لسنة 2011.


بهذه العبارة أعلنت اللجنة النرويجية منح الجائزة للهيئات الأربعة وذلك لعدة اعتبارات منها:

  • تغليب منطق الحوار الديمقراطي والنجاح في فرضه على الطبقة السياسية في توقيت شهد حالة استقطاب وانعدام ثقة حادين كادا يؤديان لو استمرا طويلًا لحرب أهلية، لا سيما بعد اغتيال قيادات أحزاب معارضة.
  • الحفاظ على الوحدة الوطنية التونسية رغم الانقسامات العميقة في المجتمع التونسي.
  • الحفاظ على الحوار الوطني بعيدًا عن محاولات التأثير الخارجية، لا سيما من بعض الدول المعادية للحركة الإسلامية عمومًا.
  • إعادة الاعتبار للربيع العربي في مهده تونس بصفته ظاهرة نوعية من أجل تحرير شعوب رزحت طويلًا تحت نيران الاستبداد.
  • تثمين النموذج التونسي في الانتقال الديمقراطي السلمي في ظرف تشهد فيه أغلب دول الربيع العربي عودة نحو الديكتاتورية أو صراعات مسلحة دموية.

كيف تلقى التونسيون خبر منح الجائزة؟

تشير أغلب المصادر في وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي إلى تلقي التونسيين الجائزة بمزيج من الارتياح والفخر بمسار انتقالهم الديمقراطي، وبتغليب لغة الحوار في منطقة تطغى فيها النزاعات المسلحة، وقد أشار كثير من المعلقين والمتابعين إلى ضرورة تذكر السياسيين لهذا النهج خاصة في هذا الوقت، حيث يحظى قانون المصالحة الوطنية (مع رموز النظام القديم) حيزًا مهمًّا من النقاش العمومي.

هذا وقد استغل بعض المدونين والنشطاء حدث الجائزة لتذكير الطبقة السياسية بضرورة استكمال الثورة، خاصة الشقان الاقتصادي والاجتماعي منها اللذان ما زالا يعانيان من مشاكل جمة ومن تأخر في الإصلاحات.

هذا وقد أشار الرئيس التونسي في كلمة له بالمناسبة بأن منح الجائزة كان مستحقًا لتشجيع التونسيين على المسار الذي بدأوه قبل أربع سنوات، وقد استغل المناسبة للتنويه بمكونات الحركة السياسية والمدنية التونسية بما فيهم خصمه السياسي راشد الغنوشي (زعيم حركة النهضة) والذي ذكره بالاسم في كلمته، كما ذكر في كلمته حوادث شخصية عاشها خلال الحوار الوطني حاول من خلالها تأكيد أحقية منهج الحوار، كما أشار إلى أن الجائزة ليست ملكًا للرباعي وحده بل لكل القوى السياسية التي شاركت في إنجاح الحوار وللشعب التونسي بكل مكوناته.

https://youtu.be/RglrnRAO5rk

ما هي دلالات منح الجائزة لتونس؟

تحمل الجائزة أكثر من رسالة لا سيما لجوار تونس العربي..

فمن جهة تعد هذه هي المرة الأولى التي تمنح لطرف عربي دون مشاركة مع غيره (السادات وعرفات اقتسما جائزتيهما مع الإسرائيليين، فيما اقتسمت اليمنية توكل كرمان جائزتها مع الناشطتين الليبيريتين لييما غبويه وسيرليف جونسون)، وذلك في وقت تشهد فيه المنطقة استباحة أجنبية غير محدودة لا سيما في ليبيا وسوريا واليمن، وذلك في إشارات إلى أن الحلول لهذه المعضلات داخلية بامتياز لا يمكن أن تحضر خارج ربوع الوطن أو بوصاية أجنبية.

من جهة أخرى، تشهد العديد من دول الربيع العربي انتهاكات لحقوق الإنسان من طرف السلطة أو من طرف جماعات مسلحة، كما تم اللجوء إلى القوة لحسم الصراعات السياسية في أكثر من بلد لا سيما مصر وليبيا واليمن.

لذلك جاء توقيت الجائزة مناسبًا لتذكير المنطقة بنموذج تميز بسلميته وفاعليته دون تمييز أو إقصاء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد