«إن سألوك عن العدل في بلاد المسلمين فقل مات عمر» هكذا نعى مشجعو النادي الأفريقي التونسي محب النادي عمر العبيدي البالغ من العمر 20 عامًا، بعد أن لقي حتفه غرقًا عشية يوم السبت الماضي إثر ملاحقة أمنية له مع مجموعة من المشجعين بعد مباراة جمعت فريقه وفريق أولمبيك مدنين في ملعب رادس الأولمبي جنوب العاصمة تونس.

وتعود تفاصيل هذا الحدث إلى أحداث شغب حدثت بين مجموعتين من مشجعي النادي الأفريقي خلال المباراة المذكورة، أخرجت على إثرها القوات الأمنية عناصر إحدى المجموعتين من الملعب بالعنف، وطاردتهم حول محيطه، وبمحاذاة وادٍ يسمى «وادي مليان»؛ ما أجبرهم على القفز فيه هربًا من بطش الأمن.

إلا الشاب عمر فضل تسليم نفسه، وأخبرهم عن عدم قدرته على السباحة: «منعرش نعوم» لكن أعوان الأمن أرغموه على القفز في الوادي، قائلين: «ما يفكك منا كان ربي وإلا تهبط تعوم»، أي لن ينجيك منا سوى الله، أو تنزل للسباحة. فغرق عمر فعلًا، حسب ما جاء في تصريحات أخيه علاء الدين العبيدي في وسائل الإعلام التونسية.

تاريخ حافل بالمواجهات

وتعيد هذه الحادثة الجدل في الشارع التونسي بشأن العنف في الملاعب والمواجهات بين أفراد الشرطة وجماهير الفرق الرياضية؛ إذ لهذه المناوشات والصراعات تاريخ حافل من قبل الثورة التونسية وبعدها.

آخر تلك المواجهات كان ما اندلع في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي في أحد شوارع العاصمة، بين مشجعين للترجي الرياضي التونسي وقوات الأمن، تم على إثرها تفريق الآلاف من محبي النادي باستعمال الغاز المسيل للدموع، وكان هؤلاء قد احتجوا على إلغاء مباراة ودية كانت ستجمع فريقهم بترجي وادي النيص الفلسطيني.

وكانت إدارة الترجي الرياضي التونسي قد قررت إلغاء المباراة مع الفريق الفلسطيني، معللة قرارها بالمنحى الذي يمكن أن يأخذه هذا اللقاء من تجاوزات وأحداث لا تحمد عقباها نظرًا لموجة الاحتقان والغضب التي عمّت صفوف المشجعين بعد التغييرات المتعددة في تاريخ المباراة وتوقيت انطلاقها، ثم التقليص في عدد التذاكر حسب ما صرحت به في وقت سابق. وأثارت هذه التطورات غضبًا واسعًا، خاصة وأنها تزامنت مع احتفالات الفريق بالذكرى 99 لتأسيسه.

وتوقن السلطات التونسية وعلى رأسها وزارة الداخلية المسؤولة على تأمين مباريات كرة القدم وغيرها من التظاهرات الرياضية، أن سياساتها «القمعية» ضد الجماهير الرياضية بمختلف انتماءاتهم سيؤدي بما لا شك فيه إلى تفاقم أزمة الثقة وتعميق الهوة بينها وبين المشجعين، متناسية أحداث 8 من أبريل (نيسان) 2010.

ففي هذا اليوم الدموي في تاريخ الملاعب التونسية، وقبل ربع ساعة من نهاية المباراة التي جمعت الترجي الرياضي ضد حمام الأنف على ملعب المنزه بالعاصمة، انقطع التيار الكهربائي عن الملعب؛ ما أجبر حكم المباراة على إيقاف المباراة مدة 13 دقيقة، لتبدأ على إثرها مواجهات دموية بين جماهير الترجي وعناصر الشرطة؛ ما أسفر عن سقوط جرحى من الطرفين.

ولم تكن هذه الاشتباكات التي اندلعت بين جماهير الترجي والشرطة هي الأخيرة في سلسلة طويلة من أحداث العنف التي شهدتها تونس كامل تاريخها الكروي، فبعد انتهاء مباراة نهائي كأس تونس التي جمعت الترجي الرياضي بالنجم الرياضي الساحلي على ملعب رادس في شهر يوليو (تموز) 2008، اندلعت اشتباكات بين جمهور النجم وقوات الأمن خارج ملعب رادس؛ مما أسفر عن تهشيم عدد من السيارات الأمنية وسقوط جرحى من الطرفين.

وبعد الثورة التونسية التي أطاحت حكم «بن علي» قبل سبع سنوات، تكررت أحداث العنف وتعددت دوافعها وخسائرها، ففي المباراة التي استضاف فيها النجم الساحلي منافسه النادي الصفاقسي على ملعب سوسة في شهر أبريل 2014، دارت مواجهات بين جماهير النجم وقوات الأمن، استخدمت خلالها الأخيرة الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، كما قامت بملاحقة الجمهور وضربه بالهراوات.

كذلك، عرفت مباراة «دربي العاصمة» التي جمعت الجارين النادي الأفريقي، والترجي الرياضي أواخر أبريل العام الماضي فوضى عارمة داخل ملعب رادس وخارجه، جراء اندلاع اشتباكات بين قوات الشرطة وجماهير الأفريقي؛ مما أسفر عن سقوط جرحى من الطرفين، كما أظهرت الصور تنكيل الأمنيين بعدد من محبي الأفريقي في أثناء مغادرتهم للملعب.

الألتراس التونسي في ملعب السياسة

وبالعودة إلى تاريخ ما قبل 2011، فقد بدأت تتجلى مظاهر معارضة ممارسات السلطة أكثر فأكثر سنة 2004 بصدور أول أغنية مناهضة لنظام المخلوع بن علي تحت عنوان: «إذا السلطة والحكومة حكمت بأحكامها.. مالا قلي الحرية وين مكانها» تبعتها أحداث نهائي كأس تونس في نفس السنة، حيث ارتفع الصفير ضد الرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي الذي حضر في الشوط الثاني للمباراة.

وحينئذٍ بدأت الأغاني والأهازيج المناوئة لسياسات دولة البوليس، من «نشيد الحرية» لمجموعة «السوبراس سيد» إلى «أغاني الوينرز» و«البريقاد روج» التي كانت تتغنى بالحرية وضد الظلم و القمع؛ ما دفع الدولة التونسية لإصدار قرارًا بمنع مجموعات الآلتراس من النشاط سنة 2008، ومنعهم من دخول الملاعب بالأسماء، ومصادرة موادهم جميعًا، ومنع ظاهرة «الدخلة» أو «التيفو» في البلاد، لتزيد الأمور بذلك تعقيدًا، واحتقن الوضع أكثر.

وتصدرت هذه المجموعات «المشهد الثوري» جنبًا إلى جنب مع السياسيين والحقوقيين والمدنيين طيلة فترة ثورة الياسمين، وكانت المظاهرات والشوارع وجدران الأزقة تشهد لهم على ذلك، وكانت الملاعب التونسية شرارة من شرارات الثورة.

وتقول كلمات إحدى أغنيات جمهور الترجّي الرياضي التونسي الناقدة للنظام البائد والمطالبة بالحرية: «الحرية يا العالي كيف نكسبها، حتى الكورة حكموا فيها أصحاب السلطة، ومنها حرمونا العاصمة صارت غمة، بالله فوتونا الشباب يصنع أقوى أمة»، وجاءت هذه الأغنية ردًا على حملة الاعتقالات والتضييقات التي شنها نظام «بن علي» والتي وصلت إلى حد منع كل الملابس الرياضية التي تحمل شعار أية مجموعة، وتفاعلًا مع الاحتقان الشعبي الذي كان له صدى كبير وقتها.

ويرى البعض أن هذه الجماهير كان لها دور في «كسر حاجز الخوف» قبل الثورة، سواءً بأهازيجها المتمرّدة أو بمقاومتها المباشرة للبوليس – رمز قوّة النظام وقتها – كما ساهمت في خروج المسيرات بشكل فعّال حتى إن كثيرًا من المسيرات انطلقت من الملاعب.

وحتى على الصعيد العربي لطالما كان طرح أهم القضايا العربية حاضرًا في مدرجات الأندية التونسية على غرار القضية الفلسطينية، إذ قام جمهور النادي الأفريقي بصناعة الحدث، حينها لفت تيفو «حنظلة» لجماهير الأحمر والأبيض (النادي الأفريقي) الأنظار. وأيضًا لا يمكن نسيان ذكر اللافتة العملاقة «كرهناكم يا حكام.. تحاصرون قطر وإسرائيل في سلام» التي رفعها جمهور النادي الأفريقي في الشوط الثاني من مباراته ضمن مباريات نهائي كأس تونس مع دخول الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، تنديدًا بحصار دول الخليج لدولة قطر، وتم على إثر هذه الحادثة اعتقال كل من حمزة دبيبي، وصبري عطواني، ويوسف موسى بتهمة تسويق شعارات سياسية في لقاء كرة قدم.

ويمكننا القول: إن الأسباب الكامنة وراء أحداث الشغب في الملاعب التونسية لا تزال قائمة بسبب سياسة الدولة التي يصفها البعض بـ«القمعية»، التي لم تتغير حتى بعد الثورة، من ناحية تعاملها مع الجماهير الرياضية المتشبعة بمبادئ الألتراس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد