قبل ست سنوات، في قلب مدينة تونسية مهمشة تدعى سيدي بوزيد، أقدم شاب مغمور يسمى محمد البوعزيزي، أجبرته ظروف الحياة القاسية أن يقتات من عربة خضار بسيطة متجولة، على حرق جسده النحيل في فورة غضب جامحة على السلطة المحلية ببلدته. ما كان يخطر بذهن البوعزيزيي يومها أنه بهذه الخطوة سيهز أركان نظام تسلطي ظل يحكم البلاد طيلة 23 سنة، ويفجر ثورة شعبية اندلعت شرارتها يوم 17 ديسمبر، وتوجت في الرابع عشر من يناير 2011 بهروب ديكتاتور تونس وأسرته.

اليوم، وبعد ست سنوات، يبدو المشهد العربي موزعًا بين الأزمات السياسية المفتوحة، والحروب الأهلية المدمرة، من سوريا إلى ليبيا إلى العراق واليمن ومصر وغيرها. ربما تبدو تونس استثناءً نسبيًّا في هذا النسق العام. لكن بعيدًا عن القراءات التمجيدية، أو القدحية للثورة التونسية، يجدر بِنَا أن نتوقف ونتأمل مليًا في ملامح التجربة المركبة والمتعرجة التي أطلقتها، والتي تتداخل فيها المكتسبات والمنجزات بالعثرات والإخفاقات، فضلًا عن التهديدات التي كانت وما تزال تواجهها.

لا أحد يشكك اليوم في حجم المكتسبات السياسية والحقوقية في تونس بعد الثورة التي انتزعها التونسيون بفعل تضحيات ونضالات أجيال متتالية من مختلف التيارات والتوجهات الفكرية والسياسية، وفي مقدمة ذلك حرية التعبير والاعتقاد والتنظيم والاجتماع، وتفكيك القبضة الحديدية للدولة التسلطية، والحكم اللامركزي.

كما توفقوا في سن دستور تقدمي ضمن الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتمكنوا من تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية مستقلة ونزيهة، وبناء مؤسسات تعديلية فريدة من نوعها في المنطقة، من قبيل تكوين هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات، ومجلس أعلى للقضاء منتخب من القضاة والعدول والمحامين، وهيئة للاتصال السمعي البصري تشرف على الإعلام، فضلًا عن هيئة سُميت بالحقيقة والكرامة، مكلفة بالإشراف على مسار العدالة الانتقالية، وهي تظل تجربة غير مسبوقة في عالم عربي تطحنه الديكتاتوريات، وأنصاف الديكتاتوريات، والصراعات الإثنية والطائفية والدينية.

تمكن التونسيون بمشقة بالغة من تجاوز أزمة سياسية خانقة اندلعت سنة 2013، وكادت تودي بالتجربة الديمقراطية الوليدة بسبب حادثتي اغتيال سياسي غير مسبوقتين على إثر الانقلاب العسكري في مصر.

اضطرت الترويكا التي كانت تقود الحكومة، والمتكونة من حركة النهضة وحليفين صغيرين آخرين إلى تسليم مقاليد الأمور لصالح حكومة تكنوقراط مستقلة، وفي إطار حوار وطني قادته منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل.

سعى التونسيون لحل مشكلاتهم السياسية بالطرق السلمية، من خلال آلية التوافق والتسويات، بعيدًا عن العنف والإقصاء. ولعل هذا ما يعطي مشروعية الحديث عما يمكن تسميته الاستثناء التونسي.

بدأ مسار التسويات السياسية اضطراريًّا، فرضته التوازنات الجديدة التي تمخضت عن انقلاب مصر، وتعثر مسار الربيع العربي في المنطقة، ودشن بلقاء بين زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، وخصمه اللدود وقتها الرئيس الحالي الباجي قايد السيسي، وانتهى بحزمة من التفاهمات السياسية.

في الحقيقة ثمة مجموعة من العوامل السياسية تقف خلف النجاح النسبي للتجربة التونسية، مقارنة بالمآلات المحزنة لدول الربيع العربي ومنها:

– أن تونس بعيدة نسبيًّا عن الضغوط والصراعات الكبرى لمنطقة الشرق الأوسط، سواء تلك المرتبطة بسياسة المحاور العربية، أو المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، بما أتاح للديمقراطية التونسية أن تحظى بنوع من الغطاء الدولي النسبي.

– انسجام المجتمع التونسي، وغياب الانقسامات العمودية من تكوينات دينية وطائفية وعرقية سهل أيضًا إلى حد كبير عملية الانتقال الديمقراطي. ذلك أن الاختلافات السياسية بين التونسيين تبقى في إطارها السياسي والأيديولوجي، ولا تتحول إلى استقطاب طائفي أو إثني أو قبلي، كما هو الأمر في سوريا والعراق واليمن مثلًا.

– كما أن انتشار التعليم نسبيًّا، واتساع حجم الطبقة الوسطى، فضلًا عن وجود تقاليد أحزاب سياسية، ومجتمع مدني رغم سنوات القمع الطويلة، قد لعب دورًا في النجاح النسبي للتجربة الديمقراطية.

– ولا يمكن هنا أن نقلل من أهمية الدور الذي لعبته القوى السياسية الرئيسيّة، وخصوصًا حركة النهضة من دفع مسار التغيير وتذليل العقبات، فقد خيرت النهضة في ظل أزمة سياسية خانقة كانت تشق البلاد، وتوشك أن تزج بها في أتون الحرب الأهلية أن تتنحى عن السلطة لإنجاح مسار التوافق الوطني، واستكمال المرحلة الانتقالية بدلًا من التشبث بالحكم رغم الشرعية الانتخابية التي كانت تتمتع بها.

– يضاف إلى كل ذلك غياب تقاليد في التدخلية العسكرية. فقد خير الحبيب بورقيبة منذ بداية الاستقلال عن السلطات الاستعمارية الفرنسية إبعاد الجيش عن مقاليد الحكم تجنبًا لتكرار تجارب مريرة في المشرق العربي، مثل تجربة عبد الناصر في مصر، والبعث في سوريا والعراق. أنتج هذا حياة سياسية مدنية مستقلة عن المؤسسة العسكرية حتى في ظل حكم بورقيبة الأبوي، وذلك خلافًا لمصر التي ظلت محكومة بقبضة الجيش منذ حقبة محمد علي في القرن التاسع عشر.

بيد أن هذه العوامل التي ذكرناها أعلاه لا يجب أن تحجب عنا المخاطر الجدية، الداخلية والخارجية التي تتهدد الديمقراطية التونسية الوليدة، وفِي مقدمة ذلك حالة الفوضى العامة التي تحيط بها في الإقليم، وخصوصًا مع انتشار السلاح، وانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة في ليبيا المجاورة، وصعود جماعات الإرهاب والعنف التي تمكنت من توجيه ضربات موجعة للسياحة التونسية قبل سنة ونصف تقريبًا.

الأخطر من كل ذلك هو ارتفاع انتظارات التونسيين، وضعف الإنجاز التنموي في المناطق المهمشة التي انطلقت منها الثورة، وبين الفئات المحرومة، وخصوصًا في قطاع الخريجين من الشباب، الأمر الذي جعل الديمقراطية التونسية عرجاء تسير على رجل واحدة.

كما أن وجود محور إقليمي شرس تقوده مصر، وبعض دول الخليج عمل على تخريب الربيع العربي، وما زال يسعى لإرباك التجربة الديمقراطية في تونس بغية توجيه رسالة مفادها أن الديمقراطية غير ممكنة، ولا تجلب شيئًا غير الخراب في العالم العربي.

وقد تعززت حظوظ هذا المحور اليوم مع انتخاب ترامب الذي يُتوقع أن ينتهج سياسة دعم الديكتاتوريات العربية تحت عنوان «الواقعية السياسية»، وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط.

يضاف إلى كل ذلك حالة الانقسام، والتفكك التي تطبع الساحة السياسية التونسية، وفِي مقدمة ذلك الحزب الحاكم نداء تونس الذي يعاني من صراعات حادة، وحالة من التفكك الداخلي المزمن، مما يغري قوى كثيرة بالإجهاز على ما تبقى من ربيع عربي، وطيّ صفحة الديمقراطية في العالم العربي بلا رجعة.

ولكن المؤكد هو أن التونسيين قد تمرسوا في فن التسويات والتوافقات السياسية المعقدة، وتمكنوا إلى حد الآن من حل مشكلهم السياسي، أي معضلة الحكم وكيفية إدارة الشأن السياسي، وهي المعضلة الأكبر في عالم عربي تحكمه ديكتاتوريات فضة غشيمة.

ويبقى التحدّي الأكبر اقتصاديًّا تنمويًّا حتى يشعر الناس، خاصة الفئات المحرومة، بثمار الثورة التي فجروها قبل ست سنوات.

السؤال الأهم اليوم إذن هو: إلى أي مدى سيتمكن التونسيون من حل ما تبقى من مشكلاتهم الاقتصادية والتنموية لترجمة شعار ثورتهم الشبابية تحت عنوان الحرية والكرامة، في ظل دوامة الفوضى والحروب الأهلية وديكتاتوريات شرسة تحيط بهم من كل حدب وصوب؟

هذا المقال نقلا عن عربي 21.

عرض التعليقات
تحميل المزيد