يعرف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) جيدًا، أين يصيب أعداءه، وغالبًا ما تكون الهجمات التي ينفذها في البلدان المستقرة، لها أهداف إستراتيجية، غير الخسائر المادية الجزئية، وليست عشوائية كما قد تبدو. على سبيل المثال، اعتبر البعض أن الهدف المُبيّت من وراء التفجير الانتحاري للتنظيم في مسجد الإمام الصادق، الشيعي، في الكويت، خلال يونيو (حزيران) العام الماضي، هو بث التفرقة بين الشيعة والسنة داخل المجتمع الكويتي، وأن الهدف من هجمات التنظيم في مسرح باتاكلان بالعاصمة الفرنسية باريس، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، هو توجيه رسالة عدائية إلى الثقافة الفرنسية.

الهجمات التي نفذها التنظيم في تونس، لا يبدو أنها خارجة عن هذا المقصد، إذ بات واضحًا أن التنظيم يستهدف الاقتصاد القومي التونسي في مقاتله، ولا يبدو أن الأمر كان اعتباطيًا، من حيث تركيز التنظيم على ضرب قطاع السياح، الهام اقتصاديًا للبلاد، رغم هشاشته.

موقع قطاع السياحة في الاقتصاد التونسي

كانت تونس في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، محط أنظار سياح العالم. وتجذب معالمها السياحية ملايين الزائرين من مختلف الجنسيات. وحافظت البلاد على قدراتها في استقطاب السياح حتى مع بداية تدهور الوضع الأمني بعد الثورة التونسية، لكن بحلول عام 2014، سيتلقى قطاع السياحة التونسي ضربات موجعة من قبل التنظيمات المسلحة، كان أفدحها هجمات متحف باردو، وهجمات منتجع سوسة، التي خلفت عشرات القتلى من السياح، الأمر الذي سيؤثر بعدها بشكل عميق في اقتصاد تونس.

يوفر القطاع السياحي التونسي، وفق الديوان الوطني للسياحة التونسية، حوالي 400 ألف وظيفة، إما بشكل مباشر أو غير مباشر. ويساهم في الناتج الداخلي الخام التونسي بنسبة %7، كما أن مداخيل السياحة وحدها، تشكل ما بين %18 و %20 من مخزون العملة الأجنبية لتونس. ويغطي القطاع السياحي ما يناهز %60 من نسبة العجز التجاري التونسي.

إذًا، هل كان من باب العبث، استهداف تنظيم الدولة الإسلامية لقطاع السياحة في تونس؟ لا، يبدو أن الأمر كان اعتباطيًا كما ذكرنا.

السياحة التونسية تخسر أمام «تنظيم الدولة»

كان 2015 بالنسبة لقطاع السياحة في الوطن العربي ككل، عام قحط حقيقي، خسرت المنطقة خلاله ما يقدر بـ40 مليار دولار، نتيجة الأوضاع السياسية المتدهورة في معظم البلدان السياحية، كتونس ومصر.

قدرت وزيرة السياحة التونسية، سلمى اللومي الرقيق، حجم الخسارة التي تلقتها بلادها في 2015، إثر تبعات الهجمات الدموية في متحف باردو وفي شواطئ سوسة، بـ515 مليون دولار، علاوة على التراجع الحاد لعدد السياح، الذي بلغ نسبة %26.6 بالمقارنة مع سجل عدد السياح في 2014، وهو ما تسبب في انخفاض عائدات القطاع السياحي التونسي بنسبة %33، لتبلغ 1.039 مليار دولار بعدما كانت تصل إلى 1.95 مليار دولار.

أما الديوان الوطني التونسي، فذكر أن عدد الوحدات الفندقية التي أغلقت في تونس، خلال 2015 فقط، وصل إلى 192 وحدة، أي ما يمثل 38% من إجمالي 573 فندقًا سياحيًا، إذ حازت مدينة سوسة بالحصة الكبرى، بـ70 وحدة فندقية، أعلنت إنهاء خدماتها السياحية، إثر تراجع نشاطاتها بعد هجمات «تنظيم الدولة».

تسببت هذه الخسارة في فقدان آلاف العاملين مصدر دخلهم، وبالتالي ولوجهم مستنقع البطالة، الأمر الذي يشكل عبئًا إضافيًّا، يفرض على السلطات التونسية، التي بالكاد تتكفل بنفقاتها العمومية، في ظل الوضع الأمني المرير والاقتصاد الهش.

ولا يبدو أن الوضع يتحسن خلال الأشهر الأولى من عامنا الجاري، ولا سيما بعد أن أعلنت الشركات السياحية المختصة في الرحلات البحرية، أنها ستلغي في 2016 وكذا 2017 الوجهة نحو تونس، ضمن برامجها السياحية، وما زاد الطين بلة هو إلغاء بعض وكالات الأسفار العالمية رحلاتها نحو تونس، مثلما فعلت بريطانيا.

بالتأكيد كل ذلك ينعكس سلبًا، ليس فقط بالنسبة للعاملين في الفنادق والمنتجعات السياحية، ولكن أيضا بالنسبة للعاملين بالمطاعم والمحلات التجارية وسيارات الأجرة وغيرها من القطاعات المرتبطة بشكل أو بآخر مع النشاط السياحي.

كيف تواجه الحكومة التونسية أزمتها السياحية؟

تحاول السلطات التونسية جاهدة الحفاظ على صورة الاستقرار بالبلد، منعًا لأي صدع قد يبعد السياح نحو وجهات سياحية أخرى، لكن لسوء الحظ يخيب أملها في كل مرة، إذ تعرف تونس هجمات من قبل التنظيمات المسلحة، ما بين الفينة والأخرى، بخاصة وأن تلك التنظيمات، وعلى الرأس منها، «تنظيم الدولة»، لاتحتاج إلى الانتصار لضرب قطاع السياحة التونسي، وإنما يكفي فقط القيام بهجمات لتكسير زجاج السياحة الهش، كما حصل مع محاولة عناصر «تنظيم الدولة»، الاستيلاء على المنطقة الحدودي بنقردان، والتي إن فشلت في السيطرة عليها، إلا أنّها كشفت عن نفسها باعتبارها خطرًا حقيقيًّا يُحدق بتونس.

كرد فعل تجاه أزمة السياحة، قررت الحكومة التونسية عسكرة الفنادق وتعزيز الوجود الأمني بالأماكن والمنتجعات السياحية، خصوصًا بعد أحداث سوسة، كما يقوم المسؤولون التونسيون رفقة كاميرات الإعلام والوفود الرسمية، بزيارات رمزية للمعالم السياحية التونسية، في محاولة لإقناع سياح العالم بكون تونس بلدًا يحظى باستقرار.

أقرت أيضًا السلطات التونسية، مجموعة من الإجراءات التخفيفية، التي من شأنها تشجيع السياح لزيارة تونس، مثل إلغاء رسوم مالية كانت مفروضة على السياح المغادرين لتونس، وهي بقيمة 13 يورو للسائح الواحد، كما فتحت الباب لمنح تأشيرة الدخول أمام كل الوفود السياحية المنظمة، القادمة من الصين والهند وإيران والأردن، والراغبة في زيارة البلاد، بل ومنحت لمستثمري ورجال أعمال تلك البلدان، تأشيرات متعددة الدخول لمدة سنة كاملة.

وفي محاولة لتشجيع سياح العالم على زيارة البلد، خصصت حكومة تونس خطة ترويجية لتسويق خدماتها السياحية في عدد من البلدان الأوروبية، حيث يأتي معظم السياح منها، إضافة إلى ذلك استدانت نصف مليار دولار من البنك الدولي لاستثمارها في قطاع السياحة.

لكن الأزمة السياحية بتونس، لا تعود لعامل هشاشة الأمن وحده، بل يربط المهنيون الأزمة أيضا بضعف هياكل القطاع أصلًا، وهناك من يدعو منهم إلى تنويع النشاط السياحي، وتوفير مساحات مجهزة للسياحة الثقافية، والسياحة الرياضية، وسياحة المغامرات، وبالموازاة مع ذلك البحث عن أسواق جديدة لاستقدام السائحين، فيما دعا آخرون إلى تشجيع السياحة الداخلية.

بينما يحث مراقبون، الحكومة التونسية على عدم التعويل على قطاع السياحة كركيزة اقتصادية على المدى البعيد، نظرًا لحساسية هذا النشاط مع السياق السياسي المحيط به، وبدل ذلك البدء في بناء اقتصاد قائم على أسس صلبة، يمكنه أن يصمد أمام التحديات المحيطة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد