ظهرت أخيرًا تشكيلة الحكومة الجديدة لتونس، بعد مخاض عسير، عرف الكثير من التجاذبات والمشاورات، نتج عنها حكومة وحدة وطنية، تضم مختلف ألوان الطيف السياسي التونسي

ظهرت أخيرًا تشكيلة الحكومة الجديدة لتونس، بعد مخاض عسير، عرف الكثير من التجاذبات والمشاورات، نتج عنها حكومة وحدة وطنية، تضم مختلف ألوان الطيف السياسي التونسي، من ليبراليين واجتماعيين وإسلاميين، ونقابيين ويساريين ويمينيين، أملًا في حل مشاكل البلاد المستعصية.

وتأتي الحكومة الجديدة، بعد إقدام مجلس النوّاب التونسي على سحب الثقة من الحكومة السابقة، برئاسة الحبيب الصيد، في 30 يوليو (تموز) الماضي، عقب تعرض حكومته لانتقادات بسبب عدم فاعليتها، ليطلق الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، مبادرة تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل، كما قال، على «محاربة الإرهاب والفساد وترسيخ الديموقراطيّة».

وتعد الحكومة الجديدة هي الثامنة من نوعها في تونس، منذ انطلاق إسقاط نظام بنعلي، بعد فشل كل التجارب الحكومية السابقة في تحسين الوضع الاقتصادي للتونسيين، وإرساء الأمن بمناطق البلاد.

فهل إذن ستنجح هذه الحكومة في ما فشل فيه الآخرون؟

حكومة توافقات

تتكون حكومة الوحدة الوطنية الجديدة، برئاسة يوسف الشاهد، من 26 وزيرًا و14 كاتب «وزير» دولة، يتوزعون على عدة أحزاب مختلفة.

ويعتبر رئيس الوزراء التونسي الجديد، يوسف الشاهد، أصغر رئيس وزراء سنًا في تاريخ تونس، منذ استقلالها عن فرنسا في عام 1956، وهو قيادي في حزب «نداء تونس»، وحاصل على الدكتورة في العلوم الزراعية، كما كان وزيرًا للشؤون المحلية بحومة لحبيب الصيد السابقة.

وينتمي وزراء الحكومة الجديدة إلى ستة أحزاب سياسية، النهضة الإسلامي ونداء تونس العلماني، إضافة إلى حزب المسار اليساري وحزب المبادرة، والحزب الجمهوري وآفاق تونس الليبرالي، كما ضمت الحكومة نقابيين كوزيرين، وهما محمد الطرابلسي وعبيد البريكي.

ويهيمن على الحكومة التونسية الوليدة كل من حزب نداء تونس، بأربع وزارات وثلاثة كتاب، وهي النقل والسياحة والخارجية والتربية، وكذا حزب النهضة بثلاث حقائب وزارية وثلاث كتاب دولة، وهي الصناعة والتجارة، والتكوين والتشغيل، وتكنولوجيا الاتصال.

وكان ملفتًا أن ثلث التشكيلة الحكومية نساء، حيث شغلوا ثمان حقائب وزارية، مثلما أصبح للشباب حضور مهم، اتضح في احتفاظهم بـ14 حقيبة وزارية، بالإضافة إلى إشراك النقابيين في الإستوزار، لأول مرة في تونس منذ بداية ثورة الياسمين.

وينتظر أن يصادق البرلمان التونسي على الحكومة الجديدة، خلال الأيام القليلة المقبلة، مع إمكانية أن تشهد النسخة المقترحة تعديلات وزارية، قبل تمريرها.

انتقادات لاذعة

ويبدو أن حكومة تونس الجديدة تواجه سيلًا من الانتقادات اللاذعة، سواء من الأطراف السياسية أو الشارع التونسي، بالرغم من أنها لم تباشر بعد عملها.


ويرفض الأمين العام لحركة الشعب، زهير المغزاوي، المشاركة في حكومة الشاهد، بسبب الاختلاف حول منهجية عمل الحكومة، وغموض تركيبتها والعلاقة التي تجمع مكوناتها، فيما قال عنها القيادي في حركة وفاء، رواد الرويسي: «يجري الحديث هنا وهناك عن توافق، وحكومة وحدة وطنية، وانتقال ديمقراطي، ومصالحة وطنية، والحال أنّنا نتوهّم ذلك».

وفضلت سناء الصالحي، النائبة عن حزب نداء تونس، الاستقالة من الحزب، احتجاجًا على تركيبة الحكومة الجديدة. مثلما أعلن مجلس شورى حركة النهضة التونسية تحفظه على بعض أسماء التشكيلة الوزارية الجديدة.

وقد اعتبر المحلل السياسي خالد عبيد، في حوار له مع «دويتشه فيله»، أن «الحكومة جاءت بناء على ترضيات ومحاصصة»، في إشارة منه إلى التباينات السياسية التي طبعت على الائتلاف الجديد، وهو ما يمكن أن يكون نقطة ضعف، يزيد من إرباك العمل الحكومي، في ظل التجاذبات بين الأطراف المشتركة المختلفة، في حالة لم يتم إدارة هذا التنوع بشكل جيد، حسب الصحفي نزار مقني.

فيما وصف الكاتب إسكندر الرقيق الحكومة الجديدة بأنها «حكومة التناقضات الوطنية، وقلّة الخبرة والهشاشة القيادية، مع شبهات الفساد والانتهازية والمحاباة، الملاحقة لبعض أعضائها»، معربا عن أمله في أن تنجح، باعتبارها آخر خرطوشة للنجاح، وذلك قبل انتشار «خراطيش الفوضى والاحتراب الأهلي، بسبب الفقر والتهميش»، على حد قوله.

وعاب آخرون، على يوسف الشاهد، الانسياق وراء الجوانب الشكلية في تكوينه الحكومة، دون التركيز على الكفاءات وبرامج حقيقية، قادرة على معالجة المشاكل، التي تئن تحت وطأتها البلاد.

من جانب آخر، أشاد محمد البرادعي، نائب الرئيس المصري السابق، والرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بتشكيل تونس حكومة وحدة وطنية، معتبرًا ذلك رسالة مشجعة من العالم العربي.

تحديات ورهانات

وتواجه الحكومة التونسية الجديدة مهمة صعبة، ممثلة في تجاوز المشكلات، التي فشلت فيها باقي التجارب الحكومية طوال الخمس سنوات الأخيرة، وهي مرتبطة أساسًا بالوضع الاقتصادي المتعثر، واستشراء الفساد، وتفشي البطالة، بالإضافة إلى الاضطراب الأمني والسياسي، علاوة على تحسين خدمات العمومية.

وقد لخص رئيس الحكومة المكلف، يوسف الشاهد، برنامج الحكومة، عندما صرح قائلًا: «الحكومة الجديدة ستعمل على تحقيق خمس أولويّات ضروريّة هي: كسب المعركة على الإرهاب، إعلان الحرب على الفساد والفاسدين، رفع نسق النمو لخلق فرص العمل، التحكّم في التوازنات الماليّة، ومسألة النظافة والبيئة».

وعلى الرغم من تفاؤل الحكومة الجديدة، بقدرتها على تحقيق ما ينتظره التونسيون، إلا أنها تعي في نفس الوقت حساسية المرحلة الراهنة، إذ وعد يوسف الشاهد بأن حكومته «ستصارح الشعب التونسيّ منذ البداية بحقيقة الأوضاع الماليّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة» مضيفًا بأنّ البلاد في مرحلة دقيقة، وتحتاج إلى قرارات استثنائيّة وتضحيات.

وتعتزم حكومة الشاهد دعم المنظومة الأمنية بشكل أفضل، لمقاومة عنف الجماعات المسلحة، مثلما تنوي تعزيز «هيئة مكافحة الفساد» بمزيد من الإمكانيات، لتسهيل مهمتها في الكشف عن الفاسدين.

كما يطرح رئيس الحكومة التونسية الجديد حلًا لمسألة التنمية، وذلك بالتركيز على تكنولوجيات الاتصال والمعلومات، وعلى الطاقات البديلة والمهن الصغرى والمبادرة الخاصة ودفع التصدير.

هذا وتعاني تونس، من جهة أولى، من اضطراب الوضع الأمني، بسبب هجمات الجماعات الجهادية، والحدود غير المؤمنة مع ليبيا، ومن جهة ثانية من موجة الإضرابات النقابية العمالية، الأمر الذي سيصعب مهمة حكومة الوحدة الوطنية، في النهوض باقتصاد البلاد.

وتمثل التجربة التونسية أملًا للشعوب العربية، باعتبارها البلد الوحيد الذي نجا من تبعات ما يسمى بـ«الربيع العربي»، بفضل التوافقات السياسية، إلا أن تونس لم تنجح في تحسين حياة مواطنيها الاقتصادية والاجتماعية، بالرغم من التداول السلمي للسلطة، الذي عرفته.

اقرأ: لماذا تأزم اقتصاد تونس رغم تراجع الفساد؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد