كانت تونس البلد الأول الذي دشن ثورات الربيع العربي قبل أن ينتقل فتيلها إلى البلدان العربية الأخرى، في مصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا، إلا أنه يبدو بعد أربع سنوات أن تونس هي الوحيدة التي لا تزال سائرة على طريق الياسمين رغم كل الخروقات والتحديات، بينما سقطت كل تلك البلدان التي ثارت في أتون الدكتاتورية والفساد من جديد، بل وتورط بعضها في حروب أهلية طاحنة لا تزال رحاها تدور حتى الآن.

تونس والمرحلة الانتقالية

عاشت تونس عقودًا من الدكتاتورية في عهد بن علي، ولما هرب الأخير محملا بأمواله مع عائلته إبان ثورة الياسمين، شكل ذلك لحظة فارقة ليس في تاريخ تونس فقط وإنما في العالم العربي بأكمله، إذ لأول مرة في تاريخ شعوب المنطقة يتم الإطاحة بحاكم فقط من خلال المظاهرات السلمية، بدون مساندة من قوة عسكرية أو ميليشيات مسلحة كما هو حال الثورات التاريخية العربية.


كعادة البلدان الانتقالية شهدت تونس مخاضًا عسيرًا لتضع نفسها على سكة طريق الياسمين، فقد اجتاحت الفوضى البلاد ونشطت العصابات ومعها الجماعات المتطرفة، ناهيك عن توقف الاقتصاد التونسي بفعل الأحداث الاستثنائية، وكان يتطلب البلد عملًا كثيرًا ومضنيًا للخروج من حالة الفراغ تلك، ولحسن الحظ ترك بن علي من تركته مؤسسات إدارية وأمنية محترفة، استطاعت تونس بفضلها أن تجتاز تلك المرحلة العصيبة والحساسة حيث يسقط نظام لبناء نظام جديد على أنقاضه.

كانت ولادة المجلس التأسيسي بعد مخاض عسير أول ثمرات ثورة الياسمين، لأول مرة في تونس والمنطقة العربية تتم عملية انتخابية ديمقراطية، مراقبة من طرف لجان مستقلة وشهد لها بالشفافية، كانت تلك المحطة الأساسية والأولية التي سيبنى عليها كل ما هو قادم.

بعد ذلك بفترة قريبة تم صياغة دستور جديد بعد نقاش مرير حوله بين النواب التونسيين، وصف الدستور الحديث بأنه أكثر الدساتير عصرنة وتقدمًا في المنطقة العربية.

ثم تشكلت الحكومة الأولى بعد انتخابات شعبية فازت بها حركة النهضة التيار الإسلامي في تونس، لتدخل البلاد في وضع أكثر تدهورًا أمنيا واقتصاديا وسياسيا، ما أدى في الأخير إلى انهيار حكومة الترويكا، وإعلان حينها انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة نظمت في نوفمبر العام الماضي، فاز بها هذه المرة حزب نداء تونس ذو التوجه العلماني، والذي يقوده رئيس تونس الحالي القائد الباجي السبسي.

تونس بين الديمقراطية والدكتاتورية

وجدتْ الحكومة التونسية الجديدة التي يتزعمها حزب نداء تونس بالتحالف مع أحزاب أخرى منها حزب النهضة الإسلامي التوجه، وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه، حيث التحديات الأمنية والاقتصادية تهدد تونس داخليا وخارجيًّا.

من ضحايا حادثة سوسة

كان أكثرُ ما واجه تونس هذا العام، الحادثتين الإرهابيتين في متحف باردو بالعاصمة تونس وشاطئ مدينة سوسة، واللتان خلفتا أكثر من 50 قتيلا من السواح الأوروبيين، كان نهجًا واضحًا اتخذته داعش الجهة المتبنية للعملية لضرب الاقتصاد التونسي في مقتل، وبالفعل فقد انخفضت أعداد السواح بشكل مهول بعد حادثة سوسة.

قامت الحكومة التونسية بسن “قانون الإرهاب” كرد فعل للتهديد القومي الذي يحدق بالتونسيين، إلا أن هذا القانون قوبل برفض شديد من قبل المنظمات الحقوقية لما فيه من إجراءات يمكن أن تعرض الديمقراطية الوليدة في تونس “لخطر”.

أعلن القائد السبسي حالة الطوارئ، وأقر البرلمان التونسي بالأغلبية “قانون الإرهاب الجديد”، الذي يحد من بعض الحريات ويمنح قوات الشرطة والأمن صلاحيات واسعة، منها السماح للشرطة باحتجاز المشتبه بهم مدة 15 يومًا بدون إذن قضائي، كما يجرم الإساءة إلى قوات الشرطة، وهو ما اعتبره البعض عودة إلى عهد الدكتاتورية، في حين رآه آخرون أمرًا فرضته الظروف الأمنية، حيث الأمن يسبق الحرية.

أما على الجانب الاقتصادي فقد أصبح أسوأ مما كان عليه الحال في عهد بن علي، فبعد أربع سنوات لا تزال المناطق المهمشة ترزح تحت الفقر والإقصاء، ما يشعل بين الفينة والأخرى احتجاجات عنيفة، وعرفت حالات حرق للذات على غرار سيناريو البوعزيزي.

طرحت الحكومة التونسية “قانون المصالحة الوطنية” المثير للجدل، والمصادق عليه بإجماع النواب البرلمانيين، بموجبه سيتم “إيقاف التتبع أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبات في حق الموظفين العموميين وأشباههم، إضافة إلى إمكانية إبرام صلح لفائدة كلّ شخص حصلت له منفعة من أفعال تتعلق بالفساد المالي والاعتداء على المال العام”، الأمر الذي أثار سخط المنظمات الحقوقية والمدنية، واصفين القانون بأنه “خرق سافر للدستور” ومحاولة “لتبييض وجوه الفاسدين”، بينما تعتبره الحكومة إجراءً قانونيًّا من شأنه تسريع العدالة الانتقالية بتونس وإنعاش الاقتصاد الوطني، الذي في أمس الحاجة إلى تلك الأموال في مثل هذه الظرفية.

تونس لا تزال في كف عفريت

لا نزال لا نستطيع أن نحكم على تونس بنجاح ثورتها أو فشلها حتى الآن، إذ لا زالت تتمايل بين ممارسات العهد القديم وقيم العهد الجديد، لكنها في كل الأحوال تحافظ على الاستقرار السياسي نسبيا مقارنة مع البلدان التي شهدت ثورات هي الأخرى.

ولسوء حظ تونس فقد تضافرت عوامل خارجية تهدد كيانها واستقرارها، فانهيار الوضع في ليبيا وما نجم عنه من حرب أهلية مستمرة حتى الساعة، يجعل الخطر محدقًا على الحدود التونسية الليبية، بالإضافة إلى حدودها مع الجزائر حيث تنتشر الجماعات المسلحة.

ومن جانب آخر ساهم قيام “دولة” داعش في جذب الكثير من التونسيين إلى مناطق الصراع في سوريا والعراق، حيث تسجل أحدث التقارير في هذا الشأن أن حوالي 5500 تونسي انضموا إلى الجماعات المتطرفة في سوريا، وبالتالي فإن المقاتلين العائدين يشكلون خطرًا وجوديًّا على الدولة التونسية.

ولا يقتصر تهديد التطرف على تونس على القادم من الخارج فقط بل هناك خطر داخلي أيضًا، إذ يتسبب الفقر والبطالة المنتشرة في الأحياء الهامشية، إلى إحباط الكثير من الشباب وفقدهم الأمل في الدولة فيتحولون ضدها، كما أن الفراغ الأمني والسياسي الذي حدث في السنوات الأولى بعد الثورة استغلته جيدا الجماعات التكفيرية في استقطاب المئات من الشباب المحبط، الأمر يؤدي بهؤلاء إلى الانضمام للجماعات المسلحة داخل تونس أو الهجرة إلى بؤر الصراع في ليبيا وسوريا والعراق.

تتهدد تونسَ أيضا التدخلاتُ الأجنبية التي تحاول أن يكون لها موطئ قدم في الدولة الوليدة الهشة.

غير أن معظم المراقبين يعتقدون أن التحدي الأكثر أهمية الذي تواجهه تونس هو النهوض بالاقتصاد وتوفير فرص العمل وتنمية المناطق المهمشة، وقد كتبت الواشنطن بوست في هذا الصدد، أن مِن مصلحة أوروبا وأمريكا أن ترعى نمو الديمقراطية الوليدة في تونس، وذلك من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية الكافية ومساندتها استخباراتيًّا وتسليحًا لتعزيز الاستقرار في تونس.


لكن رغم كل الإكراهات والتحديات التي تواجه تونس، إلا أن هناك جوانب إيجابية تفتح الأمل أمام قيام دولة ديمقراطية نامية في المنطقة، إذ أنها تملك دستورًا متقدمًا، ومجتمعًا مدنيا نابضًا بالحياة، كما أنها الأكثر مساواة بين الرجال والنساء من بين الدول العربية، ناهيك عن سمة التوافق بين الإسلاميين والعلمانيين التي تميز الوضع السياسي التونسي حتى الآن.

إن نجاح تونس سيكون بالتأكيد مثالا واقعيًّا على قدرة الشعوب العربية على السعي نحو الدولة المدنية الحديثة، فهل تدشن تونس من جديد عهد الديمقراطية والتنمية في العالم العربي كما دشنت الثورات العربية؟ لننتظر، الأيام وحدها ستخبرنا.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد