«مصر القديمة كلما عرفنا عنها كلما اكتشفنا أننا لا نعرف شيئًا»؛ تلك مقولة متداولة بين أوساط علماء المصريات، وهذا لأن طالما ما كانت مصر القديمة محط أنظار العالم قديمه وحديثه، واجتذبت من الهواة والدارسين والمحبين، بل حتى اللصوص الكثير، وعلى الرغم من أن يفصلنا عنهم ما يقرب من 10 آلاف سنة، إلا أن آثارهم بيننا الآن وتُذهل العالم حتى غير المختصين منهم.

منذ أيام قليلة نشرت المطربة الأمريكية كيتي بيري والممثل الأمريكي الشهير أورلاندو بلوم مقطعًا قصيرًا وهما يقبلان بعضهما البعض أمام معبد أبو سمبل وهم يصدرون مفتاح الحياة الكبير للشاشة، في الواقع أن هواة القراءة عن مصر القديمة يدركون تقدير تلك الحضارة للحب والجنس على حد سواء، وكانت المتعة الجنسية تصل مكانتها لديهم حد التقديس، ولذلك كانت هناك آلهة مخصصة للحب والجنس. وفي هذا التقرير ننقل لكم جزءًا صغيرًا، ولكن مهمًا؛ يعكس مدى اهتمام الحضارة المصرية القديمة بالجنس. وهي بردية «تورين» الجنسية.

«الدعارة المقدسة» و«استخدام الثعابين».. 7 طقوس غريبة لممارسة الجنس في التاريخ

بردية «تورين» الجنسية.. أقدم مخطط جنسي عرفه التاريخ

تفرد المصريون القدماء بكونهم سجلوا لنا جزءًا يسيرًا من حياتهم الزاخرة والغنية، ومن الأعمال الشهيرة، والتي يدرسها علماء الآثار حتى يومنا هذا هي بردية تورين، وهي بردية مصرية قديمة تعود للعام 1150 قبل الميلاد، وتؤرخ بحقبة الرعامسة، أى الملوك الذين تسموا باسم رع مسيس، أو رمسيس.

 وهي محفوظة بمتحف مدينة تورين بإيطاليا، تم اكتشافها بمنطقة دير المدينة بطيبة القديمة، أو مدينة الأقصر الحالية، في أوائل القرن التاسع عشر حوالى العالم 1814 إلى 1821 ميلادية، على يد القنصل الفرنسي وتاجر الآثار برناردينو دروفتى، ومن ثم تم بيعها إلى الملك تشارلز فليكس حاكم مملكة الشمال الإيطالي حينئذ، ومؤسس متحف تورين للمصريات في العام 1824.

جزء بردية تورين

 تُقدر مقاسات البردية باثنين ونصف متر، وعرض 25 سم، مقسمة إلى جزأين، أحدهما يحمل رسومًا لـ12 وضعًا جنسيًا. في جزئها الأول توجد حيوانات تقوم بمهام بشرية مختلفة، وهو ما يوصف بالجزء الكوميدى من البردية، أما الجزء الخاص بالأوضاع الجنسية البشرية بها فهو يشكل حوالى ثلثى حجم البردية كلها، علينا أن نتذكر كونها مدمرة في أجزاء منها لظروف عدة، منها سوء الحفظ، وحتى سوء التعامل معها حال اكتشافها في أوائل القرن التاسع عشر؛ لكون الوسائل العلمية اللازمة للحفظ والدراسة لم تكن متوفرة حينذاك.

لا تعود أهمية بردية تورين فقط إلى كونها وثيقة أصلية وقديمة يمتد عمرها إلى آلاف السنين، بل لكونها أول دليل جنسي مكتوب يصل لنا من العالم القديم بأوضاع جنسية متعددة من التي نعرفها اليوم، بل حتى بأوضاع تستعمل فيها ألعاب جنسية مُصنعة يدويًا، مثل مخروطات خشبية تجلس فوق إحدى سنونها الرفيعة امرأة.

 لقد وجدت بردية تورين قبل الأدبيات المشهورة في الجنس مثل الكاماسوترا وغيرها، والتى تعتبر مقارنة ببردية تورين هوامش صغيرة على متن يعود لآلاف السنين، سجلتها أمة تعتبر أولى الأمم المتحضرة في العالم أجمع، إذ لم يكن الجنس ممارسة مشينة أو مخجلة بالنسبة للمصريين القدماء، على العكس فقد كان ممارسة مُبجلة، وفي أحيان أخرى مقدسة.

ربما قد يلفت انتباه الكثير منا ضخامة الأعضاء الجنسية الذكورية في البردية، وهو أمر مثير للانتباه، فقد تعود الإنسان منذ أن سكن الأرض وأسس لنفسه مدنية وحضارة أن يبالغ في تخيلاته، بل يطلق لها العنان، ربما ليعوض نقصًا ما، وربما أيضًا ليؤكد لنفسه قدرته على الوصول بالأشياء إلى أقصاها.

لا توجد إجابات يقينية هنا، وإنما هو التخمين والحدس لا غير، وهو تفسير يعد منطقيًا نظرًا لما يقدمه البشر من مواد جنسية الآن، حيث المبالغة في مدة ممارسة الجنس، وحجم ثدي المرأة، وحتى الاختيار المتقن لكل ممثلي البورنو الذين يملكون قضيبًا كبيرًا، وطالما تحدث ممثلو البورنو عن إجبارهم على تناول الكثير من «الفياجرا» حتى تدوم مدة انتصابهم لفترة طويلة، فتلك البردية استخدمت نفس المبالغة لإثارة غرائز المشاهد كما يفعل البشر الآن بالضبط.

لكن ما الغرض من كتابة بردية تورين؟

لم يٌعرف على وجه التحديد الغرض الأصلى من كتابة بردية تورين، لكن كونها وجدت في مقابر أحد النبلاء يرجح أنها كانت ذات أغراض جنائزية أو مختصة بالحياة الآخرى كما آمن بها المصريون القدماء، ويمكننا أن نتخيل ذات يوم من العام 1150 راسم تلك البردية جالسًا مشغولًا بإتمام كتابة لفافة بردي، بدأها برسم حكايات عن الحيوانات قد وصلت لمسامعه، وحين انتهى من تصوير تلك الحكايات المرسومة وضع خطًا فاصلًا من قمة البردية حتى نهايتها وبدأ موضوعًا آخر؛ موضوعًا جنسيًا، وتلك هي البردية التي نتحدث عنها الآن: بردية تورين.

لم يعلم علماء الآثار حتى الآن هل كانت الرسوم تتضمن شخصيات حقيقية عاشت في هذا الزمن، أم أنها مجرد قصة جنسية خيالية، ولكن الأرجح أنها كانت خيالية؛ لكونها، وعلى الرغم من تضمن البردية لنصوص كثيرة لم تذكر أسماء الشخصيات المشاركة في القصة على بردية تورين.

جزء من بردية تورين

اقترح بعض الدارسين أن الرسومات تمثل المغامرات الغرامية لكاهن من كهنة آمون، والتي كان يخوضها مع بغايا وعاهرات طيبة، أو أنها رمز لأحداث على مستوى سياسي أكبر، أو حتى على مستوى ديني، وفسر بعض الباحثين أن شخصية الذكر الرئيس في بردية تورين هي شخصية الملك الذي كتبت البردية في عصره، ولكن بالتدقيق فيها نجد أن الرسومات على البردية ليست لنفس الرجل، ليس فقط لاختلاف ملامح الوجه، ولكن لأن أحدهم كان برأسه بعض الشعر، والآخر كانت رأسه صلعاء، وكذلك اللحى مختلفة الأشكال من رسم لآخر، إلا أنهم كلهم يشتركون في ارتداء زي بسيط عبارة عن سترة من الكتان غير محكمة الربط على النصف الأسفل من البدن، وتلك المواصفات تشي بانتماء أبطال تلك الرسومات للطبقة الدنيا من الشعب والخدم وعمال المزارع والصناعات اليدوية؛ وليس الملوك.

ومن وجهة نظر فنية بحتة فإن بردية تورين تشترك في مواصفاتها وخصائصها الفنية مع الرسومات التخطيطية التي كان يخطها الفنانون المصريون القدماء على رقائق الحجر الجيري وشقائف الفخار المتبقية من أعمال إعداد المقابر في أوقات فراغهم، ووجد منها الكثير في قرية العمال بدير المدينة.

«تعال من ورائي بُحبِك، تعال.. آه أيها المُشمِس.. لقد وجدت قلبي بالفعل، إنه لشيء ممتع»؛ هذا الاقتباس القصير أحد اقتباسات كثيرة مدونة على البردية، وأحداث الرسومات تجري داخل البيوت، وتبدو الغرف وقد أثثت بالأثاث اللازم لإثارة الرغبة الجنسية، ففي غرفة يبدو الفراش معدًا ومهيئًا بوسائد، ونمارق موجودة على الأرض توحي بالحميمية والاسترخاء، ومقاعد عالية بلا ظهر حتى تسهل ممارسة الجنس للشخصيات المشاركة في بردية تورين.

وتظهر البردية أيضًا رسومات الصلاصل و«الشخاليل» الخاصة بالألهة حتحور ربة الحب، ويمكنك أن ترى بوضوح أواني الجعة والنبيذ، وأوضحت عالمة آثار أمريكية في كتابها «الحياة الجنسية في مصر القديمة»؛ أن ما يظهر من أوضاع جنسية متعددة، وتجسيد لليال جنسية صاخبة على أوراق بردية تورين، قد يكون تجسيدًا للحظات الخاصة والحميمية في أحد بيوت الدعارة في دير المدينة منذ آلاف السنين.

بردية تورين.. شكر الله على نعمة الجنس 

على الرغم من التلف الذي تعرضت له بردية تورين إلا أن علماء الآثار قد بذلوا مجهودًا لا يمكن إنكاره في ترميمها، وإعادة تجميعها، وحفظها حفظًا ملائمًا، ونتاج تلك المجهودات يمكن لعين المشاهد أن ترى الكثير من الأوضاع الجنسية التي قد تتصف بالغرابة والجنون.

بينما نرى بوضوح أيضًا ممارسة المرأة للمتعة الجنسية بمفردها مستخدمة ألعابًا جنسية، وهو الأمر الذي أثير من قبل عن نساء مصر القديمة، حين أشيعت شائعة بين أوساط دارسي مصر القديمة أن الملكة كليوباترا كانت تستخدم قضيبًا صناعيًا خيطيًا مملوءًا من الداخل بالنحل الحي؛ حتى يهز النحل في ثورته داخل سجنه القضيب الصناعي، ولكن هذا الأمر لم يُثبت صحته بعد.

في المقابل تًظهر بردية تورين امرأة ترفع ساقيها أمام مرآة، وتجلس على وعاء فخاري مُدبب فارجة ساقيها، بينما رفيقها ينظر إليها وهو يشير بيده اليمنى إلى نصفها السفلى وكأنه يوجهها في استعمال اللعبة الجنسية، ومن الأوضاع الجنسية الغريبة الموجودة في البردية هي رسوم تجسد امراة على عجلة حربية تجرها فتاتان، والمرأة الراكبة على العربة تمسك عنان الجياد بيد، بينما يدها الأخرى تسند على أفرع شجرة اللبلاب وهو نبات يذكر كثيرًا في النصوص الجنسية بمصر القديمة، وهناك رجل – في الرسم –  من الخلف، وإحدى يديه تقبض على شعرها وتشده بعنف، وفي يده الأخرى وعاء من الدهون العطرية، بينما هناك رجل قصير ينظر إلى هذا المشهد الجنسي ويعلن عن رغبته في الانضمام إليه.

وفي مشهد آخر على بردية تورين تظهر امرأة متمرسة تساعد رجلًا يبدو قليل الخبرة، بينما كًتب بجوار الرسم: «لا تخف.. جعلت من مهمتك مهمة ممتعة، أنت يا من تدق، أنت يا من تستدير؛ قضيبك الآن معي، ولكنك لم تجعلني أصل للمتعة بعد».

بينما نص آخر مكتوب بجوار رسم لرجل وامرأة يمارسان الجنس وجهًا لوجه يقول: «سأصلي وأشكر إلهي على جنونك»، وفي رسم آخر نرى فتاة مستلقية وساقاها منفرجتان، بينما يضاجعها رجل وهو ممسك بشعرها، وبجوار الرسم مكتوب: «الشكر لله».

وذكر الآلهة كثيرًا في بردية تورين لا يعد أمرًا غريبًا، إذا نظرنا إلى قصة الخلق لدى مصر القديمة، فإنه وفق العقيدة المصرية القديمة، خلق الإله نفسه من خلال الاستمناء، ومن هناك جاء طقس الاستمناء في النيل، إذ كان يذهب الملك المصري القديم إلى النيل في وقت معين من كل سنة، وفي إطار مراسم يحضرها جموع الشعب المصري القديم، ويقدسها المجتمع بأكمله؛ يستمني الملك في النيل أكثر من مرة، مع تصفيق وتهليل الشعب المصري القديم؛ نظرًا إلى البركة التي حلت على المملكة بحسب اعتقادهم.

الغرض منه ليس المتعة الشخصية للملك، بل الهدف هو استمرارية الحياة كلها وزيادة خيرات البلاد، وهذا يعود لقناعة المصريين القدماء بأن الإله الأول (آتون) كان وحيدًا في الكون دون بشر أو حياة كما نعرفها الآن، ومن خلال استمنائه في المياه الأزلية، والتي كان يصدق المصريون أنها كانت تملأ الكون قبل الخلق؛ ظهرت الحياة على وجه الأرض بحسب اعتقادهم، ولأن الملك في الحضارة المصرية هو تجسيد للإله على الأرض؛ فعلى هذا الملك أن يستمر في الاستمناء في النيل، والذي يمثل شريان الحياة؛ حتى تستمر الحياة وتنهم الأرض بالخيرات.

وفي مصر القديمة أيضًا بعض النساء كان عليهن القيام بدور خاص في حضرة الإله؛ إذ كان عليهن القيام بأفعال جنسية لإثارة الإله الذكر ويذكر المؤرخ ديودورس الصقلي، الذي زار مصر في الفترة ما بين 60 و57 قبل الميلاد، واصفًا ما حدث بعد جنازة العجل أبيس، وإحلال عجل جديد مقدس مكانه، والذي يشترط أن تكون هناك علامات معينة في جسده: «خلال الـ40 يومًا الأولى يسمح للنساء فقط بالدخول إلى ساحته في المعبد وإلقاء النظر عليه، حيث تقف النساء في مواجهته ويرفعن ثيابهن كاشفات عن اعضائهن التناسلية».

ومن هذه الرسومات والحكايات عن تعامل المصريين القدماء مع الجنس، يمكننا أن نرى بسهولة كيف كان يربط المصريون القدماء المتعة الجنسية بالتواصل مع الآلهة، الأمر الذي تروج له الآن الهندوسية فيما يسمى «التانترا»، والتي تشير إلى أن التواصل الجنسي بين الذكر والأنثى هو وسيلة للتواصل مع الكيان الإلهي الأكبر والتوحد معه في نسيج واحد.

«الجنس أفيون الشعوب».. 5 من أغرب الممارسات الجنسية عبر التاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد