بعد بدء العملية التركية في شمالي سوريا والمعروفة باسم «نبع السلام»، اتخذت ألمانيا موقفًا رسميًا قويًا بقرارها حظر تصدير الأسلحة لأنقرة، ومطالبتها للأخيرة بإيقاف العملية فورًا، لكن الرد الفعل الشعبي الألماني المتمثل في رفض أغلبية الألمان للعملية ومطالبتهم بتوقيع عقوبات على تركيا، والاحتجاجات المتكررة ضدها، كان الأكثر حدة وقوة ولفتًا للانتباه؛ ما يفتح الباب أمام تساؤلات عدة حول دوافعه السياسية والتاريخية.

تأرجح بين الصداقة والعداء.. تاريخ العلاقات الألمانية التركية المتشابك

في المائة عام الأخيرة شهدت العلاقات الألمانية التركية العديد من المحطات، وربما التقلبات، تأرجحت بها بين الصداقة والعداء، تجلت في سنوات من الهدوء والتعاون المثمر، وسنوات أخرى من الحرب والصراعات السياسية.

المحطة الأولى كانت في بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، حين وقّعت ألمانيا اتفاقية تحالف عسكري مع الإمبراطورية العثمانية في الثاني من أغسطس (آب) من العام نفسه، بهدف تحديث وتقوية الجيش العثماني وتوفير مدخل آمن لألمانيا للمستعمرات البريطانية. وكانت هذه الاتفاقية تأسيسًا للتحالف الألماني العثماني الذي خاض الحرب ضد فرنسا وبريطانيا حتى عام 1918، لكن الحرب انتهت بخسارة ألمانيا والإمبراطورية العثمانية وتفكك الأخيرة، وتقاسم فرنسا وبريطانيا أراضي الدولة العثمانية وفق الاتفاقية المعروفة تاريخيا بـ«سايكس بيكو».

Embed from Getty Images

بعد أكثر من 20 عامًا من هذا التاريخ، اندلعت الحرب العالمية الثانية في 1939 بين دول المحور بزعامة ألمانيا وإيطاليا، ودول الحلفاء بزعامة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (الذي انهار في 1991). 

في بداية الحرب، حاولت الجمهورية التركية المؤسسة في 1923 (وريثة الدولة العثمانية) البقاء على الحياد بين الطرفين، قبل أن تدخل في تحالف مع الحلفاء ضد ألمانيا في 1939، بالتزامن مع سقوط العاصمة الفرنسية باريس في أيدي الألمان. فيما اعتبره الألمان آنذاك نقض لاتفاق الحلف العسكري الموقع بين البلدين في 1914، حتى وإن لم تشارك أنقرة في العمليات العسكرية في هذا الوقت.

في 1941 تغير الموقف التركي مجددًا، مع توقيع الرئيس التركي آنذاك، عصمت إينونو، اتفاقية صداقة مع ألمانيا، تعهد فيها ببقاء تركيا على الحياد بين المحور والحلفاء. ومع تزايد ضغوط الحلفاء عليها، تحللت تركيا من اتفاقية الصداقة، وأعلنت في 1945، قبل أشهر قليلة من نهاية الحرب، الإنضمام للحلفاء عسكريًا ضد ألمانيا.

مع نهاية الحرب في 1945، وتقسيم ألمانيا إلى دولتين شرقية وغربية، بدأت الأخيرة خطة متوازية لإعادة الاعمار، والتنمية في القطاعات الصناعية مثل صناعة الحديد والصلب والصناعات المعدنية الأخرى، فضلًا عن استخراج الفحم، وواجهت نقصًا شديدًا للعمالة؛ مما دفعها لعقد اتفاقات مع دول أوروبية عدة أبرزها إسبانيا واليونان لاستقدام العمالة.

في عام 1961 وقعت ألمانيا الغربية اتفاقًا لاستقدام العمالة مع تركيا. وفي هذا الإطار قدمت الأولى فرص العمل للمواطنين الأتراك في القطاع الصناعي، بشرط وحيد فقط هو توفر لياقة جسمانية لممارسة العمل.  

إلا أن ألمانيا وضعت شروطًا في الاتفاق، أبرزها: ألا يصطحب العمال أسرهم وحددت مدة عقود العمل بعامين، توافد خلالها الآلاف من الأتراك على الأراضي الألمانية عن طريق مكاتب استقدام عمالية افتتحتها ألمانيا داخل الأراضي التركية بموافقة الحكومتين.

في 1964 مددت ألمانيا عقود العمل للعمال الأتراك وسمحت لهم بجلب أسرهم، ما اعتبر نواة للجالية التركية في الأراضي الألمانية. ويبلغ عدد الأتراك الذين حضروا إلى ألمانيا بين 1961 و1973 نحو 750 ألف تركي من بين 2.7 مليون عامل استقبلتهم ألمانيا في الفترة نفسها. وعاد نصف هؤلاء العمال لتركيا في وقت لاحق، فيما بقى النصف الآخر في ألمانيا. وفي عام 2011 قدرت السلطات الألمانية عدد الأتراك الحاصلين على الجنسية الألمانية بـ700 ألف من بين 2.5 مليون تركي يعيشون في الأراضي الألمانية.

لكن الظروف المحيطة بالجالية التركية في ألمانيا تغيرت عندما أقدم نشطاء من النازيين الجدد في 1988 على إحراق منزل أسرة تركية في بافاريا جنوبي ألمانيا؛ ما أدى لمصرع أربعة أفراد بينهم طفل كان يبلغ عمره آنذاك 12 عامًا.

Embed from Getty Images

أتراك يشيعون جثامين عائلة تركية، عثر عليهم مقتولين في منزلهم في ألمانيا

وفي 1993، تكررت الجريمة مرة أخرى عندما أحرق نشطاء آخرين من النازيين الجدد منزل عائلة تركية في مدينة زولينغن غربي ألمانيا؛ ما أدى لمصرع خمسة أفراد تتراوح أعمارهم بين أربعة أعوام و27 عامًا. 

وبعد 11 عامًا من الواقعة الأخيرة، وتحديدًا في 2004، فجر نشطاء من النازيين الجدد عبوة ناسفة في أحد الأحياء ذات الأغلبية التركية في مدينة كولونيا غربي البلاد؛ ما أسفر عن إصابة 17 شخصًا.

ما هي حظوظ الأسد في السيطرة على مناطق «قسد» وهزيمة أردوغان؟

حاضر العلاقات الألمانية التركية لا يبشر بخير

في السنوات الأربع الأخيرة، مرت العلاقات الألمانية التركية السياسية بعدة أزمات حادة، أثرت على التعاون بين البلدين، وأدت لاستقطاب بين مؤيدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الأتراك المتواجدين في ألمانيا، والألمان.

بدأ الخلاف عندما اعترف البرلمان الألماني (بوندستاغ) في 2016 بمذابح الأرمن على يد الدولة العثمانية والتي جرت وقائعها في 1915، وأطلق عليها لفظ «الإبادة الجماعية»، وطالب أنقرة بالاقرار بمسؤوليتها عن هذه «الإبادة». رد الرئيس التركي آنذاك بتقديم مذكرة احتجاج رسمية للسفارة الألمانية في أنقرة على هذه الخطوة، مؤكدًا فيها إنها ستؤثر على العلاقات الألمانية التركية.

في 2017، تفاقم الخلاف مع قرار أنقرة منع الألمان من زيارة ذويهم الجنود في «قاعدة إنجريك» العسكرية التي كانت قاعدة أساسية لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الذي تقوده واشنطن منذ 2014 بمشاركة ألمانيا وتركيا. وردت برلين في يونيو (حزيران) من  العام نفسه بسحب جنودها من القاعدة.

Embed from Getty Images

في 2017 أيضًا توترت العلاقات الألمانية التركية بسبب منع السلطات الألمانية مؤتمرات جماهيرية في مدن ألمانية أبرزها كولونيا، كان مقررًا أن يتحدث فيها وزير العدل التركي بكر بوزداج، ووزير الاقتصاد نهاد زيبكجي، إلى الجالية التركية في هذه المدن؛ لأنها تمثل «استغلالًا للأراضي الألمانية لأغراض سياسية».

وفي العام نفسه أيضًا، قامت الخارجية الألمانية باستدعاء السفير التركي في برلين، على كمال أيدن، وأبلغته رسالة احتجاج على اعتقال السلطات التركية مراسل صحيفة «دي فيلت» الألمانية، دينس يوجيل، بتهمة «الترويج للإرهاب».

وفي الفترة بين عامي 2017 و2018، تكرر اعتقال مواطنين ألمان في تركيا بتهم منها «الترويج للإرهاب»، و«إهانة الرئيس التركي»، وكان بينهم صحافيين مثل ميسال تولو؛ ما أثار أزمات متلاحقة بين برلين وأنقرة. وتقدر السلطات الألمانية عدد الألمان المعتقلين في تركيا بنحو 62 شخصًا، فيما تقول أنقرة إنهم انتهكوا القوانين المحلية، وإنها لا تتدخل في قرارات الادعاء العام والقضاء.

عملية «نبع السلام» تسكب الزيت على النار

مع إطلاق أردوغان في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، عملية «نبع السلام» في شمال سوريا لتطهير المنطقة من تنظيم «بي كاكا» الكردي الذي تصنفه أنقرة باعتباره «إرهابيًا» و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وإنشاء منطقة آمنة لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، عادت الخلافات الألمانية التركية للواجهة.

فقد قال أردوغان على موقع التدوينات القصيرة «تويتر» إن هدف العملية هو: «القضاء على الممر الإرهابي المقرر إنشاؤه قرب الحدود الجنوبية لتركيا، وإحلال السلام في تلك المناطق، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية».

Embed from Getty Images

وفي 10 أكتوبر الحالي أدان وزير الخارجية الألماني بشدة العملية العسكرية التركية، وقال في تصريحات صحافية: إن أنقرة «تخاطر بزعزعة استقرار المنطقة وتعزز موقف (داعش)». وبعد ذلك بيومين علقت ألمانيا صادرات الأسلحة التي يمكن أن تستخدم في العملية العسكرية، لتركيا. فيما طالبت المستشارة أنجيلا ميركل أردوغان في اتصال هاتفي قبل أيام بوقف عملية «نبع السلام».

ويتلخص الموقف الألماني بأن تركيا توجه عمليتها ضد قوات حماية الشعب الكردية التي قاتلت (داعش) خلال الأعوام الماضية ونجحت في هزيمته، وتعاونت في ذلك مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن، فيما تقول أنقرة إنها تستهدف «إرهابيين».

الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، فقد قالت صحيفة «دي فيلت» الألمانية الخاصة يوم الإثنين الماضي، إن سياسيين من أحزاب الاتحاد المسيحي (يمين وسط) والاشتراكي الديمقراطي (يسار وسط) الحاكمين، والخضر (يسار – معارض) والديمقراطي الحر (يمين وسط – معارض)، طالبوا الحكومة، باتخاذ إجراءات أكثر حزمًا ضد أردوغان، وفرض عقوبات صارمة على أنقرة.

ونقلت الصحيفة عن نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي الحر، الكسندر غراف لامبسدورف قوله: «لابد أن تستدعي الحكومة السفير التركي في برلين – دون أن يذكر اسمه – وتبلغه رسالة احتجاج رسمية على العمليات العسكرية في سوريا».

وتابع: «بالإضافة لذلك، يجب أن تعلق الحكومة إجراءات تعميق الاتحاد الجمركي مع تركيا، وتوقف مفاوضات تحرير تأشيرة الدخول لألمانيا».

أما السياسي بـ«حزب الخضر»، بيريفان أيماز، فقال لصحيفة «دي فيلت»: «ألمانيا مطالبة بلعب دور قيادي في بحث فرض عقوبات أوروبية على رموز النظام التركي».

خبير الشؤون الخارجية في «الحزب الاشتراكي الديمقراطي»، نيلس شميدت، ذهب أبعد من ذلك، وطالب «بفرض حظر دخول للاتحاد الأوروبي على المسؤولين الأتراك المتورطين في القرار العسكري في سوريا»، حسب ما نقلته الصحيفة ذاتها.

رفض شعبي ألماني واسع للعملية التركية

تخطى الرفض الألماني للعملية العسكرية التركية في سوريا المستوى السياسي، وسجل رد فعل شعبي هو الأقوى في بلد غربي. وأظهر استطلاع حديث للرأي أن أغلبية كبيرة من الألمان يؤيدون فرض عقوبات على تركيا على خلفية عدوانها الأخير على سوريا. 

Embed from Getty Images

ووفق الاستطلاع الذي أجراه «معهد كيفي الألماني»، فإن التدخل التركي في سوريا يلقى معارضة كبيرة في الأوساط الشعبية الألمانية، إذ يؤيد 83% من الألمان فرض عقوبات على تركيا إذا لم يقم الرئيس التركي بإنهاء عملياته العسكرية في سوريا بشكل فوري. فيما رفض 10% فقط فرض عقوبات على أنقرة، وقال 7% إنهم لا يملكون رأيا في هذا الموضوع. وأجرى «معهد كيفي»، الاستطلاع في الفترة بين 11 و14 أكتوبر الجاري على عينة مكونة من 13 ألف و297 شخصًا بهامش خطأ 2.5%.

وخلال الأسبوع الماضي شهدت مدن ألمانية عدة أبرزها برلين وكولونيا، وهامبورغ وجلادباخ وهانوفر، مظاهرات حاشدة شارك فيها الألاف ضد العملية العسكرية التركية. وكانت أبرز هذه المظاهرات، في مدينة كولونيا، حيث شارك 10 آلاف من الأكراد والألمان، يوم 12 من الشهر الجاري، في مظاهرة حاشدة في وسط المدينة، نددت بالعملية السياسية، لكنها «جرت بشكل سلمي ودون مشاكل»، وفق بيان للشرطة الألمانية.

وفي العاشر من الشهر الجاري، وقع المئات من المواطنين والسياسيين والكتاب الألمان، خطابًا مفتوحًا للحكومة الألمانية، للضغط على أنقرة للانسحاب فورًا من سوريا. ووفق ما نشرته مجلة «دير شبيجل» الألمانية الخاصة، فإن الخطاب الذي جاء تحت عنوان «تركيا تغزو سوريا.. نحن جميعا نقول لا»، يطالب الحكومة الألمانية بمطالبة أنقرة بالانسحاب الفوري من سوريا، والعمل على التوصل لحل سياسي في سوريا.

ووفق المصدر ذاته، وقع على الخطاب شخصيات ألمانية بارزة، يتصدرهم عضو البرلمان الألماني جيم أوزدمير، والسياسي البارز فولكر باك، والكاتبة الألمانية الشهيرة مارجريتا ستوكوفيسكي، والكاتبة نورا بوسنغ.

وجاء في الخطاب «قول الموقعين على هذا الخطاب لا للعدوان التركي هو محاولة لدفع الاتحاد الأوروبي لقول لا، وانتهاج كل الطرق الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية لوقف الحرب والحيلولة دون كارثة في سوريا».

وبصفة عامة، يمكن القول: «إن الخلافات السياسية الأخيرة بين أنقرة وبرلين، وبالأخص اعتقال العشرات من المواطنين الألمان في تركيا، وكذلك الإرهاصات التاريخية المتمثلة في فترات العداء بين البلدين في الحرب العالمية الثانية، كان دافعًا أساسيًا للموقف الشعبي الألماني من العملية التركية الأخيرة».

«الإندبندنت»: «نبع السلام».. العملية العسكرية التركية التي ستثير غضب الجميع

المصادر

تحميل المزيد