في حديث دبلوماسي سرّي قال السفير الإسرائيلي في أنقرة: إنّ أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركي آنذاك، مرّر له رسالة عبر وسيط بأن العلاقات بين تركيا وإسرائيل ستتحسن، وذكر السفير الإسرائيلي أن مسؤولين أتراك قالوا له إن تصريحات أردوغان ضد إسرائيل فقط للاستهلاك السياسي الداخلي ولنيل أصوات أكثر في الانتخابات، وبعد أن يخبر السفير الإسرائيليّ نظيره الأمريكي بهذا الكلام يقول له إنه لم يقتنع به بالمرّة، وأن ما يفعله أردوغان ليس للاستهلاك الانتخابي وإنما لأنه «متعصب» و«يكره – إسرائيل – لأسباب دينية»، ويعقّب السفير الأمريكي آنذاك، جيمس جيفري، في وثيقة سرّبتها «ويكيليكس» في 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2009، مؤكدًا على كلام نظيره الإسرائيلي:«ببساطة، أردوغان يكره إسرائيل».

لسنوات طويلة بعد تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 كانت تركيا أقرب حليف لإسرائيل في الشرق الأوسط، و«على الورق» سلام وصداقة بين الدولتين. نحاول في هذا التقرير شرح طبيعة العلاقة الإسرائيلية التركية، واستعراض ملفات الخلاف الأساسية بين البلدين، ونسعى لتفسير نمو العلاقة الاقتصادية بينهما رغم الخلاف السياسي والأمني.

ألحِقوا فيدان بسليماني

صحيفة «ماكور ريشون»، صحيفة يمينية تنتشر في الأوساط الدينية الصهيونية، ومقرّبة من رئيس الوزراء نتنياهو، نشرت في يناير (كانون الثاني) مقالًا بعنوان «السلطان وسليماني»، هاجمت فيه هاكان فيدان، وسمّته بالـ«السلطان»، وهو رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركيّة، ذراع أردوغان القوي وأشد مقربيه ورفاقه، ولمّحت فيه إلى حاجة إسرائيل لاستهدافه وتتبع مخططاته، بعد أن انتهت من خطر قاسم سليماني.

هاكان فيدان رئيس الاستخبارات التركية أحد أقوى وجوه الدولة التركية وعناصرها. تسلّم قيادة الاستخبارات التركية بأمر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عام 2010، بعد أن عمل لسنوات مستشارًا له، وسابقًا مستشارًا لرئيس وزرائه أحمد داود أوغلو، في الشؤون الخارجية والأمنية. استلم فيدان منصبه ليعمل على تحويل جهاز الاستخبارات وتطويره، وليزيد من نفوذه في السياسة الخارجية التركية، ليكون الجهاز رافد توجيه لا مجرد مصدر معلومات للخارجية، ولتوازي لحظة صعوده بداية الشرخ في العلاقات بين تركيا وإسرائيل.

درسَ فيدان العلاقات الدولية في مراحله الجامعية المختلفة، وكتبَ في رسالته للماجستير عام 1999 عن رؤيته لتطوير المخابرات التركية، مقارنًا إياها بجهازي المخابرات البريطاني والأمريكي، وأتبعها عام 2006 برسالة دكتوراة عن الدبلوماسية وتقنية المعلومات، وأثر ثورة المعلومات على السياسة الدولية، والصراعات، والأمن.

هاكان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات التركية منذ عام 2010.

مع صعود هاكان لإدارة الجهاز وجّه أجندته بما يتوافق مع أجندة الحكومة والرئاسة، على خلاف المعتاد بين الجهاز والحكومة، إذ اختلف رؤساء المخابرات السابقين مع أجندة رؤساء الوزراء الأتراك، ووفّر هاكان لأردوغان قدرات الجهاز لتكون ذراعًا تنفّذ خططه السياسية في المنطقة. لربما يشرح كلام أردوغان عن هاكان طبيعة العلاقة بينهما، إذ يصفه بكاتم أسراره و«خازن أسرار الدولة». 

ومع استلامه للجهاز، بدأت الشكوك الإسرائيلية نحوه بالظهور، لتنشر صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 7 يونيو (حزيران) 2010، مقالًا لصحافيّها أمير أورين عن مخاوف داخل الاستخبارات الإسرائيلية، الموساد، من علاقات فيدان بإيران، إذ دافع في مؤتمر دولي من قبل عن الحقوق النووية الإيرانية ما دامت لغايات سلمية، وعمل قبل استلامه على تحسين العلاقات التركية الإيرانية.

أعرب كاتب المقال حينها في «هآرتس»، عن أن تعيين فيدان يعني ضرورة تقليص التبادل الاستخباراتي بين البلدين خشية أن تسرّب المعلومات لدول أو منظمات معادية. وقبل ذلك خرجت تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، إيهود باراك، قال فيها أن لدى تركيا العديد من أسرار إسرائيل التي يعتقد أنها «ستتاح لإيران في الشهور القادمة»، واصفًا هاكان بـ«صديق إيران». وتأتي هذه الشكوك بعد دفاعه عن إيران، وتسهيله كوسيط بين البرازيل وإيران لتبادل الوقود النووي، حسب رواية «هآرتس».

وفي 2013، قال ديفيد إجناتيوس، وهو كاتب أمريكي من أصول أرمنية، بالإضافة لصحف إسرائيلية: «إن فيدان قام بتسريب معلومات استخباراتية خطيرة لإيران. تكشف المعلومات هوية 10 عملاء إيرانيين يعملون مع الموساد، ويسافرون من إيران لتركيا لمقابلة مسؤولهم الإسرائيليّ». وصلت هذه المعلومات للجنرال الإيراني قاسم سليماني، وتقول المصادر الإسرائيلية إنهم قُتلوا جميعًا. ودعا كاتب إسرائيليّ آنذاك لاغتيال فيدان. وردّت تركيا حينها بنفي هذه الادعاءات وهاجمها داود أوغلو مدافعًا عن فيدان وأنه يؤدي عمله كما يجب.

لفترة من الزمن، رأى الجنرال قاسم سليماني أن داود أوغلو، وزير الخارجية التركية ورئيس وزراء تركيا سابقًا، يلعبُ دورًا مشابهًا لدوره في السياسة الخارجية لبلديهما، ومع عزل أردوغان لأوغلو وإخراجه من الساحة السياسية، بدأ سليماني ينظر لنفسه على أنه مشابه لفيدان، إذ تتشابه أدوار الاثنين السياسية والأمنية. فكلاهما يشرفان على حرب بالوكالة في سوريا، ويؤثران على سياسة دولهما الخارجية. وعلى العموم، يذكر تقرير موقع «ذا إنترسبت» أن علاقة صداقة قديمة جمعت سليماني بداود أوغلو، أحد عرابي فيدان. وتذكرُ دير شبيجل أن فيدان كان على علاقة وثيقة بالجنرال الإيراني.

فيدان يزعج الـ«CIA»

 نشرت الصحيفة الألمانية الشهيرة «دير شبيغل» ملفًا عن هاكان فيدان، ذكرت فيه أنه سرّب معلومات استخباراتية أمريكية عدا عن المعلومات الإسرائيلية. يُعتقد أن الوثائق الأمريكية المسرّبة فيها تقييم أمريكيّ لأوضاع النظام الإيراني، ويرى مسؤولون أمريكيون أنه قدّمها بغرض توطيد علاقاته بإيران. وتنقل صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن جيمس جيفري، الذي عمل سفيرًا أمريكيًا في تركيا وفي العراق، قوله عن فيدان: «لا يجب أن نفترض أنه صديق للولايات المتحدة لأنه ليس كذلك» ولكن «يجب علينا العمل معه لأنه يستطيع إنجاز العمل».

يتوسط الصورة الرئيس التركي أردوغان، وعلى اليسار مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، ويظهر في الاجتماع رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان.

وتتابع الصحيفة قائلةً إن العلاقة الاستخباراتية التركية الأمريكية معكّرة منذ وقت طويل، إذ تنفّذ أمريكا عمليات تجسس في تركيا تشنّ ضدها الاستخبارات التركية حملات مكافحة شرسة. وبالإضافة لذلك، عملَ هاكان على تقليص السيطرة العسكرية على جهاز الاستخبارات، وتخلّص هو وأردوغان من جنرالات كبار ذوي علاقات وثيقة بالأمريكيين. وكما قال مسؤول استخباراتي أمريكي: نحن «ننظر للعالم بعيون مختلفة» عن عيون فيدان. وعلى صعيد إستراتيجي آخر، عملَ فيدان على تقريب تركيا من روسيا وإيران والتعاون معهما بدلًا عن السعودية وإسرائيل. 

صداقة طويلة.. ولكن ممزقة

كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل رسميًا بعد حرب النكبة عام 1948، وتمتّع البلدان بعلاقة وثيقة لسنوات طويلة، أهمها سنوات الدفء الدبلوماسي منذ مطلع التسعينات وحتى صعود حزب العدالة والتنمية التركيّ للحكم عام 2002، وخلال ذلك العقد تعاونت الدولتان عسكريًا على نطاق واسع أسهمت فيه إسرائيل بتسليح الجيش التركي، وفي عام 1999 تدخّلت إسرائيل فور وقوع زلزال مدمّر في تركيا وقدمت المساعدة للحكومة التركية محسنةً صورتها لدى عموم الشعب التركيّ. 

لكن هذا الدفء لم يدم لتصبح العلاقات بينهما «هشّة» منذ 2010 حتى الآن، كما يصفها لنا الباحث التركي فاتح شيمسيتين، باحث وطالب دراسات عليا في قسم العلاقات الدولية في جامعة أوروبا الوسطى، ورغم هذه الهشاشة إلا أن بين الدولتين تفاهمًا على مصالحهما المشتركة، وحافظتا على تواصل غير رسمي في فترات الأزمات السياسية، ويرجع ذلك بالأساس لكون البلدين حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

لكن العداوة اليوم لا تبدو عداوة تكتيكية أو مؤقتة. الباحث التركي جيهون تشيتشك تشي، أحد أبرز المختصين الأتراك في العلاقات التركية الإسرائيلية وأستاذ العلاقات الدولية في في جامعة بانديرما التركية، يقول لـ«ساسة بوست»: إن «تركيا الآن تقف في معسكر إقليمي غير المعسكر الذي تقف فيه إسرائيل بالكامل، ولديها مصالحها الخاصة المتعارضة مع مصالح إسرائيل في ملفات كبيرة عدّة، منها الملفان السوريّ والفلسطيني، ومشاكل الطاقة في شرق المتوسط، وهي ملفات تشعل التوتر بشكل مستمر بين البلدين».

1- الصراع على سوريا

المحور الإقليمي الأول والمُشتعل الآن هو الخلاف في سوريا. تسعى تركيا لتأمين حدودها جنوبًا مع سوريا، وهدفها الأساسي هو منع إنشاء منطقة كردية آمنة أو ذاتية الحكم تسيطر عليها قوات كرديّة تصفها تركيا بـ«الإرهابية»، منها حزب الاتحاد الديمقراطي «PYD»، وقوات حزب العمال الكردستاني «PKK»، التي تعمل على تأسيس منطقة حكم ذاتي شمالَ سوريا على الحدود التركية، ما قد يسهل عليها لاحقًا دعم الحركات الكردية داخل تركيا في الجنوب. وبتقويض هذا المسعى الكرديّ تحافظ الدولة التركية على سيطرتها على خطوط نقل وتجارة دولية شرق المتوسط، وتقوّض أي مساعٍ يونانية مستقبلية للسيطرة عليه. 

هنا يأتي الدور الإسرائيلي السلبي بالنسبة لتركيا، إذ دعمت تاريخيًا وما زالت تدعم إسرائيل القوات الكردية، ومطالبها بالاستقلال، وتربطها بالجماعات الكردية المسلحة علاقات عسكرية واستخباراتية وثيقة، وتوفّر إسرائيل التدريب لعناصر كردية عراقية وسورية. 

كان بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، أوّل مؤيد للاستفتاء الكردي للاستقلال شمالَ العراق عام 2014، وكان الأول أيضًا في تأييد استفتاء الاستقلال الكرديّ عام 2017، وتبعه قائد الأركان الإسرائيلي الأسبق، يائير جولان، مصرحًا أنه لا يرى حزب العمال الكردستاني إرهابيًا، في حين كانت تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة آنذاك ينصفون الحزب على أنه «منظمة إرهابية». هذا التأييد الإسرائيلي العلني أثار حفيظة تركيا، وكثّف هذه الحساسية اتهام أردوغان للموساد بأنه الذي عمل على هذا الاستفتاء.

تفجّر هذا الخلاف مع إطلاق تركيا لعملية «نبع السلام» في شمال سوريا ضدّ القوات الكردية، لتندّد إسرائيل بها وتعد بتقديم الدعم للأكراد، واصفةً ما تقوم به تركيا بالـ«تطهير العرقي»، ضد حلفائها الأكراد. لكن للخلاف في سوريا جوانب أخرى، أهمها التعاطي التركي مع الوجود الإيراني، إذ لا تمانع تركيا في الوجود الإيراني ما لم يضرّ بمصالحها وأمنها مباشرة، وتأمّل إسرائيل بأن لا يكون للإيرانيين موطئ قدم على الإطلاق في سوريا المستقبلية، وتسعى لمساعدة الأكراد ليقفوا كجدار صدّ أمام التوسع الإيراني. ويشيرُ تشيتشك تشي لـ«ساسة بوست» أن هاكان فيدان لن يكون هدفًا لإسرائيل لو غيّرت تركيا من سياستها في سوريا تجاه إيران. 

2- فلسطين على رادار أردوغان

انعكس تطور الأحداث في فلسطين بين إسرائيل والفلسطينيين مباشرةً على علاقة تركيا بحليفتها القديمة إسرائيل. جعل أردوغان القضية الفلسطينية في قلب علاقة بلاده مع إسرائيل. ظلّت علاقات أردوغان وحكومة بإسرائيل دافئة وجيدة حتى عام 2008. إذ اجتمع أردوغان بإيهود أولمرت في ديسمبر (كانون الأول) 2008، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، في أنقرة، لمناقشة وساطة تركيّة بين إسرائيل وسوريا، وبعد الاجتماع بأيام قليلة أطلقت إسرائيل عدوانها العسكري الأول على غزة، الذي سمّته بـ«الرصاص المصبوب». أثارت العملية غضب تركيا وخرج أردوغان منتقدًا العدوان الإسرائيليّ وضرورة فكّ الحصار.

بعد انتهاء الحرب بأقل من أسبوعين، في يناير (كانون الثاني) 2009، وقعت المشادة الكلامية الشهيرة بين أردوغان، ونظيره الإسرائيلي الرئيس شمعون بيريز، اتهم فيها إسرائيل بقتل الأطفال واستخدام القوة غير المتكافئ ضد الفلسطينيين، ليترك مؤتمر «دافوس» غاضبًا. 

إثر تصاعد التوتر الدبلوماسي بين البلدين، استدعى نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السفير التركي في إسرائيل، ودعا وسائل الإعلام لتصوّره جالسًا على مقعد منخفض، وصرّح نائب الوزير قائلًا: «المهم هنا أنكم ترونه جالسًا في الأسفل، ونحن في الأعلى… وأن هنالك علمًا واحد على الطاولة – علم إسرائيل – وأنّا لا نبتسم لهم»، بالطبع أثار التصرف غضبًا تركيًا حاول الإسرائيليون تخفيفه بالاعتذار عن ما حصل، مؤكدين على أن التصرف لا يمثّل إسرائيل، وجاء إيهود باراك، وزير الدفاع آنذاك، في زيارة لأنقرة لخفض التوتر، ولكن رفض مقابلته الرئيس التركي، عبد الله غول، ورئيس الوزراء أردوغان، واكتفى الأتراك بمقابلته لوزير الخارجية أوغلو.

سفينة مرمرة.. خطأ إسرائيلي قاتل

الخطأ الإسرائيلي القاتل كان في هجومها على «أسطول الحرية»، وعلى سفينة مرمرة التركية فيه. أسطول الحرية مبادرة ناشطي حقوق إنسان وسياسيين أوروبيين، ومنظمات حقوقية وإعلامية دولية، تسعى لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة بحريًا. ضمن أسطول الحرية الأول أبحرت سفينة تركية، سفينة مرمرة، حاملةً مئات الناشطين الأتراك، وفي 31 مايو (أيار) 2010 اعترضت قوات الكوماندوز الإسرائيلية السفينة التركية في المياه الدولية، وانتهى الإنزال بمقتل 10 مواطنين أتراك وجرح آخرين. 

فجّر الاعتداء الإسرائيلي على مرمرة غضبًا شعبيًا واسعًا ما زال ملموسًا حتى اليوم في الشارع التركيّ، وكان سببًا في أزمة دبلوماسية أنهت العلاقات التركية الإسرائيلية، ولربما كانت البداية لتحول – أو فِرَاق – إستراتيجي بين البلدين تعزّز مع تطور الأحداث في المنطقة. 

قُطعت العلاقات بين البلدين، وبدأ الضغط الأمريكي بهدف حلّ الأزمة وإعادة تطبيع العلاقات، وطالبت تركيا لإعادتها بثلاثة شروط: اعتذار إسرائيليّ رسمي، وتعويض لأهالي الضحايا، ورفع الحصار عن قطاع غزّة. يبدو أن الاعتذار سبّب مشكلة شخصية للإسرائيليين إذ لم يريدوا أن يصلوا لمرحلة تقدّم فيها الدولة رسميًا اعتذارًا لأردوغان والدولة التركية. صرَّح أحد مسؤولي مجلس الأمن القومي الإسرائيلي أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ضغطت بشدة على إسرائيل لتعتذر، وأنهم لم يريدوا الاعتذار إذ «ليس من الحكمة الاعتذار لشخص مثل أردوغان»، بحسبه.

عملت أمريكا على إصلاح العلاقة، وفي 2012 ضغطت على إسرائيل لتبيع لتركيا نظام إنذار جوي مبكّر، ثم في 2013 أجرى أوباما اتصالًا بين نتنياهو وأردوغان كان هو الطرف الثالث فيه، وفي هذا الاتصال اعتذر نتنياهو عن الحادثة وتوعّد بدفع التعويضات، على أن تسقط الحكومة التركية مساعيها القانونية لمحاكمة ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي الذين انخرطوا في الاعتداء على سفينة مرمرة.

تاليًا لحادثة مرمرة، منعت تركيا لسنوات طويلة إسرائيل من فتح مكتب تمثيليّ لها في مقر حلف الناتو، مستخدمةً حق «الفيتو». في النهاية عوَّضت إسرائيل أهالي الضحايا بـ20 مليون دولار، وتنازلت تركيا عن طلبها الخاص برفع الحصار عن غزّة، ووعدت بعدم السماح بانطلاق عمليات «إرهابية» أو عسكرية لحماس ضد إسرائيل من الأراضي التركية، بالإضافة لمنع أي محاولات تركية لمحاكمة ضباط الجيش الإسرائيليّ.

في المقابل تخلّت إسرائيل عن طلبها من تركيا أن تغلق مكتب حماس فيها أو تطرد قياديًا كبيرًا في حماس، وهو صالح العاروري، وقد خرج من تركيا بالفعل في الأعوام التالية. وعادت العلاقات التركية الإسرائيلية طبيعية عام 2016. ولكن أجواء المصالحة والتطبيع لم تدم طويلًا، إذ ظلّ أردوغان يطلق تصريحات نارية على نتنياهو وإسرائيل، واصفًا إياه بقاتل الأطفال الذي يرأس دولة «إرهابية».

ربما لا تعدو هذه التصريحات أن تكون «تصريحات»، ولكن لا أحد يقول هذا الكلام عن إسرائيل في أي محفل من المحافل الدولية. وجاء رد نتنياهو بأنه ليس مستعد لتلقّي دروس في الديمقراطية من رجل «يفجّر قرى الأكراد» و«يذبحهم». انتهجت إسرائيل سياسة التزام الصمت تجاه تصريحات المسؤولين الأتراك الهجومية، وعلى رأسهم أردوغان، لكن تغيّرت هذه السياسة ليردّوا ولكن بشكل موجه على أردوغان شخصيًا، منذ 2017. ومن الواضح أن هذه السياسة لم تؤتِ أكلها إذ لم تُثن أردوغان عن تصريحاته الهجومية المستمرة على نتنياهو وإسرائيل.

القدس و«صفقة القرن»

كما كان نتنياهو أول مؤيد للاستفتاء الشعبيّ لانفصال كردستان، كانَ أردوغان أشد وأبرز معارض لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس، معلنًا سيادة إسرائيل على القدس، ودعا أردوغان حينها لاجتماع عاجل لمنظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول ندّد فيه بالخطوة الأمريكية، وعلى إثرها طرد السفير الإسرائيليّ من تركيا، وردًا بالمثل طردت إسرائيل القنصل التركي، الذي يعمل برتبة سفير، من القنصلية التركية في القدس.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحمل رسمًا لخرائط توضّح تقلّص حجم فلسطين مع توسّع مساحة دولة إسرائيل، في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، في 24 سبتمبر (أيلول) 2019.

علاقة تركيا بالقدس ذات بعد تاريخي منذ الحكم العثماني الذي امتد قرابة 400 عام على القدس وعموم فلسطين، وقنصليتها في القدس موجودة قبل تأسيس دولة إسرائيل، وتوفّر القنصلية التركية دعمًا واسعًا لأهالي القدس الشرقية من العرب، وتذكر الصحيفة الإسرائيلية اليمينية ماكور ريشون أن الأتراك يعملون على بناء علاقات مع العرب الموجودين هناك ومع عرب الداخل الفلسطيني المحتلّ، وحذّرت الصحيفة في مقال لها من أنشطة تركيا في مدينة يافا وعكا، إذ تعمل على تجديد أي مؤسسة أو معلم كان فيه حضور عثماني بحسبها، بما في ذلك الجوامع العثمانية القديمة. ومجددًا ندّد أردوغان بصفقة القرن معتبرًا أنها «تدمر فلسطين بشكل تام» وتعني «احتلال القدس بالكامل».

3- الصراع على الطاقة في شرق المتوسط

في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 أسقطت تركيا طائرة سيخوي روسيّة، قالت تركيا أنها اخترقت حدودها الجويّة ولم تستجب رغم تحذيرات متكررة لقائد الطائرة، في حين نفت روسيا وقوع اختراق للأجواء التركية وندّدت بالحادثة. ومع تتابع الأزمة، استيقظت تركيا على خطورة علاقة الطاقة بينها وبين روسيا، إذ تستورد منها 60% من غازها، وبدأت البحث عن بدائل أخرى في المنطقة، من بينها إيران، التي توفر لتركيا 20% من احتياجها، وأخيرًا؛ إسرائيل.

لفهم أفضل لمشهد الطاقة في إسرائيل؛ اكتشفت إسرائيل في 2009 حقل تامار، يمدّها بـ60% من احتياجها للطاقة، ومنه تنتج كهرباءً للاستهلاك في إسرائيل وفي أراضي السلطة الفلسطينية، ثم لحقه حقل ليفاثيان بمخزون أضخم من تامار وكان اكتشافه عام 2010 معاملًا قلب معادلة الطاقة في المنطقة ويضع إسرائيل في وسطها كمركز طاقة إقليمي.

دولي

منذ 5 شهور
5 أسئلة تشرح لك كل شيء عن اتفاقية تركيا وليبيا

لكن تعاونًا إسرائيليًا – تركيًا في مجال الطاقة، ببناء خط غاز تحت الماء يصل إسرائيل بتركيا، يقدّر بأن يكون مكلفًا جدا بقيمة بين مليارين وأربعة مليارات، بالإضافة لمليارين آخرين أو ثلاثة لتطوير بنية تحتية لنقل الغاز داخل تركيا، لتصير بوابة إسرائيل لبيع الغاز لأوروبا.

تلاشت احتمالية تنفيذ هذا المشروع بعد التدخل التركي في ليبيا واتفاقية تركيا مع حكومة الوفاق الليبية، وانسحاب إسرائيل نحو الأعداء التاريخيين للدولة التركية، دولة اليونان وجمهورية قبرص، لتتعاون معهم باتفاقية لبناء خط غاز تحت الماء يصل إسرائيل باليونان وقبرص، ومنهما يضخ الغاز لباقي أوروبا، وتحيط بهذا الاتفاق شكوك الجدوى الاقتصادية التي تحيط بالمشروع الأول مع تركيا.

خلاف دولي وإقليمي

تعادي تركيا في هذه اللحظة كثيرًا من حلفاء وأصدقاء إسرائيل، وتتحالف مع أعدائها وأعداء أصدقائها. فعلاقة تركيا بحماس تثير حساسيةً إسرائيلية شديدة، فضلًا عن استضافتها لأعضاء من الجناح العسكري للحركة. رونين بيرجمان، الصحافي الإسرائيلي المختص بالشؤون الاستخباراتية، يسخر من تركيا قائلًا: «يا ليت لو تُظهر تركيا نفس الحرص في جمع المعلومات عن حماس وكبار مسؤوليها في تركيا كما فعلوا في حالة الصحافي السعودي المقتول»، مشيرًا لجمال خاشقجي

هذا بالإضافة لعلاقة الحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، بالحركات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، واستضافتها لقادتها من دول مختلفة وتحديدًا مصر، وهي جماعة محظورةٌ بالكامل مصر، وعدوة لإسرائيل.

بوابة القنصلية السعودية في اسطنبول حيث اقتيد الصحافي السعودي جمال خاشقجي لاغتياله.

على صعيد آخر، تزعج تركيا السعودية باستمرار، وتزعزع قيادتها للعالم الإسلامي والسنّي، ومؤخرًا في تصريحاته عن صفقة القرن انتقد أردوغان السعودية قائلًا: «أحزن عند النظر إلى مواقف الدول الإسلامية، وعلى رأسها السعودية، إذ لم يصدر منها أي تصريح، فمتى سنسمع صوتكم؟»، في تشكيك بشرعية القيادة السعودية للعالم الإسلاميّ.

وتذكر صحيفة «ديرشبيغل» الألمانية أنّ إسرائيل لم تكن مرتاحةً للحملة التركية على ولي العهد السعودي، المتهم الأول باغتيال جمال خاشقجي، والتي أشرف عليها هاكان فيدان، وفقًا للصحيفة، وجاء تعليق نتنياهو المخفف على حليفه بن سلمان قائلًا: «ما حصل في القنصلية السعودية باسطنبول مريع، ولكن يجب التعامل معه بشكل مناسب إذ إن استقرار السعودية مهم جدًا لتظلّ المنطقة مستقرةً». 

هذه خارطة العلاقات في المنطقة. تركيا تراعي مصالح إيران الضارّة بإسرائيل في سوريا، وترعى جماعة الإخوان المسلمين وتستضيف كوادر من حركة حماس، وتعمل على تأمين مصالحها في شرق المتوسط بالتعاون مع ليبيا ضدّ الإمارات ومصر. وتقف إسرائيل على الجهة الأخرى من المشهد، إذ تشهد تقاربًا تاريخيًا مع خصوم تركيا، السعودية والإمارات، وتتقارب في شرق المتوسط مع مصر، بالإضافة لأعداء تركيا التقليديين، جمهورية قبرص ودولة اليونان.

بماذا يخبرنا التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل؟

من المثير للاهتمام أن التعاون الاقتصادي بين البلدين شهد تقدّما في سنوات الأزمة السياسية بين عامي 2011 – 2016، فما الذي يفسر حجم التبادل الاقتصادي المتنامي بين البلدين؟

يؤكّد الباحث التركي شيمسيتين أن لحادثة مرمرة أثر على النمو الاقتصادي، يظهر في أرقام التبادل بين البلدين، إذ انخفض حجمها من 4.4 مليار دولار إلى 4 مليارات و39 مليون دولار. ولكن هذا الانخفاض لم يستمر، لتتابع العلاقات الاقتصادية بين البلدين نموها، إذ زادت قرابة مليار بعد انخفاض عامي 2011-2012، ليتبعها نمو بحجم 800 مليون دولار عام 2014.

وفي عام 2015 شهدت الصادرات الإسرائيلية لتركيا انخفاضًا كبيرًا، ولكن عادت للنمو إلى المستوى الطبيعي لتصل في عام 2018 إلى 5.6 مليارات دولار، تفوق فيه الصادرات التركية لإسرائيل وارداتها، بقيمة تصل إلى 3 مليارات و894 مليون دولار تقريبًا، وفقًا لبيانات معهد الإحصاء التركيّ.

ذكرت مستشارة اقتصادية لأردوغان، خديجة كاراهان، أن العلاقات الاقتصادية التركية الإسرائيلية علاقات «فوز – فوز / Win-Win» بين الطرفين، إذ تصدّر تركيا لإسرائيل الحديد، والفولاذ، وأجهزة إلكترونية وبلاستيك، وتصدر المركبات، ومحركات ومعدات كهربائية، وتأخذ من إسرائيل معادن مع معدات تنقيتها، وأوعية ضغط، أجهزة ومعدات ميكانيكية، وفقًا لموقع وزارة الخارجية التركية. إسرائيل واحدة من أهم عشرة أسواق للصادرات التركيّة، وتعد تركيا خامس أكبر شريك اقتصادي لإسرائيل، بعدَ الولايات المتحدة، وبريطانيا، والصين، وهولندا.

طائرة تابعة لخطوط الطيران التركيّة في مطار بن غوريون في تل أبيب، إسرائيل.

يقول الباحث تشيتشك تشي لـ«ساسة بوست» أنّ تركيا تفصلُ في سياساتها بين التطورات السياسية-العسكرية ومصالحها الاقتصادية، وهذا ينطبق على حالة إسرائيل، رغم كونها دولة منافسة، ويذكرُ ميناء حيفاء الذي يسمح لتركيا بإيصال بضائعها لدول الخليج العربيّ ودول عربية أخرى، إذ نقلت تركيا بضائعها للأردن عبر سوريا برًا لسنوات طويلة، ولكن مع اندلاع الثورة السورية توقفت الطرق البرية فاستعاضت تركيا عنها بالتصدير لميناء حيفا، فتصل البواخر محملة بالشاحنات بما فيها من بضاعة، لتنطلق من إسرائيل نحو الأردن. 

يوميًا تُقلع من 10 – 12 طائرة من تل أبيب إلى تركيا، وينتفع الطيران التركي من هذه الرحلات إذ لا تدخل الطائرات والناقلات الجوية الإسرائيلية المطارات التركية لخلاف أمني بين تركيا وإسرائيل على الأجراءات الأمنية المتعلقة بهذه الطائرات، ومن ثمّ لا تُقلع طائرات من إسرائيل لتحطّ في تركيا إلا طائرات الطيران التركي. ولأن اسطنبول مركز تنقّل جوي إقليمي، يسافر الكثير من الإسرائيليين بالخطوط التركية من إسرائيل لاسطنبول، ويتابعون رحلاتهم من هناك لوجهات أوروبية أو خارجية أخرى على متن الخطوط التركية أيضًا. الخطوط التركية هي ثاني أكبر شركة طيران في السوق الإسرائيليّ بعد شركة الطيران الإسرائيلية، «إل عال»، الناقل الجوي الوطني الإسرائيليّ. ويذكر تشيتشك تشي أنّ تركيا تمارس نفس السلوك مع جارتها المنافسة لها، إيران.

هنالك رغبة لدى كبار المستثمرين في القطاعات الدفاعية في إسرائيل وتركيا للتعاون المشترك، ولدى تركيا اهتمام في الأمن السيبراني، والدرونز، وأنظمة الدفاع الصاروخية. بُعيد الأزمة الدبلوماسية عام 2010، توقفت 33% من الشركات الإسرائيلية التي كانت تعمل في تركيا، بسبب «البيئة المعادية» للإسرائيليين، ويذكر تقرير لمؤسسة «راند» أن بعض رجال الأعمال الأتراك أخبروا إسرائيليين برغبتهم بالتعاون معهم، ولكنهم في حاجة لموافقة حكومتهم.

في مجال التعاون العسكري، ينقل تقرير راند عن مسؤولين إسرائيليين أن التعاون العسكري بين البلدين متوقف إلا على التعاون الاستخباراتي فيما يخص مكافحة «الإرهاب»، دون أي مجالات تعاون أخرى، ولا يرجّح تطور التعاون بينهما لمساحات أوسع، ولدى الطرفين تخوّف استخباراتي كبير، أما الاستثمارات الثقيلة في قطاع الصناعات الدفاعية، فيشير التقرير لوجود رغبة لدى كبار المستثمرين في البلدين للتعاون المشترك، إذ لدى تركيا اهتمام في الأمن السيبراني، والدرونز، وأنظمة الدفاع الصاروخية.

مجددًا، تقف تركيا اليوم في مخيم يعادي المخيم الذي تقف فيه إسرائيل في مجالات مختلفة، وتظل علاقة البلدين بالولايات المتحدة الرابط الأوثق بينهما حتى الآن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد