قتال مستمر منذ أسابيع في مدينة عين العرب – كوباني السورية على الحدود مع تركيا، قوات الدولة الإسلامية تتقدم ببطء باتجاه مركز المدينة وسط نقص الدعم والمساعدات في ظل تناقص السلاح في أيدي الأكراد المدافعين عن المدينة.

العيون كلها تتجه إلى تركيا لإنقاذ المدينة من السقوط في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية وسط استغاثات للأكراد ومناشدات غربية من أجل تدخل عسكري تركي.

لكن تركيا لم تستجب حتى اللحظة ولا يبدو أن هناك نية في الاستجابة في المستقبل القريب، فلماذا هذا الصمت التركي؟

استراتيجية تركيا الحالية

تعامل تركيا مع معركة كوباني جاء وفق استراتيجية دقيقة قامت على ثلاثة مستويات.

المستوى الأول هو مستوىً إنساني من خلال استقبال تركيا لآلاف النازحين من مدينة كوباني، وفقًا لأحدث الإحصائيات فقد وصل عدد اللاجئين الأكراد النازحين من مدينة كوباني حوالي 200 ألف شخص.

المستوى الثاني هو مستوى التأهب الأمني من أجل منع أي تطورات طارئة تهدد الأمن التركي، وتمثل ذلك في نشر تركيا لقوات لها على الحدود المواجهة لمدينة كوباني متمثلة في جنود ومدرعات ودبابات بالإضافة لإخلاء جميع المناطق السكنية الحدودية من السكان واعتبار هذه المناطق مناطق عسكرية مغلقة.

المستوى الثالث يتعلق بإدارة المعركة عن بعد، فقد اعتمدت تركيا استراتيجية فلندع الأعداء يتقاتلون ونظل نحن في موقف المتفرج حتى نرى ما تسفر عنه الأمور.

تاريخ الأكراد العنيف

شهدت تركيا أحداث عنف عديدة طوال 30 عام ماضية على أيدي حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان، نهاية هذا العنف لم تتم إلا في العام الماضي عندما أعلن رئيس الحزب وقف إطلاق النار تجاه الحكومة التركية.

خلال الثلاثين عامًا قُتل حوالي 42 ألف شخص من الجانبين التركي والكردي في ظل ذكريات أليمة لا تريد تركيا أن تتذكرها أو تخوضها مرة أخرى.

هذه هي الخلفية الأبرز للموقف التركي السلبي تجاه ما يحدث في مدينة عين العرب – كوباني، حيث تحشد تركيا دباباتها على الحدود وعلى مسافة كيلومترات قليلة من المدينة دون إبداء أية ردود فعل إيجابية.

الشهر الماضي تصاعدت النداءات من حزب العمال الكردستاني في تركيا للأكراد من أجل عبور الحدود نحو كوباني لإنقاذها ومنع سقوطها، مثل هذه النداءات جعلت الحكومة التركية على أهبة الاستعداد واليقظة في ظل منعها للأكراد العبور من حدودها تجاه سوريا، بالطبع عبور مثل هؤلاء المقاتلين إلى سوريا ثم العودة إلى تركيا من جديد يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي.

نتيجة منع تركيا للأكراد من عبور الحدود بدأ الأكراد ينظمون الأسبوع الماضي مظاهرات كبيرة في عدة مدن تركية أبرزها أنقرة واسطنبول، هذه المظاهرات اتسمت بالعنف من قبل الأكراد مما تسبب في اشتباكات مع قوات الأمن التركية أدت إلى مقتل 31 شخصًا.

ووسط هذا جاء تصريح لزعيم حزب العمال الكردستاني يهدد في الحكومة التركية بعودة العنف في حالة لم تتدخل تركيا لإنقاذ كوباني.

تركيا تخشى من وجود “جيب كردي مستقل” على حدودها مع سوريا يتسبب لها في مشاكل مستقبلية هي في غنىً عنها، هذا الجيب المستقل سيعطي ثقلًا داخليًا لحزب العمال الكردستاني، كما أن تركيا لا تريد تكرار تجربة شمال العراق عندما ظهر الكرد بقوة ونالوا حكمًا ذاتيًا عقب سقوط حكم صدام حسين في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق.


كلاهما إرهابي

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرًا أن حزب العمال الكردستاني وتنظيم الدولة الإسلامية كلاهما مثل الآخر واصفًا إياهم بالتوأم الشرير.

لكن هناك انتقادات تم توجيهها لهذا التصريح من أردوغان وسط اتهامات له بتوريد السلاح لمتطرفين إسلاميين في سوريا على أمل المساعدة على إسقاط نظام بشار الأسد، وقد صرح بذلك سفير الولايات المتحدة السابق في تركيا قائلًا إن الأتراك عملوا مع مجموعات متطرفة في سوريا مثل جبهة النصرة، وبالطبع نفت الحكومة التركية بشدة هذه الاتهامات وأعلنت غضبها من هذا الكلام.

وحدات حماية الشعب الكردية التي تدافع عن مدينة كوباني حاليًا هي قوات مسلحة تابعة لحزب العمال الكردستاني في تركيا مما يسبب تهديدًا مباشرًا لتركيا في المستقبل، ومن جهة أخرى فإن سيطرة تنظيم الدولة على مدينة كوباني سيجعل التنظيم على تماس مباشر مع الحدود التركية وهو ما قد يستغله التنظيم في تجنيد مقاتلين عبر الحدود التركية أو حتى إيجاد دعم داخلي له.

أحد قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا صرح في تغريدة له على موقع تويتر قائلًا إن تنظيم الدولة الإسلامية قد يقتل لكنه على الأقل لا يقوم بعمليات تعذيب كالتي قام بها حزب العمال الكردستاني.

الولايات المتحدة

لا يوجد منتقد لسياسة الحكومة التركية الحالية تجاه أزمة مدينة عين العرب – كوباني أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية.

أحد المسؤولين الأمريكيين صرح لصحيفة نيويورك تايمز أن تركيا تريد من الولايات المتحدة “أن تأتي وتهتم بهذه المشكلة (يقصد كوباني)”. إذن فمن الواضح أن الأتراك لا ينوون إلقاء أنفسهم في الجحيم بمفردهم، بل أعلن المسؤولون الأتراك ومنهم وزير الخارجية أنهم سيتحركون ضد تنظيم الدولة الإسلامية لكن في إطار دولي جماعي وأنه من غير الواقعي أن تتحرك تركيا بمفردها.

هناك خلاف رئيسي بين تركيا والولايات المتحدة هو الأولويات، ففي حين ترى الولايات المتحدة أن الأولوية لابد أن تكون تجاه تنظيم الدولة الإسلامية الذي تزداد سطوته وانتشاره كل يوم، ترى تركيا أن الأولوية هي لإسقاط نظام بشار الأسد في سوريا كبداية لحل شامل بالمنطقة.

تركيا تحاول أن تضغط على التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة من أجل ضم إسقاط نظام الأسد إلى مخططهم الحالي خصوصًا وأن رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو وجه انتقادات لاستراتيجية الولايات المتحدة تجاه العراق وسوريا واصفًا إياها بغير الواضحة تجاه مستقبل سوريا، وأضاف أوغلو أن توجيه الضربات لتنظيم الدولة الإسلامية لن يؤدي لحل مشاكل المنطقة بشكل جذري.

حلف الناتو

ضغوط غربية تتزايد كل يوم باتجاه أنقرة من أجل التدخل عسكريًا في مدينة كوباني المحاصرة، والسبب الرئيسي وراء هذه الضغوط هو أن تركيا أحد الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبالتالي فعليها بعض الواجبات في إطار ما يراه الحلف مناسبًا لحماية مصالح جميع أعضائه.

الجيش التركي يعتبر ثاني أكبر جيش داخل الحلف، كما أن لتركيا حدودًا طويلةً جدًا مع سوريا وبالتالي فإن هذا يجعل من تركيا الدولة الأكثر قدرة على التدخل العسكري البري في سوريا، هذا بالطبع ما يريده الغرب وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية لأنها تعلم يقينًا أن الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية لن يأتي إلا بمواجهات برية وبالتالي فهم يبحثون عن جيش يحارب نيابةً عنهم.

وقد انضمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى قائمة المنتقدين لتركيا عندما صرحت للجنة السياسات الخارجية بالبرلمان قائلة إن حلف الناتو يتوقع أن يحصل على أولوياته بشكل واضح وأن الأولوية لتركيا هي في محاربة تنظيم الدولة، وأضافت المستشارة أن سلوك تركيا قد يكون له عواقب على ألمانيا وأن هذا يمثل لنا مصدرًا كبيرًا للقلق.

تصريح لوزير الدفاع البريطاني قال فيه إنه “يتمنى أن يرى تركيا أكثر تدخلًا في هذه الأزمة”.

حقوق الإنسان

جانب آخر يستخدمه الغرب في الضغط على الحكومة التركية يتمثل في تاريخها السيء تجاه حقوق الإنسان خصوصًا تجاه الأكراد طوال فترة الصراع المسلح بين الجانبين.

الأكراد في تركيا هم أكبر أقلية موجودة حيث يبلغ تعداد الأكراد 14 مليون نسمة يمثلون 18% من إجمالي سكان البلاد، مع هذا فقد تم حظر اللغة الكردية في تركيا وتم اعتبار الأكراد أنهم “أتراك الجبل” في محاولة لنزع القومية الكردية منهم.

منظمات حقوق الإنسان قامت بتسجيل حالات تعذيب وإعدام خارج أحكام القضاء بالإضافة لتدمير آلاف القرى الكردية.

يأتي هذا في ظل التظاهرات الحاشدة في عدة مدن تركية من قبل الأكراد للمطالبة بتدخل تركي، وكما ذكرنا أن هذا تسبب في سقوط 31 قتيلًا نتيجة أعمال العنف والصدامات بين المتظاهرين والأمن التركي فقامت الحكومة بإرسال الدبابات والمدرعات إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية في شرق البلاد لأول مرة منذ 20 عام تقريبًا مما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للحكومة التركية.


شروط تركيا للتحرك

وقد ردت الحكومة التركية على هذه الضغوط في اتجاهين، الاتجاه الأول يتمثل في وضع قائمة من الشروط على الأكراد تتمثل في ثلاثة نقاط، هذه الشروط الثلاثة حسب الصحافة التركية هي فك العلاقة مع النظام السوري والعمل على إسقاطه، والانضمام إلى الجيش السوري الحر وإلى الائتلاف الوطني السوري، وأخيرًا التخلي عن مشروع الإدارة الذاتية التي أعلنها رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي في سوريا صالح مسلم قبل أكثر من عام.

بالطبع رفض رئيس الحزب هذه الشروط لأن القبول بها يعني نهاية المشروع الكردي الذي يعمل من أجله الحزب.

بينما الاتجاه الآخر جاء في الاستجابة لمطالبتها بإقامة منطقة حظر طيران جوي داخل الأراضي السورية يتبعها منطقة عازلة بين تركيا وسوريا داخل الأراضي السورية، هذا الاتجاه جاء بسبب تزايد أعداد النازحين السوريين خصوصًا من الأكراد تجاه الأراضي التركية وما يستتبع ذلك من تكاليف كبيرة تتحملها ميزانية الدولة التركية.

تركيا تريد أن تضع نفسها كلاعب أساسي في المنطقة ولاعب قوي يستطيع تحديد السياسات وإدارة الأزمات المحيطة به بما يناسب المصالح التركية.

وبسبب تزايد الضغوط على تركيا، سمحت الحكومة التركية مساء يوم الأحد الماضي باستخدام قواعدها الجوية لشن هجمات أمريكية على تنظيم الدولة، هذه الخطوة صاحبها إشادة قوية من جانب الحكومة الأمريكية تمثل في شكر وزير الدفاع الأمريكي لنظيره التركي هاتفيًا.

وتأتي هذه الخطوة بعد موافقة تركيا على تدريب عناصر من المعارضة السورية المعتدلة على أراضيها مما يعني أن تركيا تخضع للضغوط لكن بما يوافق استراتيجيتها الأساسية.

ماذا سيحدث إذا سقطت كوباني؟

إذا سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على كوباني فإن ذلك سيؤدي لنتائج تمثل تحديات قوية للحكومة التركية، التحدي الأول يكمن في أن سقوط المدينة سيتسبب في تفجر موجة غضب عارمة للأكراد في تركيا يؤدي إلى توتر في العلاقات بين الجانبين.

التحدي الثاني سيكمن في تنفيذ حزب العمال الكردستاني لتهديده بالتخلي عن عملية السلام مع تركيا في حالة سقوط المدينة وبالتالي ستكون هناك إمكانية لعودة دائرة العنف في تركيا من جديد.

التحدي الثالث يأتي من مئات آلاف النازحين من مدينة كوباني الذين لن يتمكنوا من العودة لمدينتهم وبالتالي سيمثلون عبئًا كبيرًا على الحكومة التركية.

التحدي الأخير هو كيف ستتعامل تركيا مع تنظيم الدولة الإسلامية قرب حدودها؟ هل ستحاربه أم تتجنبه؟


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد