هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

تواصلت الحكومة التركية بشكلٍ مستمر ودون انقطاع بين أعوام 2007 و2013 مع اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة للتعاون في ملفات أمنية وسياسية مختلفة، على رأسها مسألة «المذابح الأرمنية» والحركات الكردية المسلحة «الإرهابية» بالتصنيف التركي.

في هذا التقرير نستعرض هذه العلاقة وأهدافها، وحملة الضغط التركية على الجماعات اليهودية الأمريكية والمنظمات المناصرة لإسرائيل لتساند تركيا في تحقيق بعض أهدافها بالولايات المتحدة.

الأرمن.. صداع تركيا المستمر

يلاحظ المتابع للعلاقات التركية – الأمريكية أخبارًا متكررة عن مسألة الأرمن في الكونجرس الأمريكي، وسَعي مشرعين أمريكيين لاعتبار الأحداث «إبادة جماعية» تتحمل الدولة العثمانية مسؤوليتها، ما يمكن أن يفتح الباب لمشاكل عدة على الدولة التركية الحديثة، الوريث المباشر – قانونيًا – للدولة العثمانية، التي ظلّت ترفض طوال السنوات الماضية أي اتهامات تحمّلها المسؤولية.

أصبح ملف «المذبحة الأرمنية» والاعتراف الأمريكي به قلقًا سنويًّا وصداعًا مستمرًا للخارجية التركية وأجندتها في الولايات المتحدة، ولا يمرّ عام تقريبًا دون طرح تشريع مرتبط بهذه المسألة.

في مطلع العام 2007 طرح مشرعون أمريكيون قانونًا يعترفُ بأحداث عام 1915، عام وقوع المذابح، على أنها «إبادة جماعية»، وطالبت تركيا رسميًا بالاعتراف بها والإقرار بكونها كذلك. وعلى إثر طرح المشروع وتقدُّمه في مجلس النواب الأمريكي تعاقدت وزارة الخارجية التركية مع شركة «نيوسنر للعلاقات العامة – Neusner Communications» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2007.

يهدف التعاقد إلى تحسين العلاقات التركية بإسرائيل وبالمجتمعات اليهودية حول العالم، وخصوصًا في الولايات المتحدة. وتنمية الروابط بين التجمعات التركية واليهودية في أمريكا، والدفع باليهود الأمريكيين للترويج لأجندة تركيا في الكونجرس، وأخيرًا لتعزيز العلاقات بين مسؤولين ودبلوماسيين أتراك وقادة منظمات يهودية أمريكية، غالبيتها مؤيدةٌ بالكامل للسياسات الإسرائيلية.

Embed from Getty Images

جورج بوش، الرئيس الأمريكي، ورجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء التركي آنذاك، في زيارته لواشنطن عام 2007.

عمل مالك الشركة نعوم نيوسنر كبيرًا لكتّاب خطابات السياسات للرئيس جورج بوش الابن، ومسؤولًا عن التنسيق مع المجتمع اليهودي الأمريكي. ومن الجدير بالذكر أن الممثّل التركي في هذا التعاقد هو سردار كيليتش، الذي كان عند توقيع العقد دبلوماسيًا ومستشارًا بالخارجية التركية، وعيّن لاحقًا سفيرًا لتركيا في الولايات المتحدة في عام 2014.

من وثائق شركة «نيوسنر للعلاقات العامة»، تُظهر اتصالات الشركة، نيابةً عن اللوبي التركي، مع جهات يهودية مناصرة لإسرائيل، للضغط عليهم  لإيقاف مشروع قانون عام 2007 الذي يُصنف أحداث عام 1915 باعتبارها «إبادة جماعية». المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

تركيا تخطب ود اللوبي الإسرائيلي

في فترة مناقشة مشروع القرار تواصلت الشركة عشرات المرات مع عدة جهات يهودية مناصرة لإسرائيل، منها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، أهم ذراع للوبي الإسرائيلي بواشنطن. ومنها بناي بريث، ورابطة مكافحة التشهير، وغيرها من المؤسسات اليهودية المناصرة لإسرائيل.

وفي بعض الأحيان اجتمعت الشركة مع شخصيات بارزة من هذه المؤسسات، مثل روب باسين، المدير السياسي لـ«أيباك»، وجوناثان ميسنير، مدير السياسات المحلية في المنظمة. وهما مثالان بسيطان عن تواصل الشركة مع قادة هذه المنظمات بشكل مستمر.

وفي بعض الحالات، نسَّقت الشركة اجتماعات ولقاءات في السفارة التركيّة لكل منظمة على حدة، بحضور دبلوماسيين أتراك، ونسّقت في يناير (كانون الثاني) 2008 اجتماعًا مع الرئيس التركي آنذاك، عبد الله جول، ونسّقت اجتماعًا آخر له في سبتمبر (أيلول) من نفس العام، ولم نستطع التوثّق إذا ما تمت هذه الاجتماعات أم لا؟ أو ماذا كانت موضوعاتها؟ ولكن أثناء التنسيق لها دُعيت كبرى المنظمات المناصرة لإسرائيل، مثل «أيباك»، واللجنة اليهودية الأمريكية، و«مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى»، ورابطة مكافحة التشهير، ومنظمة بناي بريث، ومنظمات أخرى.

من وثائق شركة «نيوسنر للعلاقات العامة»، تُظهر اتصالاتها مع جهات يهودية أمريكية، معظمها مناصرةٌ لإسرائيل، لتنسيق اجتماع لها مع عبد الله جول، الرئيس التركي آنذاك. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

ونسقت الشركة اجتماعًا آخر لأحمد داود أوغلو في مارس (أذار) 2009، وكان حينها مستشارًا لرئيس الوزراء التركي آنذاك، رجب طيب أردوغان، قبل أن يتسلّم أوغلو وزارة الخارجية في مايو (أيار) من نفس العام، وبعد تسلّمه بشهر انتهى تعاقد الشركة مع تركيا في 31 مايو 2009. اجتماعه كان مع جيس هوردس، مسؤول العلاقات الحكومية في منظمة مكافحة التشهير، ومع دانيال مارياشين، من قادة منظمة بناي بريث، وشخصيات أخرى.

وفي أبريل (نيسان) 2008 نسَّقت الشركة اجتماعًا لقادة المنظمات المناصرة لإسرائيل مع مسؤولين بوزارة الخارجية التركية. ونسقت اجتماعًا مع حسين ديريوز، الذي عملَ آنذاك رئيسًا لمكتب الشرق الأوسط بوزارة الخارجية التركية، والآن هو السفير التركي في روسيا. ونسَّقت الشركة اجتماعات لوفد برلماني تركي، معظم من فيه برلمانيون من حزب العدالة والتنمية الحاكم، واثنان من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية.

وروّجت الشركة لسياسات تركيا، وسياسات رئيس الوزراء حينها أردوغان، وسعيه الحثيث للانضمام للاتحاد الأوروبي، وتنفيذ سياسات متوازية مع السياسات الأوروبية والأمريكية. وعقدت الشركة عدّة اجتماعات مع المنظمات المناصرة لإسرائيل للحديث عن «حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)»، الذي تعتبره تركيا إرهابيًا، ولمناقشة فرص التعاون الإسرائيلي – التركي في هذا الملف.

Embed from Getty Images

وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك (يسار)، في زيارة له لأنقرة عام 2008، ومعه الرئيس التركي عبد الله جول (يمين).

في بعض الاجتماعات ضغطت الشركة على المنظمات المناصرة لإسرائيل لتغيّر موقفها من الخلاف حول المذابح الأرمنية، وحثتها على تقديم المزيد من الدعم لتركيا وملفاتها داخل الكونجرس. في النهاية سقط مشروع القرار، بعد ضغط مستمر من إدارة بوش، وعلى كل حال يذكر تقرير لمنصة «بروبابليكا» أن «أيباك» أيدت مشروع القرار، ولكن دون ذكر مصدر يؤكّد الخبر.

توظيف اللوبي الإسرائيلية لخدمة المصالح التركية

عادت تركيا بعد أربعة شهور فقط لتتعاقد مجددًا مع صديقها الصهيوني القديم، نيوسنر وهذه المرة مع شركة أخرى، يديرها ويملكُ نصفها، باسم «30 بوينت إستراتيجيز – 30 Point Strategies»، وهذه المرة لم تذكر الشركة أية تفاصيل عن تواصلها مع التجمعات اليهودية في الولايات المتحدة، على خلاف ملفاتها في التعاقد الأول وإفصاحها عن تواصلها مع مختلف المنظمات المناصرة لإسرائيل.

استمرت علاقة تركيا بالشركة حتى مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2013، وتوثّق ملفات الشركة لدى وزارة العدل الأمريكية أنها تحصّلت لقاء خدماتها على 495 ألف دولار أمريكي.

أبحاث ودراسات

منذ 5 شهور
معهد إسرائيلي: تركيا تُشكل تحديًا كبيرًا لإسرائيل.. وتهديدًا لن يزول حتى بعد أردوغان

وقّعت تركيا العقد في يونيو (حزيران) 2009، بنفس أهداف التعاقد الأول: تطوير العلاقات التركية باليهود الأمريكيين، وجمع مسؤولين أتراك بقيادات المنظمات اليهودية في أمريكا. وتذكر إحدى الصحف التركية المعارضة أنّ هدف العقد حشد اللوبي اليهودي في أمريكا ضد ضغط الأرمن في الكونجرس.

ووفقًا لوثائق الشركة فقد نسَّقت لاجتماعٍ مع دوجلاس ديفيدسون، المبعوث الأمريكي الخاص لقضايا الهولوكوست، لمناقشته بشأن «تركيا وجهود ذكرى الهولوكوست».

وعمل للأتراك في هذا التعاقد جاي فوتليك، وهو مساعد خاص سابق للرئيس بيل كلينتون، ولاحقًا عملَ مساعدًا لشؤون الشرق الأوسط لجون كيري في حملته الانتخابية للرئاسة عام 2004، وهو مناصر بالكامل لإسرائيل.

بانتهاء هذا التعاقد في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2013، توقَّف التواصل التركي مع اللوبي الإسرائيلي عبر جماعات الضغط، بالتزامن مع تدهور العلاقات أكثر فأكثر بين تركيا وإسرائيل.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد