13,487

سنخرج منتصرين من الحرب الاقتصادية التي نواجهها، ولا داعي للقلق.

هكذا قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الثالث من أغسطس (آب) الماضي، خلال كلمته بمركز المؤتمرات والثقافة الوطني بالعاصمة التركية أنقرة، وذلك وسط هبوط تاريخي للعملة المحلية وتسجيل معدلات تضخم قياسية، إذ تعيش تركيا حاليًا واقعًا اقتصاديًا متأزمًا، ولا يبدو أنّ هذه الأوضاع تتّجه إلى التحسّن حاليًّا، إذ لا تزال تخيم على الوضع هناك في ظل الصراع الأمريكي – التركي وتهديدات واشنطن بمزيد من العقوبات الاقتصادية، وتوعد أنقرة الدائم بالرد بالمثل، وهو ما يجعل الأوضاع تتّجه من سيء إلى أسوأ.

سنستعرض خلال السطور القادمة الجوانب الاقتصادية لتوترات العلاقات الأمريكية التركية، للاطلاع على الجوانب السياسية يمكنك قراءة هذا التقرير:

لكن من أين تأتي هذه الثقة التي يتحدث بها الرئيس التركي؟ هل يمتلك أردوغان بدائل قوية ستزيل تأثير العقوبات الأمريكية؟ أم أن الرد على واشنطن سيجبرها على التراجع عن الموقف الحالي؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، سنستعرض في البداية ملامح العلاقات الاقتصادية التركية الأمريكية، إذ نجد أن التعاون الاقتصادي بينهما أقرب ما يكون إلى التوازن، في الوقت الذي شهد هذا التعاون نموًا ملحوظًا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك بمعدل 16.6%.

في العام الماضي بلغت واردات تركيا من أمريكا نحو 9.7 مليار دولار، بينما قدّرت الواردات الأمريكية من تركيا بـ9.4 مليار دولار، وتشير الأرقام إلى أن سنة 2017 شهدت زيادة بأكثر من 30% لصادرات تركيا إلى أمريكا، بينما تواصل الشركات التركية الإقبال على الاستثمارات المباشرة في الولايات المتحدة، إذ تقع الشركات التركية في المرتبة التاسعة من حيث الزيادة الأسرع في الاستثمارات في أمريكا.

وبحسب رئيس مجلس العمل التركي الأمريكي، محمد علي يالتشينداغ، فإن الشركات التركية تتواجد في معظم الولايات الأمريكية، وذلك على عكس ما تصوّره التوترات السياسية والدبلوماسية، ولكن هل ستقوم إدارة ترامب بفرض عقوبات اقتصادية على هذه الشركات؟

حتى الآن، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على وزيري العدل والأمن الداخلي التركيّيْن، وردّت تركيا بالمثل، وهي خطوة لا يمكن اعتبارها سوى مناوشة سياسية، فعلى أغلب التقديرات، فإن الوزراء الذين طالتهم العقوبات ليس لديهم ممتلكات في البلدان المقرر بها العقوبات سواء على مستوى الأتراك أو الأمريكيين، وهو ما يجعل الأمر لا يعدو عن كونه مناورات سياسية فقط.

بعيدًا عن العقوبات.. تركيا في موقف اقتصادي صعب

قبل الحديث عن الرد المتاح والبدائل الممكنة بالنسبة لتركيا، يجب أن نشير إلى أنه لا يمكن وصف الوضع الاقتصادي الحالي لتركيا بأي حال من الأحوال سوى بأنه في وضع صعب، ففي نفس اليوم الذي تحدّث فيه أردوغان عن «الخروج منتصرين»؛ أعلن معهد الإحصاء التركي، أن معدل التضخم في تركيا بلغ أعلى مستوياته في أكثر من 14 عامًا، ليلامس نحو 16% على أساس سنوي مع ارتفاع أسعار الغذاء.

البيانات أظهرت أن التضخم بلغ 15.85% على أساس سنوي في يوليو (تموز) مدفوعًا بزيادات في خانة العشرات لأسعار النقل والسلع المنزلية والمواد الغذائية، وهي الأرقام البعيدة تمامًا عما تستهدفه الحكومة والبنك المركزي، في إشارة إلى عدم تمكن الحكومة من كبح جماح التضخم، وسط استمرار أردوغان في دعوته إلى خفض تكاليف الاقتراض.

Embed from Getty Images

وفي نفس الوقت، سجّلت الليرة التركية مستويات قياسية منخفضة لتلامس مستوى خمسة ليرات للدولار، لتفقد بذلك خُمس قيمتها هذا العام بفعل زيادة التضخم، والمخاوف المتعلقة باستقلالية البنك المركزي في مواجهة مطالب الرئيس التركي بخفض أسعار الفائدة، بينما تقترب من فقد نحو 100% من قيمتها خلال أقل من خمس سنوات، إذ سجلت نحو 2.33 ليرة في عام 2014.

ولنظرة أقرب حول الوضع الاقتصادي في تركيا يمكنك قراءة هذا التقرير:

أيًا كان الرد.. تركيا ربما تكون الخاسرة على طول الخط

كما ذكرنا، يعيش الاقتصاد التركي مرحلة غاية في الحساسية، وهو ما يجعله يتأثّر سلبيًّا جرّاء أي توترات سياسية، إذ باتت سوق الصرف على وجه الخصوص تعاني حساسية بالغة من الأخبار السلبية، بالإضافة إلى التأثر المباشر الذي يحدث للاستثمارات الأجنبية، ولا يمكن تجاهل ما يمر به الاقتصاد التركي منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016.

لا يمكن أن يكون الانتصار الذي يتحدث عنه الرئيس التركي له علاقة بالاقتصاد، فمن الصعب أن يسجل الاقتصاد أي أرباح وسط هذه المناوشات السياسية مهما كان الهدف منها، إذا يمكن القول أن خسارة اقتصاد تركيا من هذه الأزمة لا يتعلّق بالرد بالمثل، فمهما كان الرد التركي على العقوبات الأمريكية في حال تطورت الأمور فلن يمنع الخسارة، وهو ما ظهر مع أدنى العقوبات الممكنة – العقوبات على وزيري العدل والأمن الداخلي – والتي تعتبر عقوبات على الورق فقط، لأن الوزيريْن ليس لديهما ممتلكات في أمريكا، ولكن كانت النتيجة أن الليرة تأثرت كثيرًا بهذا الخبر.

Embed from Getty Images

بالتأكيد لا شك أن هذه العقوبات لم تكن لها نفس الآثار الاقتصادية، في حال لم تكن هناك أزمة في تركيا، لكن تطوّر مسار العقوبات من فردية إلى قطاعية يعني المزيد من الخسائر، وبحسب محلّلين فأردوغان يستعد للأسوأ، أي الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، وربما مع الغرب كله، وهو ما يبرر الاتجاه الواضح للتقارب مع روسيا والصين، وطلب الرئيس التركي قبول انضمام بلاده إلى مجموعة بريكس.

وعلى مستوى القطاعات فإن القطاعين المصرفي والعسكري، الأقرب بشكل أساسيّ ليكونا في مرمى العقوبات الأمريكية، لكن ستبقى العقوبات ذات تأثير محدود، إلا إذا لجأت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات تؤثر على الشراكات التجارية التركية مع دول أخرى.

يشار إلى أن لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي مررت مؤخرًا، مشروع قانون يدعو المدير التنفيذي للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي إلى تجميد جميع القروض المقدمة إلى تركيا إلى حين توقفها عن احتجاز المواطنين الأمريكيين، لكن هذا القانون يحتاج إلى مصادقة مجلسي النواب والشيوخ وتوقيع رئيس البلاد، وهو ما لم يحدث حتى الآن، ولكن في حال تم المصادقة عليه، فسيكون من الصعب أن تحصل تركيا على قروض من مؤسسات التمويل الدولية.

جدير بالذكر، أن الإدارة الأمريكية قد بدأت مراجعة قوائم البضائع المستوردة من تركيا المعفاة من الضرائب في أسواق الولايات المتحدة، بموجب ما يعرف بـ«نظام الأفضليات المعمم»، وهو ما يهدّد سلعًا تركية قيمتها نحو 1.7 مليار دولار تصدّرها تركيا إلى الولايات المتحدة، يأتي هذا بعد قيام أنقرة بفرض رسوم على سلع أمريكية بقيمة 1.8 مليار دولار، تشمل الفحم والورق، والجوز واللوز، والتبغ، والأرز والسيارات، ومواد التجميل، والآلات والمعدات، والمنتجات البتروكيماوية، ردًا على زيادة رسوم واردات الصلب والألمنيوم الأمريكية بنسبة 25% و10% على التوالي، وتذهب 9% من إجمالي صادرات الصلب التركي إلى الولايات المتحدة.

بدون عقوبات.. هكذا تضرّ أمريكا الاقتصاد التركي

بصفتها أكبر اقتصاد في العالم، تتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في أغلب المؤسسات المالية العالمية، ودائمًا ما تكون متّهمة بتسييس تقارير هذه المؤسسات، وهي التقارير التي تؤثّر بشكل مباشر على اتجاه الأموال حول العالم، ممّا يُكسب أمريكا أدوات تستطيع استخدامها في معاقبة أي اقتصاد في العالم بدون فرض عقوبات من الأساس.

ولعل من أهم أسباب التدهور الاقتصادي في تركيا هي التقارير السلبية التي تصدرها مؤسسات التصنيف الائتماني الأمريكية، وسبق للرئيس التركي أن اتهم وكالات التصنيف بأنها تعمل وفق دوافع سياسية، وكان أبرز اتهام لوكالة موديز للتصنيف الائتماني في 29 سبتمبر (أيلول) 2016، وذلك بعد أن خفضت الوكالة تصنيف تركيا إلى «عالي المخاطر».

ومن المعلوم أن تخفيض التصنيف الائتماني يؤثِّر على المستثمرين والشركات الأجنبية العاملة بالبلاد، إذ إن اللوائح الداخلية المعمول بها لدى الكثير من الشركات الأجنبية العاملة في تركيا، تنصّ على وقف الاستثمارات في أي بلد تصدر وكالتان ائتمانيتان أو أكثر تخفيضات لتصنيفه الائتماني.

البحث عن البدائل.. الصين والهند في المقدمة والذهب والاستنفار الشعبي على الأجندة

لا شك أن الظروف الحالية تفرض على تركيا البحث عن بدائل عن السوق الأمريكي والأوروبي، وهو بالفعل ما أكدته وزيرة التجارة التركية، روهصار بكجان، التي ذكرت أن أولويات وزارتها حاليًّا  الانفتاح على أسواق عالمية جديدة، مثل الهند والصين وأفريقيا، موضحه أن بلادها تستهدف تأسيس 35 مركزًا تجاريًا بالأسواق العالمية الكبرى من أجل تحقيق هذا الهدف، ومن المعلوم أن تركيا تعمل باستمرار للنهوض بصادراتها، ففي يوليو الماضي، سجلت صادرات تركيا مستوى قياسيًا، إذ بلغت نحو 14.1 مليار دولار، وذلك بنسبة نمو 11.8% على أساس سنوي.

على الجانب الآخر، وفي خطوة اعتبرت أحد البدائل التي ستلجأ إليها تركيا بعيدًا عن الأسواق الأمريكية والأوروبية، قال الرئيس التركي إن بلاده تعتزم إصدار سندات مقومة باليوان للمرة الأولى، وذلك لتنوع مصادر التمويل، وكذلك لمزيد من التعاون الاقتصادي بين دول الأسواق الناشئة. كما هاجم المستثمرين الغربيين الذين يصفهم بأنهم «جماعة ضغط سعر الفائدة» الذين عقدوا العزم على إخضاع تركيا، حسب قوله.

وتعتبر الصين أهم البدائل الحقيقية أمام الأتراك، خاصة في ظل الحرب التجارية الدائرة حاليًا بين الصين وأمريكا، وكان وزير المالية التركي، بيرات البيرق، أعلن بنهاية الشهر الماضي، أن بلاده حصلت على حزمة قروض من مؤسسات مالية صينية، بقيمة 3.6 مليارات دولار، وذلك لصالح القطاع الخاص والمؤسسات العامة والبنوك، للاستثمار في مجالي الطاقة والمواصلات، وهو ما يعد تحوّلا كبيرًا في العلاقات التركية الصينية.

Embed from Getty Images

وبالإضافة إلى الصين، تسعى تركيا لزيادة حجم التبادل التجاري مع الهند، إذ كشف وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، إن بلاده ستعمل مع الهند لرفع حجم التجارة بينهما إلى 10 مليارات دولار بحلول 2020، موضحًا أن الاستثمارات والتجارة بين تركيا والهند في تزايد، وحجم التجارة بينهما بلغ 6.9 مليارات دولار العام الماضي.

وكما هي عادة الرئيس التركي، حاول استنفار المواطنين الأتراك لمواجهة الأزمة المالية، إذ دعاهم إلى إثبات تماسكهم الوطني أمام العالم، وتحويل مقتنياتهم من الذهب والعملات الأجنبية إلى الليرة التركية، لكن غالبًا لا تجدي مثل هذه المحاولات في دعم العملات المحلية، وهو ما تحدثنا عنه تفصيلًا خلال هذا التقرير:

جانب آخر من البدائل كان قد تحدث عنه الرئيس التركي في وقت سابق، وذلك عندما قال: «سنجعل الذهب هو المحدد الرئيس لقيمة العملة التركية»، وذلك في إشارة إلى اتجاه بلاده نحو تقييم الليرة على أساس احتياطي البلاد من الذهب، أو بمعنى آخر ربط العملة التركية بالذهب، وجعله غطاءً لها بدلًا عن الدولار، وهو ما تحدثنا عنه تفصيلًا خلال هذا التقرير:

ختامًا، لا مجال لتراجع تركيا عن هذه البدائل التي تعتبر عنصرًا أساسيًّا في مستقبل اقتصاد البلاد، لكن أيضًا لا يمكن اعتبار أن أي بديل أو ردّ من الجانب التركي سيمنع التأثير السلبي الذي سيتلقاه الاقتصاد التركي جراء العقوبات الأمريكية، خاصة أن معظم البدائل تحتاج إلى بعض الوقت.