«أتمنى أن تكون نتائج الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية، الذي أجري اليوم، خيرًا لبلدنا وشعبنا» جزء مما قاله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب أن اختار 51,2% من المشاركين في الاستفتاء «نعم» على التعديلات الدستورية.

4 أسباب للتشاؤم من مستقبل تركيا بعد التعديلات

سيسجل السادس عشر من أبريل (نيسان) العام 2017 كتاريخ شهد ميلادًا جديدًا لتركيا، وللشعب التركي المؤيد والمعارض لهذه التعديلات، فما قبل هذا التاريخ ليس كبعده، لكن الكرة الآن في نظر الكثيرين في ملعب صناع القرار الذين عليهم أن يثبتوا مدى فاعلية هذا النظام السياسي الجديد، وحقيقة ما ورد في الدعاية الانتخابية المؤيدة له، فهناك ملفات عديدة تحت بند المحاسن لهذه التعديلات، سواء على صعيد تداعيات الحرب في سوريا، أو  المواجهة مع الأكراد، و العناصر الانفصالية للأكراد، وأيضًا على صعيد العلاقات بين تركيا وأوروبا المتدهورة في المرحلة الأخيرة.

القضاء على «الإرهاب»

في أول تصريحات له، عقب نتائج الاستفتاء ليلة أمس، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إنه يجب على العالم «احترام قرار أمتنا ودعمنا في مكافحة الإرهاب»، فقد بقيت «مكافحة الإرهاب» كأحد أهم إيجابيات التعديلات الدستورية التي ارتكزت عليها الدعاية الانتخابية المؤيدة.

يؤكد المتابعون للشأن التركي أن تلك التعديلات لن تحل جميع مشاكل تركيا، كمشكلة الأكراد، والهوية الإثنية، وتعريف المواطنة؛ وذلك لكون المواد التي تخص تلك المشاكل لم يطرأ عليها أي تعديل في الدستور، إلا أن مشكلة الإرهاب – على وجه التحديد – من أهم المشاكل التي كانت ضمن نظام الإدارة الجديد الذي سيجمع السلطة في مركز واحد لمكافحة تلك الأزمات، فالأمر فقط في نظر المؤيدين بحاجة إلى أن يستخدم أوردغان الصلاحيات الجديدة بشكل مناسب، فتلك التعديلات كما قال هو نفسه «ستسهل عملية صنع القرار، وتجنب البلاد شرور الائتلافات البرلمانية التي قيدت تقدمها في الماضي».

 الصلاحيات تعطي الرئيس القدرة على سرعة التنفيذ بفضل تقليل التداخل بين السلطات، وفيما يتعلق بـ«العدو» عبد الله جول، فحسب المعسكر المؤيد، تقدم هذه التعديلات الدستورية، ضمانة للإطاحة بخطر أي انقلاب عسكري مستقبلي؛ لأنها تجنبت ثغرات النظام السابق التي أتاحت حدوث انقلابات عسكرية.

وفيما يخص العلاقة مع الأكراد، يقول المختص في الشأن التركي «عبو الحسو» إن: «تركيا منزعجة من سيطرة (بي كا كا) على إقليم سنجار في العراق، وربما تفتح جبهة هناك لتخلص منه، فالفترة القادمة ستكون السياسية التركية أقوى، خاصة بعد تحصين الجبهة الداخلية، ولكون القرار التركي سيصبح فعالًا أكثر على كافة الأصعدة المدنية والعسكرية والسياسية».

عودة انتعاش الاقتصاد التركي

انعكس تدهور العلاقات مع أوروبا، واضطراب الأمن في الداخل التركي، وما فرضته القضية السورية سلبًا على الاقتصاد التركي، حيث هربت بعض الاستثمارات وتراجع نمو الاقتصاد، وانخفض سعر النقد وارتفعت نسبة البطالة.

ومع هذا كان الرهان كبير من جانب المؤيدين على أن التعديلات الدستورية ستحقق نتائج إيجابية على الاقتصاد التركي، فالمفوضية الأوروبية أوضحت في تقريرها «التوقعات الاقتصادية لشتاء 2017» أن هذا الاستفتاء سيؤدي إلى ازدياد الطلب في السوق المحلية في شكل معتدل خلال النصف الثاني من العام الحال، ويرى المختصون أن الاستثمارات الأجنبية وتدفقات الأموال من الخارج ستعود لتركيا بعد نتائج الاستفتاء، وسيعزز موقع الليرة مقابل العملات الأجنبية.

ومباشرة بعد إعلان نتائج الاستفتاء تراجع مؤشر الدولار الأمريكي، مقابل الليرة التركية، وبلغ سعر صرف الدولار 3.62، في حين إنه كان يعادل 3.73 في الأسواق العالمية قبل الاستفتاء، أي حدث انخفاض بمعدل بلغ 3%.

يعتقد رئيس قسم الاقتصاد بصحيفة العربي الجديد اللندنية «مصطفي عبد السلام» أن التعديلات الدستورية ليست هي الفيصل في أية طفرة اقتصادية متوقعة، لكنه يستدرك بالقول: «قد تفتح التعديلات الباب أمام عودة انتعاش الليرة التركية وتقويتها مقابل الدولار، والقضاء كذلك على حالة الغموض السياسي التي سادت البلاد منذ انقلاب يوليو (تموز) الفاشل، وهو ما سيترتب عليه تحسن التصنيف الائتماني للبلاد، وجذب مزيد من الاستثمارات الخارجية وتدفق رؤوس الأموال على البلاد»، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «تعزيز الاستقرار السياسي في البلاد، وضمان بقاء أردوغان في السلطة حتى عام 2029 على الأقل، ستقضي على حالة الغموض السياسي السائدة في البلاد منذ الانقلاب العسكري في يوليو (تموز) الماضي، وقد تقلل من التحديات السياسية والأمنية التي تواجه تركيا، وهو ما سينعكس على الاقتصاد».

أردوغان سيزيد قوة دولته

شبه المؤيدون للتعديلات الدستورية النظام التركي السابق بالجسد الذي له عقل مدبر وذكي، لكنه لا يتحكم بالأطراف، لذلك يرون أن هذه التعديلات ستجعل القرار التركي فعّالًا أكثر بتماسك الجبهة الداخلية ووحدة القرار، في الداخل والخارج.

لقد شددوا على رغبتهم في تأييد التعديلات؛ لأنهم يريدون تركيا أقوى، وأكثر استقرارًا، وبينما ترك أردوغان حزب العدالة والتنمية يؤسس تحالفات مع الفاعلين السياسيين الآخرين، أخذ «يؤسس دوره كحكم رجل واحد منذ مظاهرات غازي بارك في العام 2013 ووصل ذروته بعد محاولة انقلاب 15 يوليو (تموز) الفاشلة» كما تقول الباحثة من تركيا في مجال الأنثروبولوجيا السياسية «شناي أوزدن».

وتضيف أوزدن: «كانت بالفعل نتيجة التجزئة في كتلة القوى الحاكمة التي أجبرت أردوغان لتأسيس تحالفات جديدة مع زمر (مفاتيح قوى) متعددة ضمن أجهزة الدولة»، أما الصحافي والكاتب «روشين شاكير»، فيشير إلى أن «هذه التحالفات هذه المرة ليست قائمة على تشارك السلطة، بل على توزيع السلطة من قبل أردوغان، إذ عيّن أردوغان دورًا للفاعلين السياسيين الآخرين ضمن مجال الحكم، فقط إلى الدرجة التي يراها هو مناسبة، لذا فالاستفتاء هو أفضل أداة لإقرار العلاقات بين تلك الزمر تحت سيطرة أردوغان غير المتنازع عليها».
ولذلك هذه التعديلات ستمكن اوردغان من أن يصبح رئيسًا يملك نظامًا سياسيًا في تركيا أقوى مما سبق، وهو ستدفع قوة تركيا إلى لعب دور محوري أكثر في القضايا الإقليمية كسوريا والعراق، يقول «الحسو» الذي تحدثت له «ساسة بوست»: أنه من محاسن التعديلات الدستورية أن السلطة التنفيذية من جهة واحدة في يد رئيس الجمهورية بعد أن كانت الصلاحيات مقسمة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وفي تاريخ تركيا أدت الخلافات بين الطرفين إلى أزمات سياسية واقتصادية كبيرة أدخلت تركيا في نفق مظلم.

ويضيف: «سيتم إزالة المحاكم العسكرية، وبموجب التعديلات لن يكون هناك ممثلين لهذه المحاكم في المحكمة الدستورية العليا؛ لأن المحاكم العسكرية ستزول تمامًا، وهناك يمكن أن يكون محكمة تأديبية ضمن الجيش فقط»، ويوضح أنه عندما تكون السلطات متمركزة في يد رئيس الجمهورية كل السلطات التنفيذية وكذلك قيادة الجيش، سيكون لتركيا فعالية أكبر في الإقليم، خاصة في القضية السورية، ربما في الأيام القادمة ستعود إلى الواجهة مشاركة تركيا في معركة الرقة، وربما تحرير مدينة منبج من قوات سوريا ديمقراطية، حسب «الحسو».

الانتخابات تقرر مصير الرئيس

بالرغم من ارتكاز المعارضين للتعديلات على أنها تمنح أوردغان نظامًا سلطويًا، إلا أن المؤيدون يؤكدون أنها تمنع وجود هذا النظام، سيما أنها تتطلب خوض الرئيس التركي انتخابات كل أربع سنوات، التعديلات الدستورية ستتيح لتركيا التخلص من ازدواجية السلطة التنفيذية، ولا سيما بعد انتخاب الرئيس من قبل الشعب مباشرة.

 وبالرغم من أن غالبية التعديلات ستنتظر التطبيق بعد انتخابات العام 2019، إلا أنه سيتم الآن تجديد القوانين الانتخابية، ويتوقع أن يتم جمع تعديلات قانونية في قانون واحد، هذه التعديلات خاصة بأربعة قوانين تخص الانتخابات وهي: قانون تسجيل / قيد الانتخابات، وقانون انتخاب الإدارات المحلية، وقانون الانتخابات النيابية، وقانون الانتخابات الرئاسية.

يقول الصحافي السوري، فراس ديبة: إن هناك فترة انتخابية مدتها خمس سنوات، عندما تنتهي هذه الفترة سيذهب الرئيس التركي إلى انتخابات جديدة، وسيكون عليه أن يعبر من اختبار الصندوق الانتخابي مرة أخرى، وبالتالي لن يكون متاحًا للرئيس كان من كان، التصرف دون أي اعتبار لمصالح تركيا وشعبها، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «الشعب في النهاية سيحاسب الرئيس في صندوق الانتخابات، فإما أن يقبل به مرة أخرى أو أنه سيخرجه خارج معادلة الحكم، لا خوف على تركيا من مسارات الدكتاتورية، النظام الرئاسي هو نظام جديد، والناس لديها تخوف من التغيرات الكبرى، هذا التخوف على الرئيس التركي الآن أن يسعى لتبديده، خاصة لمن قال لا للتعديلات الدستورية».

من جانبه، يقول المختص في الشأن التركي «عبو الحسو» أن التعديلات الجديدة ستخلق توازنًا بين صلاحيات الرئيس وصلاحيات النواب مجلس النواب، فمن السهل في حال ارتكاب الرئيس جريمة أن يحجب البرلمان الثقة عن الرئيس في حال تم تصويت سري، وطلبت نسبة 60% من الأصوات بفتح تحقيق، وسيحول الملف إلى المحكمة العليا، وكذلك الرئيس يمكن أن يحل البرلمان، وفي حال حجبت الثقة أو حل البرلمان يمكن لأحد الطرفين الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

موازين قوى أمام أوروبا

عجل الاتحاد الأوروبي لحث تركيا على توافق وطني بعد ظهور نتائج الاستفتاء، تلك التعديلات التي قامت أوروبا ضدها حملات رفض ومعارضة بهدف تخويف الأتراك في الخارج من تبعاتها.

يرى المتابعون للشأن التركي أن التعديلات الدستورية ستمنح أردوغان إمكانية اتخاذ تحرك حاسم بعيدًا عن الاتحاد الأوروبي، خاصة أن بإمكانه إقامة تحالفات استراتيجية بديلة مع أطراف أخرى، في وقت من السهل على تركيا أن تلعب دورًا أكبر في القضايا الإقليمية بعد هذا التحول الذي منح أردوغان ترجيح أي قرار وتمريره على عكس ما كان يحدث في البرلمان سابقًا، ولذلك يعتقد أنه سرعان ما ستعيد تركيا تعريف علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، من منطلق موازين القوى الجديدة.

يقول المختص في الشؤون التركية، زبير خلف الله، أن تركيا ستنتصر على الوصايا الخارجية وعلى أعداء التجربة التركية التي ستكون فيها هذه النتائج محددًا جديدًا في مستقبل تركيا ومستقبل المنطقة، مشيرًا إلى أن قرار التعديلات الدستورية بمثابة ضربة موجعة لأوروبا، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «استفتاء التركي اليوم والإقبال التركي الكبير للمشاركة بنسبة 85.5% يعكس تمامًا قوة الوعي السياسي والديمقراطي لهذا الشعب التركي الذي يعطي الدرس لكل الشعوب بضرورة الانخراط في تحديد مصير وطنهم».

4 أسباب للتشاؤم من مستقبل تركيا بعد التعديلات

المصادر

تحميل المزيد