لم يكن وقع خبر محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، خلال الساعات الأخيرة من ليلة 15 يوليو (تموز( الجاري؛ سهلًا على اللاجئين الموزعين على المدن التركية من فلسطين ومصر وسوريا، وغيرها من الدول التي تشهد صراعات سياسية، وتجاذبات أمنية، أجبرتها على مغادرة دولها بحثا عن الأمن والاستقرار.

ففي السنوات القليلة الماضية، تدفق مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وأقامت لهم تركيا مخيمات على حدودها وداخل بعض المدن نتيجة حالة الصراع المستمر في سوريا منذ عام 2011، فضلًا عن تواجد نظرائهم من العراقيين قبلهم.

والمئات من الفلسطينيين يقيمون داخل تركيا منذ بضع سنوات، لغرض الدراسة في معظم الأحيان؛ إذ اعتادت تركيا على تقديم العديد من المنح الدراسية للطلبة من دول الشرق الأوسط، إلى جانب تواجد العديد من المصريين منذ عزل الرئيس الأسبق «محمد مرسي»، عام 2013.

«ساسة بوست« تحدث إلى بعض اللاجئين من مختلف الدول، ووقفت معهم عند اللحظات الأولى من سماعهم لنبأ محاولة الانقلاب العسكري في تُركيا.

هل انتقلت حرب سوريا؟

«آلاء الجولان»، لاجئة سورية، حطت رحالها وأسرتها، منذ عامين ونص، في العاصمة التركية أنقرة؛ هربًا من البراميل المتفجرة في منطقة سكناها بالعاصمة السورية دمشق.

للوهلة الأولى لم تصدق «العشرينية» آلاء، ما شاهدته من انتشار واسع لقوات الأمن التركية، دون سابق إنذار في الشوارع، كما أن التحليق المكثف للطيران المروحي التركي زوّد الخوف والقلق لديها وعائلتها، حتى إنها ظنت أن الحروب السورية انتقلت إلى تركيا.

ومنذ الدقائق الأولى لمحاولة الانقلاب العسكري، وحتى ساعات الفجر الأولى، تتابع اللاجئة السورية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما يجري من حولها، بعد أن توقف بث بعض القنوات. «طوال الوقت كنا على أعصابنا، غير قادرين على وضع سيناريو، ولا نعرف ما الذي يحدث. فكرنا في الهرب. فكرنا في الرجوع إلى سوريا!»

تواصلت آلاء مع صديقاتها في إسطنبول لتعرف منهم ما يجري عندهم، حتى تأكدت أن الوضع مُشابه، وقد بدأت المساجد في دعوة المواطنين للنزول إلى الشوارع.

مخيمات اللجوء السوري في تركيا


تحكي آلاء أنها حين رأت مشاهد نزول الناس إلى الشوارع بكثافة، اختلطت لديها مشاعر الفرح والفزع، حتى سمعت من المساجد أن «الانقلاب فشل»، حينها «لا إرادي دموعي نزلت، وقلت الحمد لله».

وبالرغم مما وصلت إليه الأمور إلى الآن، إلا أن آلاء وأسرتها، لا يزالون قلقين. تقول اللاجئة السورية «أخشى أن يتكرر سيناريو سوريا ومصر والعراق، في تركيا، لذلك أنا وأسرتي قلقون مما يدبره البعض لتركيا«.

وكانت دراسة مشتركة أعدها اتحاد جمعيات أصحاب الأعمال (TİSK) التركي، ومركز أبحاث السياسات والهجرة في جامعة «هاجيتيبه» (HÜGO)، أواخر العام الماضي، قدرت أ، أعداد اللاجئين السوريين في تركيا قد يتجاوز ثلاثة ملايين لاجئ في المستقبل القريب.

ويعيش 10% من هؤلاء اللاجئين في المخيمات، ممثلين الشريحة الأكثر فقرًا. في حين يتوزع بقية اللاجئين على الولايات التركية، بخاصة الجنوبية منها.

خطاب أردوغان

«أحمد طلبة»، وهو طالب فلسطيني يدرس الإعلام في جامعة أنقرة، سرد لـ«ساسة بوست»، اللحظات الأولى لما جرى في العاصمة أنقرة التي يُقيم بها. قال «في البداية كان الأمر طبيعيًا، تحليق مكثف للطائرات، أخبار متداولة بأن الأمن التركي قد أغلق بعض مداخل إسطنبول، حتى إنني ظننت وجود تدريبات عسكرية يجريها الجيش«.

في الساعتين الأولتين من محاولة الانقلاب العسكري، لم تكن ثمة معلومات دقيقة عما يجري، كان الأمور غير واضحة، والمصادر شحيحة، لكن بعد مرور الساعتين، بدأت الأمور في الاتضاح أكثر.

يقول طُلبة «عندما سمعت كلمة انقلاب، لم أستطع تخيل حجمه، كيف سيكون شكله؟ ما يعني انقلاب على وجه الدقة؟ هنا تبادر إلى ذهني ما جرى في غزة من أحداث بين حركتي فتح وحماس في 2007، البعض أسماها حسمًا عسكريًا، وآخرون سموها انقلابًا دمويًا».

التحليق المكثف والمنخفض للطيران التركي في الأجواء، والتصادم المباشر بين الجيش والمواطنين، وأصوات الاشتباكات وإطلاق الرصاص، أعادت للطالب الفلسطيني ذكرياته عن الحروب التي عاشها في قطاع غزة المحاصر. «اللحظات الأولى كانت قاسية جدًا. إنها مشابهة للحرب الأخيرة التي عشتها في غزة، والاقتتال الأمني بين فتح وحماس قبل أعوام»، يقول أحمد طُلبة.

بدأ القلق يختفي عند طُلبة؛ حينما شاهد خطاب الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، ودعوته للمواطنين النزول للشوارع، قائلًا «في وقت لا يتجاوز 10 دقائق، تم الاستجابة لطلب أردوغان. كنت أتابع عن كثب من نافذة بيتي، رأيت المواطنين ينزلون للميدان؛ حفاظًا على بلدهم، ودعمًا لرئيسهم، شعرت حينها أن الانقلاب في طريقه للفشل«.

يرى الشاب الفلسطيني الذي غادر قطاع غزة، بعد أشهر من الحرب الأخيرة على القطاع، عام 2014؛ أن «الإدراك السريع والوعي لدى المواطن التركي، هو ما ساعد على إفشال الانقلاب العسكري في اللحظات الأولى له».

مواطنون أتراك لحظة إعلان فشل الانقلاب العسكري


أكثر ما يلفت انتباه طُلبة في خضم الانقلاب العسكري، هو التصادم المباشر بين الجيش التركي والمواطنين دون استخدام للقوة، أو سلاح لردع المواطن، أو حتى أدوات لتفريق التجمعات السلمية، على غرار ما كانت تفعله بعض الدول العربية في التعامل مع مواطنيها.

«ماذا لو كان الانقلاب نجح، ما هو مصيرنا؟ وأين كنا سنذهب؟»، تساءل طُلبة، مُعبّرًا عن نفسه، وعن غيره من اللاجئين في تركيا.

العودة إلى سيناريو مصر

لا يختلف الشعور كثيرًا عند «أبو أحمد» (اسم مستعار)، المقيم في أنقرة. خرج أبو أحمد من مصر، قبل ثلاثة أعوام، هربًا من السلطات المصرية التي حاولت اعتقاله عدة مرات، بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين. مشاعر القلق والخوف خيمت على ليلته، مع الساعات الأولى لبدء الانقلاب في تركيا.

حين شاهد أبو أحمد، التحليق المكثف للطيران الحربي، وسمع دوي الرصاص، تذكر مشاهد عزل الرئيس الأسبق محمد مُرسي في 2013، وهجوم قوات الأمن على التظاهرات المُؤيدة لـ«شرعية مُرسي». يقول «قلت في نفسي، إن سيناريو مصر يتكرر في تركيا. بدأت الأفكار تتزاحم في عقلي. ماذا سأفعل؟ هل بإمكاني الخروج من تركيا الآن، وقد جاءني أطفالي وزوجتي؟»

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال خطابه المقتضب بعد الانقلاب

أجرى أبو أحمد عدة اتصالات برفاقه المتواجدين في تُركيا بُغية الاطمئنان. «مشاعر القلق كانت تخيم على أصدقائي أيضًا. الكل كان يتحدث عن أن المشهد المصري ينتقل إلى تركيا. وقتها شعرت بخيبة أمل»، يقول الرجل الثلاثيني.

وما إن خرج الرئيس التركي، في خطابه المقتضب، ودعوته المواطنين النزول إلى الميادين، أعاد ذلك لأبو أحمد بعضًا من الأمل، الذي أصبح فرحًا بعد الإعلان عن فشل المحاولة الانقلابية. ومع ذلك، فإنه يقول «بالرغم من أن الذي جرى حتى اللحظة، إلا أنني أخشى مما تحمله الأيام، فمتغيرات المنطقة لا تبشر بخير».

عرض التعليقات
تحميل المزيد