حتى الانتهاء من إعداد هذا التقرير، كانت الاشتباكات ما زالت جارية، فيما تعود الحكومة التركية المنتخبة تدريجيًا للسيطرة على الوضع، في مواجهة محاولة الانقلاب العسكري، التي قام بها فصيل من الجيش.

ونتيجة ردود الفعل الشعبية التركية، وبالأخص في إسطنبول، اضطرت بعض قوات الانقلاب للاستسلام علنًا أمام المدنيين. وحتى الآن أدت هذه المحاولة الانقلابية إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، كما أدت أيضًا إلى اعتقال الحكومة التركية، لأكثر من 2500 فرد من العسكريين.

وفي الواقع تخبرنا تجربة السنوات القليلة الماضية، أنه كلما لاح في الأفق شبح الانقلاب العسكري في تركيا، لا يأتي ذلك إلا في صالح «حزب العدالة والتنمية» التركي؛ ففي أبريل (نيسان) 2007، عندما نشرت المؤسسة العسكرية رسالة موجهة لحزب العدالة والتنمية، على صفحتها الإلكترونية؛ تحذره فيها من الاستمرار في دعم «عبد الله جول» لكرسي الرئاسة التركية؛ كونه سيصبح رمزًا للدولة، وهو له ميول إسلامية قوية، وزوجته ترتدي الحجاب الإسلامي، ما أقلق المؤسسة العسكرية في ذلك؛ حيث كانت لا تزال تعتبر نفسها حامية النظام العلماني.

وحين صرحت آنذاك المؤسسة العسكرية التركية، بغضبها من أن يصبح جول رئيسًا للبلاد عبر صفحتها الإلكترونية، أُطلق على ذلك اسم الانقلاب الإلكتروني، وفي الواقع لم يستفد من تصريح الجيش طرف أكثر من حزب العدالة والتنمية، إذ ازدادت نسبة التصويت له في أول انتخابات بعد هذا الحادث بـ13%.

ليس هذا فحسب، ففي عام 2011، وحين اتهمت الحكومة التركية عناصر عسكرية، بالتخطيط لانقلاب ضد الحكومة، وحبست عشرات الجنرالات، كانت الحصيلة النهائية هي دفع المجلس العسكري الأعلى في تركيا للاستقالة، في يوليو (تموز) 2011، وهو ما رآه المراقبون، الانتصار الأهم للمدنيين على العسكريين في تركيا الحديثة.

التنبؤ هذه المرة، بمآل ما حدث أمس، وإلى أي حد قد يؤثر على سياسات العدالة والتنمية القادمة، وإلى أي حد أيضًا قد يعزز هذا من موقعه في تركيا؛ قد يكون في هذه الساعات الأولى، مهمة صعبة، إلا أن بعض الأحداث التي وقعت بالأمس، ربما تُشكل مُرشدًا في تجاه صياغة أسئلة أقرب إلى الصواب في تلك اللحظة.

من المستفيد.. المعارضة أم الحكومة؟

في أبريل (نيسان) من العام الجاري، نفى الجيش التركي على موقعه الإلكتروني الرسمي، أن تكون لديه أية نوايا متعلقة بانقلاب عسكري على المؤسسات المنتخبة في البلاد.

وقتها، كانت وسائل الإعلام، تتناقل توقعات بوقوع انقلاب عسكري قريبٍ في البلاد، تحت دعوى حماية المبادئ العلمانية، التي أسست عليها الدولة التركية الحديثة. في ذلك الوقت أكد أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، وهو «حزب الشعب الجمهوري»، رفضه التام لأية محاولة تدخل من قبل الجيش في مسار العملية السياسية الديمقراطية.

وعلق زعيم الحزب، «كليجدار أوغلو» – الذي كال الهجوم آنذاك على الدستور الذي مرره حزب العدالة والتنمية، والذي وصفه بأنه دستور انقلابي- بأنه لا يمتلك القدرة على استيعاب الطريقة التي يفكر بها الصحافيون الذين يدعون الجيش للانقلاب، مؤكدًا أنه على هؤلاء «مراجعة مفهوم الديمقراطية والحرية، فهم في الواقع سيكونون أول المتضررين في حال حدوث هذا الانقلاب المحتمل».

محاولة الانقلاب

كمال كليجدار أوغلو (المصدر: cairoportal)


وحين حدثت محاولة الانقلاب أمس الجمعة، لم يختلف موقف كمال كليجدار أوغلو، إذ أعلن مُباشرةً رفض محاولة الفصيل العسكري الانقلاب على السلطات المنتخبة. وقال الرجل، إن تركيا «عانت كثيرًا من الانقلابات العسكرية، وأنها لا تحتمل تكرار هذه المشاكل»، مؤكدًا أن حزبه يشارك في حماية الجمهورية والديمقراطية، وأنه «يعتمد بشكل أساسي على الرغبة الحرة للشعب»، كما دعا أنصاره لمؤازرة دعوة الرئيس «رجب طيب أردوغان»، ورئيس الوزراء «بن علي يلدريم»، بالنزول إلى الشوارع التركية والتصدي لمحاولة الانقلاب على الديمقراطية.

يأتي هذا الموقف من كليجدار أوغلو، بالرغم من أن حكمًا قد صدر ضده، في وقت سابق من الشهر الجاري، ألزمه دفع غرامة 50 ألف ليرة؛ على خلفية اتهامه وصفه أردوغان بـ«الدكتاتور الفارغ».

في الواقع لم يكن ذلك موقف رئيس حزب الشعب الجمهوري وحده؛ إذ أجرى زعيم الحركة القومية المعارضة، «دولت بهتشيلي»، اتصالًا هاتفيًا برئيس الوزراء بن علي يلدريم، ليعرب فيه عن دعمه للسلطات التركية ضد محاولة الانقلاب العسكري.

كما أن العديد من المواطنين الذين خرجوا في شوارع أنقرة، وإسطنبول، وإزمير، كانوا يحملون صورًا لـ«كمال أتاتورك»، كرمزٍ للمبادئ العلمانية للدولة التركية. وقال أحد هؤلاء لوكالة «نوفوستي» الإخباري، إن «هؤلاء الناس لا يدعمون أردوغان، بقدر ما يحاربون محاولات العسكر للتدخل في الحياة السياسية»، مضيفًا أن هذا الفصيل العلماني الذي استجاب لدعوة أردوغان، قد «خرج مؤمنًا بالمبادئ الديمقراطية، وضد استخدام القوة».

وكان العديد من وسائل الإعلام المحلية والعالمية، أعلنت بعد ساعات قليلة من بدء محاولة الانقلاب، أن المعارضة السياسية، بما في ذلك قطاعات واسعة من الأكراد، أعلنوا رفضهم التام لأية محاولات انقلابية على السلطات المنتخبة في تركيا.

مع هذا، بدت بعض التصريحات، وغيرها من الأحداث ذات دلالة سياسية، فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي شدد فيه كليجدار أوغلو على رفض الانقلاب العسكري، إلا أنّه أيضًا أشار إلى ضرورة التمسك بـ«الديمقراطية التركية البرلمانية».

ما يُمكن قراءته من تلك الإشارة، هو الآمال المنتظرة من قبل أحزاب المعارضة، نتيجة وقوفها إلى جوار حزب العدالة والتنمية؛ في التفاوض حول استعادة الروح البرلمانية للبلاد، بعد سعي الحزب، وأردوغان، نحو تكريس نظام حكم رئاسي، يعطي أردوغان الصلاحيات الكبرى.

في المُقابل، يُرجّح أن يجد العدالة والتنمية نفسه، على إثر تلك المحاولة الانقلابية، أكثر قوة من ذي قبل، وربما تكون الفرصة سانحة أمامه لاتخاذ إجراءات معينة، أي أن الأزمة، غالبًا ما ستوفر له الغطاء الشرعي لمزيد من النفوذ على مُؤسسات الدولة ومفاصلها، وكذا في الشارع.

15 يوليو (حزيران).. عيد الديمقراطية

في خطاب له بعد ساعات من اندلاع الانقلاب، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، إن 15 يوليو (حزيران)، هو «عيد الديمقراطية التركية؛ حيث عبر الشعب عن تمسكه الشديد بها، واستعداده للتضحية من أجلها، وواجه بصدوره العارية رصاص الفصيل الانقلابي، كما يفعل الأبطال»، بحسب يلدريم.

وربما سيصبح إفشال انقلاب يوليو (حزيران)، إذا تم بنجاح، هو أكبر انتصار للمدنيين في مواجهة المؤسسة العسكرية، منذ إقامة الدولة التركية الحديثة على أنقاض الخلافة العثمانية.

وظهر ذلك جليًا حين قال أردوغان بعد ساعات من بدء التحرك الانقلابي «إنها فرصة لتطهير الجيش من الخونة»، يقصد من خلال كشف المجموعة عن نفسها. وفي ظل حملات الاعتقال الواسعة التي تحدث بحق العسكريين الذين شاركوا في تلك المحاولة، وبمد الخط على استقامته، يُمكن بوضوح رؤية، كيف أن هذه المحاولة الانقلابية، ستوفر الفرصة الأمثل لحزب العدالة والتنمية، كي يتخلص من أية مخاطر عسكرية كانت تُؤرقه.

من جهة أُخرى، كان العديد من الباحثين، خلال السنوات القليلة الماضية، يرون أن الرادع الأساسي، الذي دفع بالعدالة والتنمية، للحفاظ بدرجة كبيرة على القيم العلمانية للدولة التركية؛ هو التخوف من تدخل المؤسسة العسكرية في أية لحظة. هذا الرأي يستدعي الآن طرح تساؤل قد يبدو هامًا؛ وهو إذا ما استطاع العدالة والتنمية السيطرة على الوضع تمامًا، وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية لاحقًا بما يمنع تمردها ضده، أو ضد أي حكم مدني، فهل سيتغير تعاطيه مع القيم العلمانية للبلاد؟ وكيف سيحدث ذلك؟

على جانب آخر، الفشل التام لمحاول الانقلاب العسكري، تعني تأثيرًا على المستقبل القريب للشرق الأوسط، على اعتبار تركيا فاعلة هامة ومُؤثرة فيه. لكن الحدود المُحتملة لهذا التأثير، غير معروفة حتى الآن، وإن بدا الأقرب إلى الترجيح، زيادة النفوذ التركي، بقيادة أردوغان في العالم الإسلامي السُنّي.

هذا ويُشار إلى أن ما حدث، يأتي متزامنًا مع المحاولات التركية الأخيرة، تحسين العلاقات مع إسرائيل وروسيا، وكذلك مع النظام السوري، الذي أعلنت الحكومة التركية، قبل يوم واحد من المحاولة الانقلابية، رغبتها في استعادة العلاقات مع دمشق.

وفيما يخص المواقف الدولية تجاه المحاولة الانقلابية، فبعد تردد أو صمت، أعلن حلف الناتو، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروربي، وغيرها من دول العالم، دعمهم للحكم الديمقراطي، ورفضهم التدخل العسكري في الحياة السياسية، بل إن روسيا التي شاب العلاقات بينها وبين تركيا، في الآونة الأخيرة، توترًا ملحوظًا؛ كانت قد أعربت عن قلقها مما «يهدد الاستقرار في تركيا».

عليه، يبدو أن أردوغان في أفضل حالاته إقليميًا، بعد أن آلت الأمور إلى سيطرته من جديد؛ إذ أظهرت الدول الكبرى تمسكها باستمرار العملية الديمقراطية في تركيا.

الفرصة ذهبية لتقويض سمعة فتح الله كولن

في العام الجاري، حرص رجب طيب أردوغان على الاهتمام بملف العلاقات التركية إفريقية، وكانت تركيا قد افتتحت بالفعل 25 سفارة جديدة لها بالقارة السمراء، منذ عام 2009.

وقبيل رحلة أردوغان لإفريقيا هذا العام، كانت حكومته قد أعلنت منظمة «Hizmet»، التي يديرها كولن، ضمن المنظمات «الإرهابية». ويدير كولن، شبكة عالمية من المدارس الإسلامية، بالإضافة إلى عدة مؤسسات إعلامية وثقافية وبحثية.

محاولة الانقلاب

لفتح الله كولن (المصدر: arb.majalla)


وكانت مهمة أردوغان ببساطة هي تقويض سمعة مدارس عبد الله كولن، وكولن نفسه في إفريقيا، باعتباره يشكل كيانًا موازيًا، وتتظاهر مؤسساته بتمثيل تركيا في القارة. إلى هذا الحد يُمثل كولن تهديدًا بالنسبة إلى أردوغان.

كولن، خصم أردوغان اللدود، وهو رجل الدين الأقرب إلى الصوفية، والذي يقدره ملايين الناس من شمال الأرض إلى جنوبها. مدارسه في تركيا تخرج منها العديد من رجال الدولة ذوي النفوذ الكبير في البلاد.

وهكذا تمثّل كولن لأردوغان، كخصم لدود، من الصعب تقويض سُمعته، سواءً في تركيا أو في خارجها، بخاصة وأن كولن رجاله في معظم مُؤسسات الدولة، ومنهم في جهاز الشرطة من سربوا تسجيلات قيل إنها تكشف تورط أفرادٍ في عائلة أردوغان في قضايا فساد.

ومنذ اللحظات الأولى للانقلاب، قالت تقارير، إن المنقلبين هم أنصار لفتح الله كولن. وقد تلبسته التهمة أكثر، حين توجهت بها الدولة رسميًا، سواءً على لسان أردوغان، أو رئيس وزرائه، أو قائد قواته المسلحة، ثُمّ ترسخت أكثر، بعد تأخر كولن في نفي أية علاقة له بالانقلاب، حيث جاء تصريحه المندد بالانقلاب، بعد أن بدا بوضوح فشله.

إذًا، يُمكن القول إن المحاولة الانقلابية، قد تُمثل فرصة جيدة بالنسبة لأردوغان، لتقويض سمعة فتح الله كولن، والحد من توغل أنصاره في مُؤسسات الدولة، فضلًا عن أن الرجل سيظل اسمه مُرتبطًا في أذهان المواطنين الأتراك، وفي أذهان غيرهم، بمحاولة انقلاب فاشلة على السلطات المنتخبة ديمقراطيًا، في يوليو (تموز) 2016.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد