أردوغان أمام أنصاره في إحدى جولاته الانتخابية



وسط أجواء من الترقّب العالمي، يدلي الناخبون الأتراك اليوم بأصواتهم في الانتخابات البلدية لعام 2014م، والتي وُصِفت بأنها الانتخابات الأهم التي تخوضها تركيا منذ عقود.

ما بين تخوّفات وتوقّعات انتظارًا لإعلان النتائج، والتي سيُعلن عنها رسميًّا يوم الإثنين القادم، بينما ستُعرَف النتائج شبه الرسمية للانتخابات اليوم مساءً، نحاول أن نفهم طبيعة الصراع الحالي في تركيا، صاحب الدور الأبرز في المشهد، ومدى انعكاسه على الانتخابات، من خلال طرح أهم الأسئلة التي قد تُطرَح في ذهن المواطن العربي.

لماذا كل هذا الجدل المُثار حول الانتخابات؟

تأتي الانتخابات هذا العام وسط حالة من الصراعات والأزمات التي تشهدها تركيا، كان الصراع بين رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي، وفتح الله غولن زعيم حركة الخدمة، فيها هو صاحب الدور الأبرز لهذه الأزمات، بالرغم من أن هناك بعض التحليلات تشير إلى أن الأزمة التي شهدتها تركيا مؤخرًا لم تكن أزمة محليّة وفقط نتجت صراع بين أردوغان وغولن، بل إن ثمة أيادي أخرى خارجية تسعى للانقلاب على حكومة أردوغان، وإسقاطه، فضلاً عن الأيادي الداخلية من المعارضة والتي قد طالبت بشكل صريح بتنحّي أردوغان عن الحكم اعتراضًا على سياساته الاستبدادية، ولأنه قد فقد شرعيته بعد التسريبات الأخيرة التي تشير إلى فساده هو وحكومته.

متسلسلة أزمات من قضية الفساد التي أشعلت فتيل الصراع في 17 ديسمبر العام الماضي والتي تم بسببها اعتقال عدد من ذوي النفوذ في حزب العدالة والتنمية والمقرّبين من أردوغان، إلى احتدام الصراع بين أردوغان وغولن وما نتج عنه من قيام أردوغان بتعديلات كبيرة في جهازي الأمن والقضاء نظرًا لتوغل نفوذ جماعة الخدمة فيهما، إلى التسريبات التي طالت أردوغان بشكل شخصي، مرورًا بالاحتجاجات ضد ما وصف بالسياسات الاستبدادية وقرارات تقييد الحريات مثل قانون الإنترنت ومؤخرًا حجب موقع التواصل الاجتماعي تويتر، وحجب مقاطع في موقع اليوتيوب.

كل هذه الأسباب كانت عاملًا رئيسيًّا في أن تكون الانتخابات الحالية انتخابات مصيرية لتركيا ولحزب العدالة والتنمية، جعلت من بعض المحللين يرون أن الفائز في هذه الانتخابات هو الأقرب للفوز في الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في العام المقبل، وأنها ترسم مستقبل تركيا، بينما وصفها أردوغان في أحد خطاباته بأنها “حرب استقلال جديدة”.

ما مدى أهمية الانتخابات بالنسبة لأردوغان ومستقبله السياسي في تركيا؟

تمثل الانتخابات أهمية كبيرة بالنسبة لأردوغان، فمن جهة ستكون الانتخابات مؤشرًا على مدى تأثّر شعبيته لدى الشعب التركي بالتسريبات الأخيرة واتهامات الفساد التي طالت أردوغان بشكل شخصي.

ومن جهة أخرى، فأردوغان في حاجة لاستكمال الطريق نحو تحقيق حلمه في تركيا، ورؤيته بالاستمرار في الحكم حتى عام 2023 – الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية – وهو ما يمكن تحقيقه إما بالاستمرار في رئاسة الحكومة من خلال الفوز في الانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة منفردًا، إلا أن هذا المسار مخالف للائحة الداخلية لحزب العدالة والتنمية التي تحظر تقلد منصب رئيس الوزراء لأكثر من ثلاث ولايات متتالية.

أو من خلال وصوله للرئاسة، لكن وفقًا للنظام الرئاسي الحالي فلن يتمتع بصلاحيات واسعة حقيقية، وهو ما يتطلّب منه أغلبية برلمانية يستطيع من خلالها تغيير شكل نظام الحكم بموجب تعديل دستوري يتضمنه مشروع دستوري جديد.

كما أن الانتخابات تُعتبر مرحلة فاصلة في الصراع الحالي الذي يخوضه أردوغان ضد جماعة الخدمة، والمعارضة، وكل مَن يسعى لإسقاطه، الصراع الذي لن يتوقّف حتى موعد الانتخابات البرلمانية وإن كانت الانتخابات المحلية مرحلة محورية فيه.

ماذا عن غولن وجماعة الخدمة؟ وإلى أي مدى سيؤثر الصراع بين أردوغان وغولن على نتيجة الانتخابات؟

بالرغم من كونها المرة الأولى التي لن يدعم غولن وجماعته، حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، وبالرغم من النفوذ الواسع لجماعة الخدمة في مؤسسات الدولة مثل الشرطة والقضاء، والتي جعلت أردوغان يصفها بـ”الدولة الموازية”.

إلا أن تأثير الدولة الموازية المباشر على الأصوات في الانتخابات لن يكون كبيرًا، فأغلب التوقّعات تشير إلى أن تأثير الجماعة ونفوذها لن يتعدى نسبة الـ 3% من الأصوات.

إلا أن الانتخابات الحالية أيضًا تمثل مرحلة فاصلة لغولن وجماعة الخدمة في الصراع مع أردوغان، وفي مستقبل الجماعة ونفوذها في تركيا.
فمن بداية الأزمة وأردوغان يعمل على التخلّص من نفوذ “الدولة الموازية” وهو ما أضر بمصالحها بشكل مباشر، وأدى – على سبيل المثال – إلى غلق العديد من المدارس التابعة للجماعة، والتي تعتبر الاستثمار الأكبر للجماعة في تركيا.

ما هي أهم الأحزاب المنافسة لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية؟

حزب الشعب الجمهوري: وريث الأيديولوجية التركية القومية، ومن أقوى الأحزاب السياسية المعارضة، وهو ثاني الأحزاب في عدد مقاعد البرلمان بعد حزب العدالة والتنمية.

يسعى الحزب إلى الفوز برئاسة البلدية في إسطنبول من خلال مرشحه “مصطفى ساري غول”، الذي أعادت ضمّه إلى صفوفه مرة أخرى بعد أن طردته من الحزب ليفوز على محافظها الحالي ومرشّح حزب العدالة والتنمية “قادر توباش”، وفي أنقرة بمرشحه “منصور ياوش” الذي كان مرشحًا في الانتخابات السابقة عن حزب الحركة القومية.

يُذكر أن عدد السكان في إسطنبول وأنقرة يمثّل ربع سكان تركيا وهو ما يجعل إستراتيجية حزب الشعب الجمهوري التركيز على الفوز فيهما، نظرًا لأهميتهما، وما يمثلاه بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

حزب الحركة القومية: ذو التوجه القومي اليميني، وثاني أكبر أحزاب المعارضة التركية، والذي يسعى للمحافظة على وجوده بين حزبي العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري من خلال فوزه في الولايات التي تقع تحت سيطرته، ويسعى الحزب الحاكم للفوز بها مثل باليكسير، ومانيسا، وإسبرطة.

حزب السلام والديمقراطية: والذي يعتبر حزبًا مؤيدًا لحقوق الأكراد، وتم تأسيسه كخلفية لحزب التجمع الديمقراطي الذي تم حظره من العمل السياسي لصلته بحزب العمال الكردستاني المصنف على لائحة الإرهاب.

يعتمد الحزب على الهوية وشعبيته في المناطق التي يقطنها الأكراد بكثافة، إلا أن حزب العدالة والتنمية قد قام ببعض المشاريع التنموية في تلك المناطق، فضلاً عن “عملية السلام” التي أوقفت نزيف الدم في مناطق الجنوب الشرقي التي تقطنها أغلبية كردية.

وهو ما يجعل من المتوقّع أن يحظى حزب العدالة والتنمية على نسبة كبيرة من الأصوات في المناطق الكردية.

كل من الأحزاب الثلاثة يسعى لوقف استحواذ حزب العدالة والتنمية للانتخابات المحلية في الأعوام السابقة.


أثار حجب أردوغان لتويتر ويوتيوب جدلاً كبيرًا، فلماذا كان الحجب؟ وما مدى انعكاس ذلك على نتيجة الانتخابات؟

جاء حجب مقاطع فيديو على موقع اليوتيوب على إثر تسجيل لتسريب أخير لاجتماع يجمع بين رئيس المخابرات التركية “هاكان فيدان”، ووزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، ووزير الداخلية، ورئيس الأركان، وجاء الحجب بناء على طلب من الحكومة التركية.

وقبل ذلك كان قرار حجب تويتر بقرار من النيابة العامة في اسطنبول، والذي قد كان نظرًا لاحتوائه على مواد منشورة “تضر بالأمن العام” وتتضمن أسرار خطيرة، وفقًا لما جاء في بيان رسمي لرئاسة الوزراء التركية.

وبالرغم من أن كلا القرارين لقيا اعتراضًا كبيرًا، وبالرغم من كونهما قد جاءا في توقيت حرج لتركيا ولحكم أردوغان، إلا أن أغلب الآراء تميل إلى أن تلك القرارات لن تؤثّر بشكل كبير على الناخب التركي ولا على نتيجة الانتخابات، وإن قوبلت بالاستنكار والاعتراض!

يُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يُحجب فيها اليوتيوب في تركيا، فمن قبل قامت السلطات التركية بحظر الدخول إلى يوتيوب نظرًا لوجود مقاطع تسيء إلى مؤسس تركيا الحديثة “مصطفى كمال أتاتورك”.

كما أن تركيا ليست الدولة الوحيدة ولا الأولى التي تقوم بحجب يوتيوب أوموقع التواصل الاجتماعي تويتر لأسباب سياسية.

ما هي التوقعات للانتخابات؟

أغلب التوقعات تميل إلى فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية، وبأنّه سيحصل على أعلى نسبة أصوات في كل من اسطنبول وأنقرة، بينما ستشهد إزمير معقل حزب الشعب الجمهوري منافسة شديدة، إلا أنّ أي تراجع لنسبة أصوات الحزب عن أصوات الأعوام الماضية هي مؤشر على تراجع شعبيته، ونذير خطر في الطريق إلى كل من الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وهو ما يثير القلق والتخوفات.

وفيما يبدو أن الصراع الجاري في تركيا لن يتوقَف حتى وإن جاءت النتيجة في صالح حزب العدالة والتنمية، ولن تنتهي الأزمة، فالأمر لم يُحسم بعد، ولا زالت هناك الانتخابات الرئاسية في أغسطس هذا العام، والانتخابات البرلمانية العام المقبل، وحتى ذلك اليوم ستشهد تركيا تصاعدًا في الأحداث، واحتدامًا في الصراعات.

    

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد