تقترب تركيا من الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في 30 من الشهر الجاري، والتي تعتبر من أهم الانتخابات التي تمر على تاريخ من تركيا منذ عقود.

تشتد حدّة الصراعات، تتفاقم الأزمة بين احتاجات وتسريبات وتصريحات وقرارات واضطرابات في المشهد التركي، تضعنا أمام تساؤلات حول أطراف الأزمة، وعن مدى تأثيرها على مستقبل تركيا السياسي، ومستقبل أردوغان وحزب العدالة والتنمية ؟

أردوغان

أردوغان في كلمة أمام أنصاره في إطار حملته الانتخابية الأخيرة

أردوغان في كلمة أمام أنصاره في إطار حملته الانتخابية الأخيرة

بالنسبة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية فالانتخابات المقبلة هي “حرب استقلال جديدة” على حد قوله في إحدى كلماته، فالانتخابات تستطيع أن تحسم الصراع الدائر مع أعداءه والقضاء على محاولات الانقلاب ضدّه من خلال الاستحقاق الديمقراطي.

بذكر “الانتخابات” فالأمر لن يتوقّف على الانتخابات البلدية فحسب، بل الانتخابات البرلمانية في أغسطس من العام ذاته، والبرلمانية عام 2015، ومن المتوقّع أن تستمر الصراعات وتزداد حدّة حتى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فأردوغان من جهته يرغب في استكمال مشروعه السياسي، وعودة ما عُرِف بـ “العثمانيين الجدد”.

إلا أنه وبعيداً عن الأزمة الحالية في تركيا فأردوغان يواجه بعض العثرات في مسار استكمال حكمه، فاللائحة الداخلية لحزب العدالة والتنمية تحظر عليه تقلّد منصب رئيس الوزراء لأكثر من ثلاث ولايات متتالية، وقد استنفذها بالفعل ولن يستطيع تقلّد رئاسة الوزراء للمرة الرابعة حتى وإن فاز حزبه في الانتخابات البرلمانية، وشكّل الحكومة منفردا.

ولن يكون أمامه سوى أن يصل إلى الرئاسة، لكن وفقاً للنظام الرئاسي الحالي فلن يتمتع بصلاحيات واسعة حقيقية، إلا إن تم تغيير شكل نظام الحكم بموجب تعديل دستوري يتضمنه مشروع دستور جديد.

أما عن العلاقات الخارجية، وبعد الثورة السورية والانقلاب العسكري في مصر، تراجع الدور التركي بشكل واضح في المنطقة لا سيما مع تدهور العلاقات مع كل من دمشق والقاهرة،  بينما يستمر أردوغان في محاولات نيل تركيا للعضوية الكاملة للاتحاد الأوروبي، مع إعادة رسم خريطة التحالفات والعلاقات مع بعض الدول مرة أخرى، مثل إيران وإسرائيل التي وصل تدهور العلاقات معها إلى حد القطيعة لسنوات بعد حادث سفينة مرمرة.

فتح الله غولن

031514_2122_2.png

فتح الله غولن

 

يعتبر فتح الله غولن الداعية الإسلامي المعروف، وزعيم جماعة الخدمة من أهم الأطراف في الصراع الجاري في تركيا؛ فالخلاف بينه وبين رئيس الوزراء أردوغان من أهم العوامل المؤثرة على الانتخابات المُقبلة.

كانت جماعة الخدمة داعماً لحزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات السابقة كلها، إلا أن الخلاف الأخير قد أنهى التحالف بين أردوغان وغولن ، وبالرغم من أن الجماعة ليست على القوائم الحزبية المعلنة إلا أن نفوذها الكبير على مستوى المجتمع ومؤسسات الدولة مثل الشرطة والقضاء، والذي جعل أردوغان يصفها بـ “الدولة الموازية”، قد يكون له دور كبير في التاثير على الانتخابات.

يرى أردوغان أن غولن هو السبب وراء التسريبات التي اتهمّت أردوغان وابنه بالفساد، وبأنه هو وجماعته من وراء مؤامرة الانقلاب على حكومته والإطاحة به.
ومن بعد قضايا الفساد في ديسمبر الماضي، والتي تم على إثرها اعتقال عدد من بعض الأشخاص ذوي النفوذ في حزب العدالة والتنمية ومن المقرّبين إلى أردوغان، بدأ أردوغان في الحد من نفوذ الجماعة في مؤسستي الشرطة والقضاء في محاولة ، فضلا عن قرار إغلاق بعض المدارس التابعة للجماعة.

في تصريح أخير لغولن شبه أردوغان بالجيش الذي كان يهيمن على السلطة في البلاد، قال أن أردوغان قد خسر الثقة في الداخل وفي الخارج.

تُشير التوقّعات أن تأثير الجماعة لن يتعدّى نسبة الـ 3 % من الأصوات، إلا أنه لا زال هناك تخوّفات من نفوذ جماعة الخدمة ، في ظل توقعّات عن  تحالف بين الجماعة والأحزاب المعارضة العلمانية قد يؤثر على نتائج الانتخابات المُقبلة.

أحزاب المعارضة

031514_2119_3.jpg

كليجدار أوغلو – رئيس حزب الشعب الجمهوري

حزب الشعب الجمهوري، يعتبر وريث الأيديوجية التركية القومية، ومن أقوى الأحزاب السياسية المعارضة، وهو تاني الأحزاب في عدد مقاعد البرلمان بعد حزب العدالة والتنمية.
بعد الأحداث الأخيرة تصاعدت حدّة خطابات قادة الحزب وأعضائه ضد أردوغان، وطالبوه بالاستقالة واتهموه بالفساد، حتى أن كليجدار أوغلو رئيس الحزب قد وصف أردوغان بـ “زعيم الكذابين واللصوص”.

يسعى الحزب لأن يضع حدا لاستحواذ حزب العدالة والتنمية على السلطة في تركيا لمدة 12 عاما، من خلال انتزاع رئاسة بلدية مدينتي إسطنبول وأنقرة، بالرغم من أن استطلاعات الانتخابات تشير إلى أن الحزب الحاكم من المتوقّع أن يتصدّر نتائج الانتخابات في الكل من إسطنبول وأنقرة، بينما ستشهد “إزمير” وهي معقل حزب الشعب الجمهوري منافسة شديدة.

حزب الحركة القومية، ذو التوجه القومي اليميني، وثاني أكبر أحزاب المعارضة التركية، والذي يسعى للمحافظة على وجوده بين حزبي العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري من خلال فوزه في الولايات التي تقع تحت سيطرته، ويسعى الحزب الحاكم للفوز بها مثل باليكسير، ومانيسا، وإسبرطة.
في كلمة لـ “دولت باهجه” رئيس الحزب أمام أنصاره في ولاية “سمسون” شدد على أهمية المرحلة الانتخابية المقبلة، وبأنها قد ترسم المعالم المستقبلية لسياسات تركيا.
وقال أن حزب العدالة والتنمية الحاكم لن يتمكن من تلبية مطالب وآمال الناخب التركي، وأنه قد أدار البلاد بمفرده خلال سنوات حكمه.

حزب السلام والديمقراطية، والذي يعتبر حزبا مؤيدا لحقوق الأكراد، وتم تأسيسه كخلفية لحزب التجمع الديمقراطي الذي تم حظره من العمل السياسي لصلته بحزب العمال الكردستاني المصنف على لائحة الإرهاب.
يعتمد الحزب على الهوية وشعبيته في المناطق التي يقطنها الأكراد بكثافة، إلا أن حزب العدالة والتنمية قد قام ببعض المشاريع التنموية في تلك المناطق، فضلا عن “عملية السلام” التي أوقفت نزيف الدم في مناطق الجنوب الشرقي التي تقطنها اغلبية كردية.
وهو ما يجعل من المتوقّع أن يحظى حزب العدالة والتنمية على نسبة كبيرة من الأصوات في المناطق الكردية.

الجيش التركي

الجيش التركي – المصدر:الأوروربية

الجيش التركي – المصدر:الأوروربية

بالرغم من غياب الجيش في مشهد الصراع الحالي، وتبنيه لموقف الحياد من بداية الأزمة، لا سيما بعد محاولات أردوغان لتقليص تدخّل الجيش في المشهد السياسي، إلا أنه مؤخرا قد ظهرت بعض التكهنات عن إمكانية عودة الجيش مرة أخرى من خلال استقواء أردوغان به لمواجة خصومه السياسيين.
وجاء إطلاق سراح بعض قادة الجيش المدانين في قضية “أرغينيكون” المتعلقة بالتخطيط للغطاحة بحكومة أردوغان ليؤكد هذه التكهنات.

بينما نفى ممثلو الحزب أن تكون الحكومة التركية بحاجة للتحالف مع الجيش، لأنها تتمتع بأغلبية في البرلمان ويمكنها إقرار القوانين التي تريدها.
وبررت الحكومة قرارات الإفراج بأنها جاءت نتيجة لأخطاء ارتكبت أثناء المحاكمات الخاصة بقضية أرغينكون، سببها رجال “الدولة الموازية”، من خلال التلاعب بالأدلة، وتوريط أشخاص لا علاقة لهم بالقضية.

الشارع التركي بين التأييد والمعارضة

031514_2119_5.jpg

حرق أحد مقرّات حزب العدالة والتنمية في الاحتجاجات الأخيرة ضد حكومة أردوغان

يشهد الشارع التركي حالة من الاضطراب الشديد لا سيما بعد قضية الفساد الأخيرة والتي صار أردوغان طرفاً فيها بعد التسريب الأخير، فبالنسبة لغالبية الشعب التركي المشهد غير واضح، واحتمالية فساد الحزب الحاكم قائمة، مع سياسات أردوغان التي وُصفت بالديكتاتورية والاستبدادية مثل قيود حرية الانترنت والسيطرة على القضاء، تسببّت في تراجع شعبيته مع  تصعيد المعارضة لمستوى الاحتجاجات ضدّه.

يُذكر أن تركيا قد تراجعت من المركز الـ 99 عام 2002 إلى المركز الـ 154 عام 2013 بالنسبة إلى حرية التعبير عن الرأي، طبقا للتقرير السنوي لمنظمة “مراسلون بلا حدود”.

كان آخر هذه الاحتجاجات، ما شهدته البلاد بعد وفاة شاب متأثراً بجروحه في الاحتجاجات المناهضة لحكومة أردغان يونيو الماضي، وهتف المتظاهرون “أردوغان قاتل” و”الدولة القاتلة ستحاسب”.
أسفرت الاحتجاجات عن بعض الإصابات، واعتقال العشرات من المتظاهرين، كما تم الاعتداء على 6 مكاتب انتخابية للحزب الحاكم في تركيا.

أنصار أردوغان يملأون الشوارع

أنصار أردوغان يملأون الشوارع

أنصار أردوغان يملأون الشوارع

من جهة أخرى فمشهد أنصار أردوغان المهيب في كلماته التي يلقيها امام الحشود في إطار حملته الانتخابية، يشير إلى شعبيته الكبيرة بين أنصاره، الذي يميل أغلبهم لتصديق أن ما يجرى حول أردوغان هو مؤامرة للإطاحة بحكمه.
وبالرغم من الاضطرابات في المشهد التركي الحالي، وتأثيره على الانتخابات القادمة، فمن المتوقّع ألا تختلف نتيجة الانتخابات سابقتها بفوز الحزب الحاكم إلا بفارق ضئيل، وبالرغم من ذلك فمن الواضح أن تركيا لن تشهد استقرارًا، وستزداد حدّة الصراعات مع كل يوم تقترب فيه من الانتخابات، حتى موعد الانتخابات البرلمانية في عام 2015م، وحتى هذا الوقت قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن !

علامات

تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد