في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أنقرة، باتت تحركات الرئيس التركي خارج البلاد كثيفة أكثر من السابق لتتسارع وتيرة جولات رجب طيب أردوغان ذات الصبغة الاقتصادية وتتسع دائرتها بدايةً من روسيا فإفريقيًا وأخيرًا دول مجلس التعاون الخليجي.

ويحاول الرئيس التركي «النشيط» فيما يخص جولاته الدولية المتكررة دعم اقتصاد بلاده بفتح أسواق خارجية جديدة، وجذب المزيد من الاستثمارات لإنعاش الاقتصاد الذي يواجه تحديات متنامية، إذ وجد أردوغان أن الجولات الاقتصادية، وتنحية الخلافات السياسية جانبًا، أقصر الطرق لإنعاش اقتصاد بلاده، وهذه هي السياسة التي اعتمد عليها بقوة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة.

أردوغان في روسيا

رغم الأحداث المتلاحقة التي مرت بها كل من تركيا وروسيا، وكانت جديرة بأن تصل إلى القطيعة بين البلدين، إلا أن المصالح الاقتصادية كانت لها الكلمة العليا في النهاية، وهذه النهاية لم تكن لتأتي إلا بعد زيارة الرئيس أردوغان لموسكو ولقائه بالرئيس فلاديمير بوتين، لتعود بعدها العلاقات تدريجيًا إلى التحسن.

وساهمت الزيارات المتبادلة بين الرئيس التركي أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في رفع مستوى التبادل الاقتصادي والتجاري والمشاريع المشتركة، فضلًا عن تعزيز التعاون في شتى المجالات وإلغاء تأشيرات الدخول.

وفي التاسع من أغسطس (آب) 2016، كان تاريخ الزيارة الخارجية الأولى لأردوغان منذ محاولة الانقلاب في يوليو (تموز) من نفس العام، إذ التقى ببوتين، وجاء التعهد باستعادة العلاقات الاقتصادية القوية بين البلدين، وهو ما حدث بالفعل خلال الأشهر الماضية.

وروسيا هي المستورد الرئيسي للمنتجات التركية من الخضروات والفاكهة، كما أن تركيا تُعد مقصدًا رئيسيًا للسائحين الروس، لكن هذه القطاعات تضررت بسبب أزمة نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، عندما أسقطت تركيا طائرة عسكرية روسية على الحدود السورية ما دفع روسيا إلى فرض عقوبات اقتصادية وتعليق رحلاتها السياحية إلى تركيا، ولكن الانقلاب الفاشل كان تحولًا في العلاقات بعد أن أعلن بوتين دعمه الكامل لأردوغان، وهو ما أثمر في النهاية عن عودة العلاقات بين البلدين.

أردوغان في إفريقيا

يولي الرئيس التركي لإفريقيا مكانة خاصة في تعاملاته الخارجية، ما قد يجعلها قاطرة للنمو الاقتصادي لأنقرة، والاهتمام التركي ليس وليد اليوم، إذ تطورت العلاقات الاقتصادية بين تركيا والقارة السمراء، خلال فترة ما بين عامي 2011 و2015، وذلك بالتزامن مع زخم العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين.

ووصل حجم الصادرات التركية إلى دول القارة الإفريقية خلال نفس الفترة، إلى نحو 64 مليار دولار، فيما بلغ حجم التجارة الخارجية 93.8 مليار دولار، فيما سجلت صادرات تركيا إلى إفريقيا بين يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2016 نحو 10.4 مليارات دولار.

على الجانب الآخر، تعد تركيا ثالث دولة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية للقارة السمراء بعد الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تجاوز حجم المساعدات التركية الـ800 مليون دولار منذ العام 2012.

ولم يدخر أردوغان جهدًا في محاولة تعزيز هذه العلاقة، إذ زار إثيوبيا وجيبوتي في يناير (كانون الثاني) 2015، كما زار الصومال ثلاث مرات في الأعوام (2011 – 2015 – 2016)، وفي مارس 2016، زار كلًّا من: ساحل العاج، وغانا، ونيجيريا، وغينيا، وفي يونيو (حزيران) 2016، قام الرئيس التركي بزيارة أوغندا وكينيا.

وجاءت الجولة الأخيرة لأردوغان في إفريقيا بالشهر الماضي يناير (كانون الثاني) 2017، والتي شملت تنزانيا وموزمبيق ومدغشقر، وخلال كل هذه الجولات نجح أردوغان في إبرام العديد من الاتفاقات الاقتصادية، إذ كان يرافقه دائمًا عددٌ من الوزراء، ورجال الأعمال الأتراك.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن ورثة الدم التركي في إفريقيا؟

الجولة الإفريقية الأخيرة لأردوغان تمخضت عن توقيع 19 اتفاقية بين تركيا في مجالات مختلفة، أبرزها السياحة والدفاع والطاقة والبنية التحتية، وذلك بإشراف مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية، بالإضافة إلى نحو 150 من رجال الأعمال الأتراك.

وكذلك في الخليج

تشهد العلاقات التركية الخليجية تطورًا كبيرًا، بخاصة خلال الأشهر الماضية، إذ انعقد نحو 12 قمة تركية خليجية جمعت أردوغان بقادة دول الخليج، تضمنت 6 قمم مع قادة السعودية و6 قمم مع باقي أمراء دول الخليج.

وكانت آخر جولات أردوغان الخارجية برفقة وفد كبير يضم عددًا من رجال أعمال، إذ شملت الجولة كلًّا من مملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، وقطر، إذ يصل إجمالي صادرات تركيا لهذه الدول نحو 33 مليار دولار.

قال الرئيس التركي إن هدف جولته الخليجية هو «الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى أعلى المستويات، وكذلك البحث في إمكانية العمل المشترك في شتى الميادين».

السعودية

تعد الرياض الشريك الاقتصادي الأكبر في المنطقة لأنقرة، باستثمار نحو 940 شركة سعودية في تركيا، 25% منها تعمل في قطاع العقارات بحجم استثمارات بلغ ستة مليارات دولار، تتوزع بين العقارات والطاقة والأغذية والنقل والمواصلات والصناعة.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية في 2016 نحو 5.65 مليار دولار، بالإضافة إلى بواقي صادرات تركية للسعودية بلغت 3.2 مليار دولار، مقابل واردات من المملكة بقيمة 2.5 مليار دولار، بحسب بيانات أرسلها ممثل وكالة دعم وتشجيع الاستثمار التركية في السعودية ومنطقة الخليج.

قطر

على مدار 30 شهرًا جمعت 12 قمة تركية قطرية الرئيس التركي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وذلك منذ 28 أغسطس (آب) 2014، وهو رقم قياسي في تاريخ العلاقات بين تركيا ودول الخليج، إذ وُقّعت أكثر من 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم وتعاون لتعزيز التعاون بين الدولتين.

ودخل اتفاق تركي قطري بشأن الإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول لحملة جوازات السفر العادية حيز التنفيذ منذ 28 مايو (آيار) 2016، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو مليار و300 مليون دولار في العام الماضي، في ظل توقعات بتصاعد هذا الحجم، في ظل التعاون المتنامي بين البلدين.

اقرأ أيضًا: بعد «التوافق المثالي».. ماذا عن المستقبل القريب للتوافق القطري التركي؟

وتستثمر الشركات التركية نحو 14 مليار دولار في الدوحة، وفي المقابل تحتل الاستثمارات القطرية في تركيا المرتبة الثانية من حيث حجمها حيث تبلغ نحو 20 مليار دولار، وتتركز تلك الاستثمارات في قطاعات الزراعة والسياحة والعقار والبنوك.

وتعد قطر من أكبر المشترين للأصول المالية في تركيا، إذ يستحوذ بنك قطر الوطني، على حصة بنسبة 99.81% في بنك اليونان الوطني «فينانس بنك»، كما يمتلك البنك التجاري القطري حصة قدرها 75% من (ألترناتيف بنك).

الإمارات

شهدت العلاقات التركية الإماراتية نقلة نوعية مؤخرًا بعد فترة فتور في العلاقة بين البلدين حتى أُذيب الثلج بينهما تدريجيًا عبر محطات بارزة حققت جميعها نتائج مُثمرة. وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قد زار الإمارات في 25 أبريل (نيسان) الماضي، وظهرت نتائج هذه الزيارة من خلال عودة السفير الإماراتي إلى تركيا بعد شهرين من زيارة أوغلو.

وانتعشت الاستثمارات الإماراتية المباشرة في تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشل، إذ أعلنت شركة إعمار العقارية الإماراتية في أغسطس (آب) الماضي، عن الافتتاح المبدئي لمتنزه في مدينة أنطاليا السياحية في تركيا على مساحة تصل إلى 639 ألف متر مربع، تبلغ قيمته مليار دولار، بالتعاون مع مجموعة فنادق «ريكسوس» العالمية.

وتستثمر «مجموعة أبراج كابيتال» الإماراتية، التي تدير أصولًا قيمتها 9 مليارات دولار وتمتلك مكتبًا في مدينة إسطنبول، نحو 900 مليون دولار منذ عام 2007 في السوق التركية.

فصل الاقتصادي عن السياسي

وما يتضح من التحركات التركية الحالية، محاولة الفصل بين السياسي والاقتصادي، ويبرز هنا الحديث عن مصر وإسرائيل، وهما دولتان لا يوجد بينهما وبين تركيا توافق سياسي إلى حد كبير، إلا أن تركيا تسعى للحفاظ على العلاقات والمصالح الاقتصادية معهما، بصورة كبيرة، فكما يقول الخبير الاقتصادي المصري أحمد ذكرالله، فإن «السياسة التركية تقوم على أسس برجماتية تعلو فيها مصالح الشعب التركي، وبخاصة الاقتصادية منها، على العوامل السياسية، إذ نجد أن الخلافات السياسية بين القيادة التركية وأي دولة أخرى، لم تقف أمام استمرار التبادل التجاري».

هل يُمكن القول إذًا إنّ الدوافع الاقتصادية باتت مُؤثرًا أساسيًا في بناء تركيا لعلاقاتها الخارجية؟ ذكرالله يُؤكد على ذلك، لافتًا إلى أن الأزمة التي تمر بها تُركيا لابد وأن تدفعها نحو ذلك، بخاصة وأن الليرة التركية فقدت 35% من قيمتها خلال أقل من ثلاثة أشهر.

إسرائيل

ويُمكن رُؤية هذه السياسة التركية في العلاقات مع إسرائيل، التي وصلت إلى قمة توترها في أعقاب حادث سفينة مرمرة، مع ذلك «استمرت العلاقات التجارية بينهما كما كانت، بل زادت حركة التبادل التجاري»، وفقًا لذكرالله.

في الثامن من فبراير (شباط) الجاري وبهدف التعاون الاقتصادي زار وزير السياحة التركي نابي أوجي إسرائيل في أول زيارة لوزير تركي منذ عام 2010، إذ التقى أوجي نظيره الإسرائيلي ياريف ليفين في تل أبيب، وهناك أكّد على أن بلاده «تستقبل السياح الإسرائيليين بأفضل صورة»، في إشارة واضحة إلى مساعي تركيا لجذب المزيد من السائحين في ظل تدهور السياحة التركية مؤخرًا، إذ تمثل تركيا وجهة سياحية للإسرائيليين الذين يمضي عشرات آلاف منهم سنويًا إجازات فيها.

مصر

في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، وخلال زيارة تجارية تركية إلى مصر أكّد أتيلا أتاسيفين، رئيس جمعية رجال الأعمال الأتراك والمصريين، على استعداد رجال أعمالٍ أتراكٍ لضخ استثمارات جديدة في مصر بقيمة خمسة مليارات دولار في الفترة المقبلة. وتعد هذه الزيارة تحولًا في العلاقات التركية المصرية، كما أنها تظهر مساعي أنقرة لتحسين علاقاتها الاقتصادية بعيدًا عن الخلافات السياسية.

وخلال زيارة الوفد التركي نظم الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية بالقاهرة، منتدى الأعمال المصري التركي، إذ دعت «الغرف التجارية» التركية والمصرية، إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين أنقرة والقاهرة.

هذا وتستهدف جمعية رجال الأعمال الأتراك المصريين، زيادة حجم التبادل التجاري بين القاهرة وأنقرة بنسبة 10% بنهاية 2017، إذ قدر أتللا أتاسيفين، حجم التبادل التجاري بين البلدين بنحو 4.1 مليارات دولار في 2016، بواقع 2.7 صادرات تركية و1.4 مليار واردات.

محاولة الانقلاب نقطة تحول

تعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في تركيا يوم 16 يوليو (تموز) 2016، نقطة فارقة في تعامل البلاد مع الخارج على المستوى الاقتصادي بشكل خاص، إذ قال أردا أرموت، رئيس وكالة دعم الاستثمار والترويج التابع لرئاسة الوزراء التركية (TYDTA)، إن 56% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بلاده خلال العام الماضي، جاءت عقب محاولة الانقلاب.

ورغم أن 2016 كان عامًا صعبًا بالنسبة لتركيا والعالم كذلك، إلا أن أنقرة شهدت انتعاشًا قويًا في الاستثمارات الأجنبية خلال الربع الأخير من 2016، تمكنت خلاله من جذب 3.6 مليارات دولار، استثمارات أجنبية، بحسب أرموت.

ومع مطلع 2017 تعمل تركيا بشكل موسع على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، إذ دعا وزير التنمية، لطفي ألوان، المستثمرين الأجانب للقيام باستثمارات في تركيا، قائلا: «2017 جذاب للغاية، نقدم مزايا هامة لمن يقوم باستثمارات هذا العام»، فيما رأى قوة الأسس التي يستند إليها الاقتصاد التركي، مطالبًا المستثمرين بالثقة في بلاده واقتصادها.

عبد الحافظ الصاوي، المحلل الاقتصادي، قال «إن محاولة الانقلاب الفاشلة، تسعى تركيا إلى تعميق استراتيجيتها المعتمدة منذ بداية نهضتها الاقتصادية بعدم تركز علاقاتها الاقتصادية على الدول الأوروبية وأمريكا والتوجه شرقًا».

ويرى الصاوي أنه بالإمكان زيادة حجم توجه علاقاتها الاقتصادية والمالية نحو بعض الدول العربية الحليفة لتركيا، والصين وإفريقيا ودول الآسيان، وهو ما قد يقوي من موقف تركيا في تغيير وجهتها الاقتصادية، إذ ستتمكن من الانطلاق بشكل أفضل في ظل تخلصها من أعباء الكيان الموازي، على حد قوله.

عرض التعليقات
تحميل المزيد