أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فرض حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وسط تطمينات رسمية، وهو الأمر الذي أثار التساؤلات حول ما يعنيه هذا القرار، الذي يأتي في سياق أوسع إجراءات رسمية صارمة تتخذها السلطات التركية منذ إفشال محاولة الانقلاب العسكري في تركيا.

تطمينات رسمية: لتعزيز قيم الديموقراطية ولن تؤثر على الحياة اليومية

أعلن أردوغان، في خطاب للشعب، نقله التلفزيون الرسمي مساء الأربعاء 21 يوليو (تموز)، عن فرض حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر، وقال إنه طلب من الحكومة إعلان حالة الطوارئ في البلاد، لافتًا إلى أن القرار يتوافق مع المادة 120 من الدستور التركي، و اتُّخذ في اجتماع المجلس القومي الذي ترأسه بنفسه واستمر لخمس ساعات.

وخلال إعلان القرار، في الخطاب الذي ألقاه من العاصمة التركية أنقرة، أرسل الرئيس التركي رسالة تطمين للشعب التركي بشأن القرار، وقال إن إعلان حالة الطوارئ ليس «ضد الديمقراطية والحقوق والحريات، بل جاء من أجل حماية تلك القيم وتعزيزها»، مُضيفًا «حالة الطوارئ ليست خطوة تستهدف الأنشطة الاقتصادية للمواطنين، الحكومة اتخذت التدابير اللازمة في هذا الصدد».

وشكر  أردوغان الشعب وأفراد الشرطة الذي وقفوا ضد محاولة الانقلاب، مؤكدًا إصرار الحكومة على تطهير مؤسسات الدولة مما سمّاها بـ«الفيروسات» في الإشارة إلى جماعة فتح الله كولن الذي يتهمها بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

وعقب انتهاء الخطاب، استمرت موجة التطمينات الرسمية إزاء قرار إعلان حالة الطوارئ -الذي عُرض على البرلمان التركي اليوم وحصل على الموافقة النهائية- إذ  قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: إن «القرار ليس موجهًا إلى الحياة اليومية للشعب، بل هو إجراء لتسريع عمل آليات الدولة وتنظيمها»، كما دعى يلدريم الشعب االتركي لمواصلة النزول في الشوارع والميادين، وقال «إن تجاوب الشعب لندائنا كان أكبر قوة لنا لمنع الانقلاب».

 

وفي سياق متصل، نفى نعمان قورتولموش -الناطق باسم الحكومة التركية- أن تؤثر حالة الطوارئ سلبًا على الحياة اليومية للمواطنين، لافتًا –في تصريحات صحافية – إلى أن شروط حالة الطوارئ ستُطبق فقط لـ«محاربة الكيان الموازي».
كما قال أفكان آلا، وزير الداخلية التركي، في تصريحات صحافية نقلتها صحيفة دايلي صباح التركية، إن «حالة الطوارئ لن تشكل أي تأثير سلبي على حياة مواطنينا، وإنما ستكسب عمل الدولة زخما في مكافحة الإرهاب، فلا يقلقن أحد حيال ذلك»، وبرر وزير العدل التركي القرار بقوله «إن إعلان حالة الطوارئ هدفه منع وقوع انقلاب ثان محتمل».

 

وبدوره، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن قرار فرض حالة الطوارئ جاء من أجل الأمن والديموقراطية في البلاد، لافتًا في تدوينات له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إلى أن حالة الطوارئ «هي إجراء تُطبقه أوروبا والعالم وقت الضرورة دون تردد».

 

 

ماذا يعني قرار فرض حالة الطوارئ؟

 

يمنح الدستور التركي الحق في إعلان حالة الطوارئ في البلاد، عند ظهور مؤشرات «خطيرة» لأعمال عنف تستهدف الإخلال بالنظام الديموقراطي أو الحقوق والحريات في البلاد، أو عند حدوث أزمات اقتصادية خطيرة، أو انتشار أمراض خطيرة مُعدية أو حدوث كوراث طبيعية.

ويتخذ مجلس الوزراء التركي القرار، بعد اجتماع يترأسه رئيس الجمهورية، قبل عرضه على البرلمان ليُصادق عليه، ولا تتجاوز مدة فرض حالة الطوارئ ستة أشهر، ويُمكن للبرلمان أن يمددها لأربعة أشهر إضافية في كل مرة بناءً على طلب مجلس الوزراء، في حال استمرار الظروف التي تستدعي وجودها.
وتُمكن حالة الطوارئ، بعد ذلك، السلطة التنفيذية من إصدار قوانين جديدة، قد تُقلص الحقوق والحريات أو تعلقها جزئيًا أو كليًا عند الضرورة، دون مراجعة قضائية أو برلمانية. ولكن وزير العدل التركي قال في تصريحات صحافية، اليوم الخميس « لن نتجاوز البرلمان لتمرير قوانين في حالة الطوارئ».

 

 

وتتيح حالة الطوارئ للسلطة التنفيذية، اتخاذ تدابير غير عادية واستثنائية قد تخالف الضمانات المنصوص عليها في الدستور، مثل: فرض حظر التجوال، وحظر الاحتجاجات، وحظر وسائل إعلام مسموع أو مكتوبة أو مرئية دون موافقة رسمية، وحظر أو تقييد حركة المرور برً أو بحرًا أو جوًا. ولكن اتخاذ تدابير كتلك، يجب أن يكون بمنأى عن المساس بحقوق الأشخاص المعيشية وممتلكاتهم المادية والمعنوية، كما لا يمكن تجريم شخص مُعين دون إدانته بقرار قضائي من المحكمة. . 

سياق أوسع من الاجراءات المُشددة ضد «الانقلابيين»

 

يأتي قرار إعلان حالة الطوارئ في تركيا، وسط إجراءات مُشددة اتخذتها السلطات التركية ضد من وصفتهم بـ«الانقلابين»، أو اتهمتهم بصلتهم بجماعة «كولن» سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات. بعد محاولة الانقلاب التي وقعت في مساء 15 يوليو (تموز) الجاري، وأسفرت عن مقتل 246 شخص وإصابة أكثر من 1500 آخرين، بحسب الرئيس التركي.

 

وخلال أقل من منذ محاولة الانقلاب العسكري، اعتقلت السلطات التركية 6 آلاف عسكري، وطردت 9 آلاف شرطي من عملهم، وأوقفت 3 آلاف قاضٍ عن العمل، واستبعدت أكثر من 250 مسؤولًا وموظفًا من مكتب رئيس الوزراء التركي، وطردت 1500 موظف من وزارة المالية، و492 من مديرية الشؤون الدينية. وسحبت تراخيص أكثر من 24 محطة إذاعية وتلفزيونية بتهمة صلتها بجماعة كولن.
وبموجب نفس التهمة، أعلنت وزارة التعليم التركية وقف 15 ألف موظف عن العمل، كما سحبت تراخيص عمل 21 ألف مدرس في معاهد خاصة، ودعت أكثر من 1500 عميد كلية وجامعة لتقديم استقالتهم. وأعلن نائب رئيس الوزراء التركي، اليوم، ملاحقة أكثر من ألف عسكري في تحقيقات الانقلاب

 

ولم تتوقف إجراءات الحكومة التركية عن هذا الحد، وإنما امتدت لدراسة الحكومة التركية   إعادة تفعيل عقوبة الإعدام، وهو قرار  لن يمر إلا بموافقة البرلمان التركي، وأثار  طرحه ردود أفعال أوروبية وغربية غاضبة بإعلان مسؤولين من الاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا ، بأن الاتحاد الأوروبي لن يسمح  بانضمام تركيا له في حال تفعيل عقوبة الإعدام.

كما حث وزير  الخارجية الأمريكي جون كيري تركيا  على «التمسك بأعلى معايير الاحترام للمؤسسات الديمقراطية وحكم القانون» لافتًا في تصريحات صحافية « لحلف الأطلسي متطلبات واضحة بخصوص الديمقراطية، وأنه (أي الحلف) سيراقب بدقة ما يحصل في تركيا.» وهو ما اعتبرته صحيفة الانبندنت البريطانية تهديدًا بإسقاط عضوية تركيا من الحلف الأطلسي.

 

وينفي أردوغان استغلال محاولة الانقلاب الفاشلة في قمع معارضيه، ويدافع عمّا يسميه ب«حملة تطهير» مؤسسات الدولة. وخلال خطاب الإعلان عن حالة الطوارئ، استبق الرئيس التركي الانتقادات الأوربية والغربية المحتملة من هذا القرار، وقال «لا يحق للاتحاد الأوروبي  أن ينتقد إعلان حالة الطوارئ في تركيا.. عليهم الانشغال بأنفسهم»

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد