سُمي «التُرك» منذ آلاف السنين، إذ تُرجع المصادر التاريخية، أول ذكر للكلمة في إشارةٍ إلى عرق مُعيّن، إلى ما قبل الميلاد بنحو 500 عام، في أعمال المُؤرخ الإغريقي هيرودوت. والتُرك عرق ينحدر أصله من هضبة الأناضول، وإلى الآن يسكنونها في حدود دولة تُركيا.

وخلال الزمن المديد، ارتحل الأتراك إلى بقاع العالم، لظروف التجارة والمعيشة، أو ظروف الغزو العسكري، بخاصة مع قيام الدولة العُثمانية، ومن ثَمَّ توسعاتها.

وفي بلاد الشرق ينتشر ذوو الأصول التُركية، كما هي الحال مع معظم أجناس الأرض التي تداخلت دماؤها، وأطّرتها حدود الدولة القومية الحديثة، والمواطنة. إلا أنّ ذوي الأُصولِ التُركية في بلد إفريقي، لا زالوا إلى الآن يحتفظون بُسلطان العُثمانية القديمة.

مملكة أغاديز

في عهد الممالك الإفريقية، فيما قبل الاستعمار الأجنبي، كان من بين ممالك ما تُسمى الآن بالنيجر، مملكة أغاديز، التي أصبحت إحدى المناطق السبعة الكُبرى المُكوّنة للنيجر. الغالبية العُظمى من سُكان أغاديز، هم من الطوارق، مع خليط من الأفارقة وذوي الأصول العربية، بالإضافة إلى «ورثة الدم التُركي».

ويُرجّح أن المدينة قد اُنشأت في القرن السادس الميلادي على يد طارقي، كمركزٍ تُجاري يربط طُرق التجارة بين أطراف إفريقيا، وإن كانت بعض المصادر الأُخرى، تقول إنّها أُسست في القرن 12 ميلاديًا، لكن المُتّفق عليه، على كُل حال، أنها أُسست على يد الطوارق، والأمازيغ، وقد وصفها العالم المُسلم الإفريقي، أحمد بابا التمبكتي (توفي في القرن 17 ميلادي)، فقال إنّها «معمولة من قبائل صنهاجة»، وهي من كُبريات شعوب الأمازيغ.

هُناك في هذه المدينة الإفريقية العريقة، بدأت حكاية النسل التُركي، الذي تلوّن باللون الإفريقي، لكنه عاش إلى الآن بفخر النّسب، وذكرى التاريخ.

إسطنبولاوا

لا يبدو أن النفوذ التُركي المتصاعد في إفريقيا، وليد التاريخ الحديث فقط، إذ إنّ له جذوره التاريخية المصاحبة للتوسعات العُثمانية، أو ما يُمكن اختصاره في «إسطنبولاوا»، اللقب المُطلق على أحفاد السُلطان يُونس، أول سلاطين مملكة أغاديز.

وإسطنبولاوا اسم بلغة «هوسا» المحليّة، نسبة إلى مدينة إسطنبول التُركية، يُطلق على ذويي الأصول التُركية، أو من يُسمون أنفسهم بـ«ورثة الدم التُركي»، وهم حفدة السلطان يُونس، وكان أميرًا مُبتعثًا من السلطان العُثماني في القرن 15 ميلادي لضبط الأمور في منطقة ممالك قلب الصحراء الكُبرى، وبخاصة في مملكة أغاديز التي نالها آنذاك، من الهجمات ما نالها، لمركزها الاقتصادي.

ورثة الدم

المسجد الكبير في مدينة أغاديز


يقول أحد أبناء طائفة الإسطنبولاوا، لوكالة أنباء الأناضول التركية، ويُدعى مُصطفى القاضي عُماني، إنّ الأمير يُونس التُركي (والذي لم نقع على سيرته)، أخضع قبائل وساكنة أغاديز وما حولها، وجُعل عليهم سُلطانًا، وقد تزوّج من بنات أغاديز وأنجب نسله، الذي يُقدّر عددهم الآن بنحو 100 ألف نسمة، وفقًا لمصطفى القاضي عُماني.

لا تظهر على الإسطنبولاوا أي علامات بادية على أصلهم التُركي، وقد اختلط عرقهم بالأفارقة والطوارق والأمازيغ، وعاشوا حياتهم، وتهيأوا بهيآتهم، لكنهم في المُقابل احتفظوا بإشارةٍ واحدة إلى أصولهم، مُتمثّلة في عمامة مميزة، يرتديها رجال ورثة الدم التُركي، رمزًا لنسبهم، وحسبهم، كزعماء يخضع قادة القبائل والعشار في مناطقهم، لأمرهم، كما يقولون.

ومُصطفى القاضي نفسه زعيم في منطقة تاهوا، وهي المنطقة الثانية من حيث انتشار ورثة الدم التُركي، وقد فرضت زعامته المحليّة، تمثيلًا لقومه وبلاده عند أتراك العصر الحديث، وهو يُؤكد على أنّهم قومُ الإسطنبولاوا نقطة التقاء أساسية، في العلاقات التركية الإفريقية.

النفوذ التركي في إفريقيا

في إطار توسعاتها الطموحة في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة الدولة العثمانية قديمًا، تسعى تُركيا الحديثة إلى تعزيز وجودها في القارة السمراء.

هذا التوجّه بدأ مع «عام الانفتاح التركي على إفريقيا»، كما أعلنته تُركيا، وهو عام 1998، قبل أن يزيد الانفتاح مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، قبل أن يتعاظم أمره خلال السنوات الأخيرة، مُتوّجًا سلسلة من الزيارات رفيعة المستوى إلى القارة السمراء، على رأسها الزيارات المتكررة للرئيس التُركي رجب طيّب أردوغان.

وخلال أكثر من عقد من الزمان، استطاعت تُركيا بالفعل أن تجد لها موطئ قدم مميز في أفريقيا، بخاصة بعد أن أصبحت عُضوًا مراقبًا في الاتحاد الإفريقي منذ عام 2008، وكذلك مع شبكة الاستثمارات الواسعة في أنحاء القارة، إذ تُقدّر إجمالي الاستثمارات التركية في إفريقيا بأكثر من ستة مليارات دولار.

ومع حلول عام 2013، أخذت العلاقات منحى جديدًا، تضاعفت فيه المنح والمساهمات الخيرية والإغاثية من تُركيا إلى إفريقيا، على خلفية توتر العلاقات بين الحكومة التركية وجماعة الخدمة، التابعة لفتح الله كولن.

ورثة الدم

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (يمين) ورئيس النيجر محمد بين يوسوفو (يسار) في إسطنبول (مصدر الصورة: odaii.com)


وخلال سنوات الربيع بين الحكومة التركية التي يُشكلها حزب العدالة والتنمية، وبين جماعة فتح الله كولن، كانت مهمة تعزيز الوجود التُركي في إفريقيا، مُوكلة للجماعة التي يُعرف عنها تملكها اقتصاديات قوية، وانتشار واسع، لكن مع حلول عام بِدء الخلاف بين الحكومة والجماعة، كان لابد للحكومة أن تُغيّر من سياستها في القارة التي تعتبرها استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى.

على إثر ذلك، ولتعزيز وجودها الرسمي في مقابل نفوذ جماعة فتح الله كولن، عملت الحكومة التركية، خلال السنوات القليلة الماضية، على ضخ مئات الملايين من الدولارات في إفريقيا، على هيئة منح وهبات ومساعدات إنسانية، ومساهمات في المشاريع التنموية، من ذلك مشاريع وكالة التعاون والتنسيق التُركية (تيكا) في النيجر.

وفي ظل هذا السعي التركي الحثيث لتمتين العلاقات مع القارة السمراء، فلن يكون هُناك أفضل من التأكيد على جذور العلاقات الضاربة في التاريخ، منذ القرن 15 ميلاديًا، كما فعل أردوغان خلال مُؤتمر صحافي جمعه مع رئيس النيجر محمد بين يوسوفو، عام 2012. كما لن يكون ثمّة أفضل من لفت الانتباه إلى ورثة الدم التُركي، أو الإسطنبولاوا باعتبارهم «دليل على العلاقات التاريخية»، بتعبير أردوغان أيضًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد