لم تهيمن القضايا السياسية المتعلقة بالطرفين رغم أهميتها في الوقت الحالي على لقائهما كثيرًا، لكنها قد تكون مدخلًا أساسيًّا لإذابة بعض الخلافات بينهما لا سيما الصراع السوري، وإيجاد نقاط التقاء عبر تعزيز العلاقات الاقتصادية.

رغم الخلاف السياسي بين تركيا وإيران في العديد من ملفات منطقة الشرق الأوسط، إلا أن ذلك لم يمنع فرص التقارب الاقتصادي والتجاري أكثر، وهو ما تم ترجمته فعليًّا عند زيارة رئيس الحكومة التركية، داود أوغلو، طهران، للمرة الأولى منذ توليه المنصب، قبل عامين، أواخر الأسبوع الماضي.

لم تهيمن القضايا السياسية المتعلقة بالطرفين، رغم أهميتها في الوقت الحالي، على لقائهما كثيرًا، لكنها قد تكون مدخلًا أساسيًّا لإذابة بعض الخلافات بينهما، لا سيما الصراع السوري، وإيجاد نقاط التقاء عبر تعزيز العلاقات الاقتصادية.

ومن المتعارف عليه أن إيران وتركيا من القوى العظمى بالمنطقة، وأثرتا بشكل كبير في العديد من القضايا العربية المتأزمة سياسيًّا وأمنيًّا، على خلاف تعاطيهما معها. لكن ذلك لم يمنعهما من بناء علاقات متينة، والمعروفة بمعاملات «الغاز مقابل الذهب».

ازدهار اقتصادي بينهما بعد رفع العقوبات عن إيران

إشادة أوغلو بتاريخ العلاقات الاقتصادية مع إيران، جاء بحكم الترابط الاقتصادي بينهما، وعمليات التبادل التجاري التي لم تنقطع، إلا أنه من المرجح ارتفاعها بعد رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران مؤخرًا.

فضلًا عن دعوته إلى رفع مستوى التعاون بينهما، بما في ذلك التبادل التجاري ليصل إلى 50 مليار دولار خلال الأعوام الثلاثة القادمة، للتنافس مع الاقتصاد العالمي، وهو ما يعني أن البلاد في طريقها إلى ازدهار اقتصادي، من خلال خفض النفقات في مجال الطاقة وتعزيز التوازن التجاري في البلاد.

حالة الانتعاش بين الدولتين توقعها ممثلو قطاع العقارات في تركيا قبل شهر ونيف من الآن، من خلال ازدياد الاستثمارات الإيرانية في تركيا بعد رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، بنسبة 50% على الأقل، بخاصة وأن حجم التجارة في تركيا بلغ نحو 22 مليارًا عام 2012، ثم تراجع بشكل حاد إلى أقل من النصف العام الماضي مع تشديد العقوبات الدولية على طهران.

إلى جانب أن تكون تركيا الوجهة الأولى للمستثمرين الإيرانيين الذين سيرتاحون في مسألة التحويل الدولي للأموال، والأعمال المصرفية، والاستثمارات، لا سيما وأن الإيرانيين هم من أكثر الأجانب شراءً للعقارات في تركيا.

والجدير ذكره أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، قد أعلنا في 16 يناير (كانون الثاني) من العام الجاري، رفع العقوبات الاقتصادية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، عقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران امتثلت للالتزامات المطلوبة بشكل يتناسب مع الاتفاق النووي.

تفاصيل مجريات الزيارة، لفتت إلى بحث ملفات النقل البري والجوي والسكك الحديدية بينهما، وتعزيز الروابط بين مرفأي «مرسين» و«طرابزون» في تركيا، و«بندر عباس» في إيران من خلال خطيْ قطارات سريعة في البلدين، إلى جانب توقيع صفقة جديدة تشمل تصدير الغاز إلى تركيا بأسعار تفضيلية.

بالإضافة إلى إيجاد رؤية مشتركة لإنهاء القتال بين بعض دول منطقة الشرق الأوسط، ووقف الصراعات العرقية والطائفية، مع ضرورة الحفاظ على الإرث التاريخي والجغرافي الذي يحكم البلدين منذ عقود عدة.

طبيعة العلاقة الاقتصادية بين تركيا وإيران

تشير مراكز اقتصادية مختصة إلى أن تركيا تطمح إلى رفع مستوى تعاونها على الأصعدة التجارية والاقتصادية والصناعية مع جارتها الشرقية إيران، عقب رفع العقوبات عنها، ليشمل مجالات النفط والغاز والتجارة؛ كي يرتفع حجم التبادل الاقتصادي بين البلدين من 14 مليار دولار إلى 30 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة المقبلة.

وخلال السنوات القليلة الماضية، وتحديدًا عام 2012 كشفت مصادر إيرانية أن التجارة بين البلدين بلغت 22 مليار دولار، في حين تراجعت إلى 20 مليار دولار في 2013.

وحينها وضع رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، عبر زيارة له، حجر الأساس في اتجاه تحسين العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ وقّع اتفاقية تجارية تفضيلية تهدف إلى مضاعفة حجم التبادلات التجارية بين البلدين، من 13.5 مليار دولار سنويًّا 2014 إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2015.

وهذا ما يفسر أن تركيا كانت المتنفس المهم لإيران بسبب العقوبات المفروضة عليها، حيث إنّ القرب الجغرافي ترتب عليه انخفاض ملحوظ في نفقات النقل والتأمين على حركة السلع والأفراد بينهما، ومثّل منفذًا للهروب من الحصار الخانق على إيران.

ومن أبرز أوجه التجارة بين البلدين هي تجارة «الغاز مقابل الذهب»، والتي تعد شريان حياة ماليًّا لطهران، حيث تستفيد تركيا من صادرات الذهب كوسيلة للدفع بشكل غير مباشر لإيران، مقابل الحصول على غاز طبيعي يساعد في النهضة الصناعية.

مورست العديد من الضغوط الدولية على تركيا لقطع علاقتها الاقتصادية والسياسية مع إيران، وقت تعنتها ببرنامجها النووي، ما دفع الأولى إلى التخفيف من التبادل التجاري حتى لا تكون هي الأخرى تحت حصار اقتصادي، وفرض عقوبات جديدة، لمواقفها مع إيران آنذاك.

لكن ثمة من يرى أن النهج التركي في الانفتاح على إيران بالدرجة الأولى، هو البعد الاقتصادي، الذي يلعب دور البوصلة في توجيه المصالح التركية بالمنطقة، بغض النظر عن المواقف السياسية الخلافية.

وهو ما يفسر الحالة الاضطرارية لتركيا، بتوطيد العلاقة أكثر مع إيران، بعد أن شهدت توترًا مع عدد من دول المنطقة، وما أفرزته «ثورات الربيع العربي»، في السنوات الخمس الأخيرة.

لذلك، فإن العلاقات الاقتصادية بينهما ستشهد مرحلة جديدة من النمو والازدهار، لا سيما مع انحسار علاقات تركيا مع دول المنطقة العربية، وتحديدًا دول مجلس التعاون الخليجي، حيث كانت إيران بمثابة بوابة تركيا إلى الأسواق الخليجية.

ملفات الخلاف بين إيران وتركيا في المنطقة

إذن في الاقتصاد لا إشكاليات بين البلدين، وإن كانت التجاذبات السياسية قد أثرت في العلاقات في بعض الأوقات، وانخفضت وتيرة التجارة بينهما، لكنها قد تعود بقوة خلال المرحلة المقبلة بعد زيارة أوغلو الأخيرة لإيران.

ظهر أحدث الخلافات السياسية في المواقف بينهما، حينما أيدت تركيا قرار العملية العسكرية التي تقودها السعودية ضد معاقل الحوثيين في اليمن، مارس (آذار) العام الماضي (2015)، بمشاركة عشر دول عربية، وهو ما لم يرق لإيران، بخاصة حينما استعدت الأولى تقديم الدعم لوقف ما أسمته «هيمنة إيران» على الشرق الأوسط.

خلاف سياسي آخر أفصح عن تزعزع العلاقة بينهما، وهو الموقف من الصراع الدائر بسوريا، حيث وقفت تركيا داعمة للمعارضة المناهضة لحكم رئيس النظام السوري بشار الأسد، واعتبرت أن حل ما يجري يكمن في رحيل الأسد.

في المقابل وقفت إيران كداعم قوي للنظام السوري، ومساندته في القضاء على ما أسمته بـ«الإرهاب»، فحشدت العديد من قواتها بمساندة مباشرة من حزب الله اللبناني، وتغولت بقوة حتى اللحظة.

سبق الصراع السوري، ما جرى في العراق والتغلغل الإيراني داخل معظم المدن، وما زاد من حدة التوتر بينهما أن تركيا عقدت تحالفات مع أكراد العراق، من أجل ضمان نفوذها في شمال العراق وخلق نفوذ موازٍ للنفوذ الإيراني في العراق.

إلى جانب دعم إيران للميليشيات الشيعية ضد السنة في العراق، وهو ما جعل تركيا تدعو مرارًا وتكرارًا إلى سحب القوات من الأراضي العراقية، لا سيما بعد تمدد تنظيم الدولة الإسلامية داخل الأراضي العراقية، والحدود التركية.

ويبقى السؤال الأبرز حيال ما يجري بين الدولتين خلال السنوات القليلة الماضية: هل يمهد توطيد العلاقة التجارية والاقتصادية بين تركيا وإيران لإنشاء أرضية سياسية تضمن رؤية موحدة لإنهاء بعض الملفات العالقة بينهما، لا سيما السورية والعراقية، أو الموافقة على صيغة تشاركية؟ أم أن خلافات السياسة لا دخل لها بالعلاقات الاقتصادية؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد