تشهد تُركيا منذ نحو عامين توترًا تصاعدت حدّته في الآونة الأخيرة، على خلفية عدة قضايا مُتشابكة ما بين الداخلية والخارجية، وبصورة شديدة التعقيد، ألقت بظلالها على الساحتين السياسية والأمنية في البلاد.

يُمكن القول إنّ هذه التوترات بدأت مع بداية احتجاجات ميدان تقسيم في مايو 2013. خلفية الاحتجاجات لم تكن على قدر ما آلت إليه نتائجها. بدأت تلك الاحتجاجات ضد خُطّة حكومية لتطوير ميدان تقسيم، تضمّنت إزالة أشجار مُنتزه جيزي التاريخي، بُغية إقامة مُجمّع تجاري على أنقاض ثُكنة عسكرية تعود للعهد العُثماني.

بدأت الاحتجاجات من نشطاء بيئيين ضد إزالة أشجار تقسيم. بعد وقت تدخّلت الشُرطة التركية لإخلاء الاعتصام الذي أقامه المُحتجّون. الاشتباكات التي دارت بين الشرطة التركية والمحتجين أسفرت عن وقوع قتلى ومُصابين، بينهم طفل يبلغ 15 عامًا تقول المُعارضة إنّه كان في طريقه لشراء أغراضٍ منزلية ولم تكن له علاقة بالتظاهرات.

الطفل الذي لقيَ حتفه بعد عدة شهور (مارس 2014) مُتأثرًا بإصابته، أصبح كأيقونة استخدمتها المُعارضة للإشارة إلى توحّش السلطات التركية في استخدام القمع الأمني.

ورُبما لا يخفى على أحد الجذور التاريخية الأيديولوجية للصراع المُستمر بين أطياف المُعارضة، ونظام حزب التنمية والعدالة الذي يُعتبر الممثل الأقوى للإسلام السياسي في تُركيا. لكنّ أعوامًا من النمو الاقتصادي التي حققتها حُكومات العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أُردوغان كانت كفيلة باستقرار وضعه بشكل كبير، قبل أن تندلع أحداث تقسيم التي جرّت معها توترات لم تتوقف إلى الآن، تقاطعت أخيرًا بعوامل خارجية؛ ما فتح الباب على مصراعيه على احتمالات مُريبة لمُستقبل تُركيا القريب.

1- هل هو إصرار “أردوغاني” على حكومة الحزب الواحد؟

الإصرار الباطني الذي أبداه حزب العدالة والتنمية على الانفراد بالحكم في تُركيا، أفشل أي مسيرة نحو تحالف مُحتمل مع كُتلٍ حزبية داخل برلمان يونيو الماضي، الذي فشل بدوره في الخروج بحكومة ائتلافية لعدم حصول أي حزب على النسبة الكافية لتشكيل حكومة الحزب الواحد.

العدالة والتنمية الذي حصل على النسبة الأعلى من مقاعد البرلمان، خسر نحو 3 ملايين من الأصوات التي اعتادت جعله يفوز بنسبة تفوق 50%، ما جعله رهن التحالف مع حزب آخر لتشكيل الحكومة. ولأنّ المهلة المحددة بالدستور التركي انتهت دون الوصول إلى تشكيل ائتلاف داخل البرلمان؛ دعا الرئيس رجب طيب أردوغان إلى إعادة الانتخابات البرلمانية في نوفمبر القادم، على أملٍ بأن يُعوّض الحزب ما خسره في الانتخابات الماضية.

رجب طيب أردوغان


الكثير من الاحتمالات وقتها، دفعت إلى تحالف مُنتظر بين العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديموقراطي، الذي يُمثّل الظهير السياسي للأكراد التُركيين. ورغم مُعارضته للعدالة والتنمية والنموذج “الأردوغاني” في التعامل مع قضايا الأكراد، إلا أن حزب الشعوب يُؤكد رفضه العنف المُسلح الذي يتبناه حزب العُمال الكُردستاني.

ورغم أن المعارضة التركية تذهب إلى اعتبار أن العدالة والتنمية هو من سعى لإفشال أي محاولة لتشكيل حكومة ائتلافية بُغية السيطرة المُنفردة على الحكومة، وهو ما تُشير إليه بعض التحليلات المُحايدة نسبيًّا؛ إلا أنّ رأيًا آخر يعتبر أن المصلحة الاقتصادية لتُركيا تتعارض والحكومات الائتلافية.

مُتبنو هذا الرأي يُحاجون عليه بأنّ الفترة التي شهدت فيها تُركيا حكومات ائتلافية، صاحبتها مُعدلات نمو مُنخفضة كثيرًا مُقارنة بمعدلات النمو التي حققها حزب العدالة والتنمية مُنفردًا في الحُكم، مُتوقعين فشل أي ائتلاف حُكومي قد ينشأ في ظل الصراع غير الخفي بين الأحزاب التُركيّة، التي يرى كل واحد فيها أحقيته في المُشاركة في الحكومة مع العدالة والتنمية.

على كُل حال فإنّ الائتلاف كان مصيره الفشل، وتمت الدعوة بالفعل لإعادة الانتخابات. لكن بيت القصيد هو ما تحتمه الضرورة من رؤية هذا الأمر في سياق إعادة إنتاج الحرب بين الدولة التُركية، وحزب العُمال الكُردستاني المُدرج على قوائم الإرهاب في كل من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

2- إلى أين سيتّجه “العنف” بتركيا؟

في يوليو الماضي أعلن حزب العُمال الكُردستاني إنهاءه الهدنة المُبرمة بينه وبين السلطات التركية لوقف إطلاق النيران مُنذ مارس 2013، وذلك إثر هجمات جوية تُركية ضد مواقع في شمال العراق، قال حزب العمال إنّها تابعة له. ورغم أنّ السلطات التركية قد خرقت الهدنة عدّة مرات وفقًا لحزب العمال الذي لم يتخذ رد فعل في مُقابلها، إلا أنّه قرر أخيرًا إنهاء الهدنة هذه المرة.

خرق الهدنة هذه المرة، أعاد للذاكرة التركية، بخاصة الكردية، العُنف الدامي الذي استمر عقودًا قبل هدنة 2013. لكنّ هذه المرة يتصادف أنّ الحرب التركية الكُردستانية تأتي متزامنة مع الحرب التي دخلتها تُركيا ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ذي المعاقل المُتاخمة لحدود البلاد. ويُضاف إلى ذلك الجبهة المفتوحة بين قوات الأمن التركية، وبين جبهة التحرير الشعبية الثورية التركية، وهو تنظيم ماركسي مُسلح مُناهض للسياسات التُركية التي يصفها بالخاضعة للإمبريالية الغربية المُتمثلة في الولايات المُتحدة الأمريكية تحديدًا.

في تسعينات القرن الماضي (القرن العشرين) شنّت الجبهة عدة هجمات استهدفت مصالح أمريكية في تركيا، قبل أن يخفت نجمها – إلى حدّ ما- عدّة سنوات، لتعود مُجددًا بعملية انتحارية استهدفت السفارة الأمريكية في أنقرة، في فبراير 2013، سبقتها في 2012 عملية انتحارية في إسطنبول راح ضحيتها ضابط شُرطة.

وكانت من أبرز العمليات التي نفذها مُسلحون تابعون للجبهة، عملية التسلل لقصر العدل في إسطنبول واحتجاز المدعي العام التركي محمد سليم كيراز في مشهد ضجّت به وسائل الإعلام العالمية، قبل أن يلقى “كيراز” حتفه مع مُسلحي الجبهة إثر اشتباكات بينهم وبين أفراد قوات الأمن التركي.

لحظة احتجاز المدعي العام التركي

 

3- هل هي مُقدّمات تقليدية لحرب أهلية؟

هذه الأحداث المُتسارعة والمُختتمة بالمواجهات العنيفة الدائرة حتى الآن بين القوات التُركية وميليشيا حزب العمال الكُردستاني في جنوب شرق البلاد، مُخلفةً وراءها عشرات الضحايا بينهم مدنيين بحسب مصادر سياسية وصحفية محليّة؛ تفتح – بالضرورة- باب التساؤل حول إمكانية وصف ما يحدث في تركيا بالحرب الأهلية، أو على الأقل بالمقدمات التقليدية للحرب الأهلية.

كما سبق وذكرنا في تقرير سابق فإنّ مصطلح الحرب الأهلية يتسم بالعمومية، ما يُصعّب من عملية تحديد تعريف له، لكنّ الثابت في التعريفات المُتعددة، وربما المختلفة، أنّ الحرب الأهلية صراع عنيف أو مُسلح بين فريقين أو مجموعتين داخل البلد الواحد لأسباب مُتعددة، فيما يبدو أن الصراع في تركيا لا يخلو من أحدها على عدة جبهات. فمن جانب عمليات جبهة التحرر الشعبية الثورية، تقع البلاد في فخ صراع تتعلق أسبابه بالتغيير الجذري في سياسات الدولة فيما يُشبه الصراع على السُلطة الوطنية. ومن جانب حزب العُمّال الكردستاني فإن الصراع مُتعلّق بأهداف الأخير بالانفصال عن الدولة؛ وكُليهما من جملة أنواع الصراعات التي تُحسب على الحرب الأهلية.

وجدير بالذكر ما شهدته تُركيا منذ أيام قليلة من إعلان مُدن وبلديات كاملة تقع في المناطق الكردية، الإدارة الذاتية، وذهاب بعضها إلى تشكيل وحدات حماية شعبية لمجابهة القوات الأمنية التركية التي تدخلت على الفور لردع تلك التحركات باعتقال كل من أعلن أو أظهر تأييده لهذه الخطوة التي تأتي في إطار السعي نحو الانفصال.



وفي خضم المعارك المُستعرة بين القوات التركية، وميليشيا حزب العمال الكردستاني، تعرّضت مقار تابعة لحزب الشعوب الديموقراطي لهجمات واعتداءات في إطار ما وصفه الحزب بـ”حملة من التعديّات والهجمات” التي يوجِّه فيها أصابع الاتهام مُباشرة إلى الدولة التُركية مُمثلة في نظامها المُتركز في يد أردوغان حتى الآن.

وفي الوقت الذي وافق فيه عدد من الخبراء والمحليين على اعتبار أن ما يحدث في تركيا هو بمثابة “بذرة لحرب أهلية”؛ شدد رئيس حزب الشعوب الديموقراطي، صلاح الدين دميرطاش، على تحذيره من خطر انزلاق تُركيا في حربٍ أهلية، على ضوء المعارك الدائرة في المناطق الكُردية.

وفي مُقابل تصريحات دميرطاش، أصرّ رجب طيّب أردوغان على موقفه من أنّها حربٌ على الإرهاب، بل إنّه أشار ضمنيًّا إلى تصريحات رئيس حزب الشعوب حين قال إنّه “يتحدث بلسان الإرهاب”.

وبين هذه المُلاسنات السياسية والصراعات العسكرية، يعيش الشعب التركي حالة من الانقسام الحاد، الذي بدت مظاهره في اعتداءات بالجملة من قبل مدنيين ضد مقار لحزب الشعوب الديموقراطي أُضرمت النيران في أعداد منها، واقتحمت أعداد أُخرى، فضلًا عن الاعتداءات التي شنّها مدنيون على محال وعقارات تعود ملكيتها لأكراد، في مُدن ومناطق تُركية مُختلفة، وهي سمة مُميزة لبوادر الحرب الأهلية، حيث شيطنة الآخر بصرف النظر عن حقيقة مواقفه، ما دام أنّه محسوب على طرف من الأطراف بشكل أو بآخر.

ومع استمرار المعارك حتى الآن، وبالتالي استمرار وقوع الضحايا من الجانبين، وبينهما الضحايا المدنيين، بأعداد غير معلومة بدقّة؛ يبقى احتمال الحرب الأهلية واردًا وبشكل مُلح، أو كما يقول سنجيز أختار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سليمان شاه في إسطنبول:

إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فستغرق تركيا في حربٍ أهلية.

4- هل سنسمع قريبًا في تركيا هتاف “الجيش والشعب يد واحدة”؟

يرى البعض أنّ العملية العسكرية التي بدأتها تُركيا ضد حزب العمال الكُردستاني، وما سبقها من قرار إعادة الانتخابات البرلمانية، تأتي في سياق رغبة أردوغان إجراء تعديلات دستورية واسعة تحد من صلاحيات البرلمان في مُقابل توسيع دائرة صلاحيات الرئيس.

هذه التعديلات التي ستحوّل نظام الحكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي، يُمكن فهمها في سياق الصراع المستمر – مستترًا أحيانًا وظاهرًا أخرى- بين أردوغان والمؤسسة العسكرية التي ألقت بظلالها على الساحة السياسية – تقريبًا- طوال تاريخ الجمهورية التُركية.

لكن في المُقابل أيضًا، يُمكن النظر إليها باعتبارها وسيلة نحو تعزيز نفوذ أردوغان الذي استطاع بتعديلات طفيفة داخل لوائح حزبه، أن يتبوّأ مقعد الرئاسة بعد أن كان رئيسًا للوزراء على طريقة لعبة بوتين حين تناوب على كرسي الرئاسة ورئاسة الوزراء مع دميتري ميدفيدف. لكنّ المثير للاهتمام حقًّا هي الاتهامات المُوجهة لأردوغان وحزبه بافتعال الأزمة الكردية، بُغية تحقيق أهداف سياسية بحتة!

بوتين وميدفيدف


وترمي الاتهامات إلى أنّ أردوغان افتعل أزمة الأكراد بدايةً من خرق الهدنة مع حزب العمال الكردستاني بقصف مواقع تابعة له، وفقًا له، ونهاية بتأجيج الصراع من قبل أردوغان بدلًا من محاولة احتوائه، بخاصة وأنّ تركيا تخوض على جانب آخر حربًا ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وبخاصة وأن الوعود الانتخابية لأردوغان فضلًا عن البرنامج السياسي لحزبه، أكّدت على أنها ستسير في طريق تحقيق السلام مع الأكراد.

وتذهب الاتهامات إلى أنّ هدف أردوغان وحزبه من وراء إشعال الأزمة، كسب تأييد الناخبين الأتراك، المُحافظين منهم والقوميين بخاصة، الذين يُشاطرونه عداء حزب العمال الكردستاني والطموحات الكردية بالانفصال، ما يُعزز من فرص حزبه في البرلمان القادم.

لكن وعلى ما يبدو فإنّ الاتجاه الرسمي للأحزاب المُحافظة ليست هي التي قد يأملها أردوغان في حال صحّت تلك الاتهامات الموجّهة له. على سبيل المثال اتخذ حزب الشعب الجمهوري موقفًا أقرب إلى الحيادية بين الطرفين، حين أعرب عن قلقه من أن تتحول تركيا إلى عراق جديد أو سوريا جديدة، دون أن يوجه اتهامًا لأي من الطرفين.

أما القوميون ممثلون في حزب الحركة القومية اليمني، فقد دعوا إلى إعلان حالة الطوارئ مصحوبة بفرض حكم عسكري في المناطق التي تشهد معارك مُسلّحة، ما يفتح المجال للجيش بالنزول إلى الشوارع والميادين مرّة أخرى، وهو الأمر المُقلق بالتأكيد للعدالة والتنمية، بخاصة وأنّ حزب الحركة القومية، طالب أيضًا بتأجيل الانتخابات البرلمانية القادمة. هذه الانتخابات يرى حزب الشعوب الديموقراطية “استحالة” إجرائها في ظل هذه الظروف، التي وصفتها جريدة الحياة اللندنية بأنّها شبيهة بالظروف التي مهّدت لانقلاب الجنرال كنعان إفرين عام 1980.

أيّ من هذين الاحتمالين (احتمال الحرب الأهلية واحتمال الانقلاب العسكري) مُرجّح أن تشهدهما تُركيا قريبًا؟ أمّ أنّها لن تشهد أيًّا مُنهما من الأساس؟ هذا ما سنترك الأيام تُسفر عنه.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد