أصدر مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي ورقة بحثية أوائل الأسبوع الحالي من إعداد كبير الباحثين في المركز عوديد عيران، الذي شغل في الماضي منصب سفير إسرائيل في الأردن، والباحثة جاليا ليندشتراوس، تتضمن توصيات للحكومة الإسرائيلية ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن ملف العلاقات مع تركيا وكيفية إدارته من قبل الجانب الإسرائيلي.


(1) عدم تحسين فرص حزب العدالة والتنمية في الفوز بالانتخابات

أردوغان ونتنياهو


تمتد العلاقات التركية الإسرائيلية إلى نحو ما يزيد عن 6 عقود، وتحديدًا إلى عام 1948؛ حيث كانت تركيا هي ثاني دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل بعد إيران، ومنذ ذلك الحين ترتيط كل من تركيا وإسرائيل بعلاقات قوية يبدو أنها لم تتأثر كثيرًا بوصول حزب العدالة والتنمية – الذى يحمل قادته مرجعية إسلامية – إلى السلطة، وتتنوع العلاقات التركية الإسرائيلية من العلاقات الديبلوماسية – تبادل البلدان السفراء رسميًّا عام 1991م – إضافة إلى العلاقات الاقتصادية؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل عام 2012 – وفي ذروة الأزمة السياسية بين البلدين – إلى مليارين و17 مليون دولار مقارنة بمليار وثمانمائة مليون دولار عام 2011، كما ارتفع الرقم إلى 2.6 مليار دولار عام 2013، فضلاً عن التعاون العسكري؛ حيث تعد كلاً من الدولتين عضوًا في حلف الشمال الأطلسي “الناتو” وترتبطان بأكثر من 16 اتفاقية تعاون عسكري تتضمن برامج تدريب ومناورات مشتركة برية وبحرية وجوية، وتشير التقارير إلى حجم تبادل عسكري بين تركيا وإسرائيل بلغ 1.8 مليار دولار وهو رقم مهول إذا ما قورن بالحجم الكلي للتبادل التجاري.


وبرغم العلاقات الضاربة في العمق بين البلدين فإن الدراسة المشار إليها تنصح الحكومة الإسرائيلية بالابتعاد عن اتخاذ أي خطوة من شأنها تعزيز موقف حزب العدالة والتنمية في البقاء في السلطة داخل تركيا؛ حيث ترى أن الحزب متقلب في مواقفه تجاه إسرائيل بداية من عام 2006 حين سمح بأول زيارة لخالد مشعل إلى تركيا، انتهاء بتصريحات أردوغان المهاجمة لإسرائيل عام 2009 بشأن حربها على غزة، وليس انتهاء بقرار تركيا بتخفيض علاقاتها مع إسرائيل في أعقاب اعتدائها على السفينة مرمرة في مايو عام 2010 وتمسكها بشروطها من أجل إجراء مصالحة مع إسرائيل؛ حيث ترى الدوائر الإسرائيلية أن حزب العدالة والتنمية مجرد حليف براجماتي – وقتي – لإسرائيل يمكنه أن ينقلب عليها في أي وقت ، كما أن رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان مفرط في هجومه على إسرائيل، والإسرائيليون لم ينسوا بعد ما فعله في دافوس، ويخشون من موجة هجوم تركية جديدة حال قيام إسرائيل بعملية جديدة تجاه قطاع غزة أو حال ضغطها على السلطة في فلسطين لتقديم تنازلات بشأن اتفاق المصالحة
.

 

(2) تأجيل إتمام المصالحة التركية الإسرائيلية

السفينة مرمرة


في بداية العام الحالي أشارت مصادر إعلامية متعددة لاحتمال توقيع اتفاق مصالحة بين تركيا وإسرائيل برعاية أمريكية خلال فبراير أو مارس الحالي، ربما كانت إسرائيل أكثر حرصًا من تركيا في وقت ما على إتمام الاتفاق بدليل موافقتها على شرطين من الشروط التركية للمصالحة وهما تقديم الاعتذار عن الاعتداء على السفينة مرمرة – وتم بالفعل – إضافة إلى تقديم تعويضات مناسبة للضحايا- تم الاتفاق بشأنها -، بينما لايزال الخلاف قائمًا حول الشرط الثالث الذي ترفض إسرائيل قطعًا الالتزام به وهو توقيع تعهد خطيّ برفع الحصار عن غزة.


الغريب في الأمر أن تنصح الدوائر الإسرائيلية حكومتها بتأجيل توقيع الاتفاق الذي طالما سعت إسرائيل خلفه خلال العامين السابقين، ويبدو أن الأمر يرتبط بشكل وثيق بالنقطة الأولى؛ حيث إن أي اتفاق مصالحة يضمن تأكيدًا للاعتذار وإعلانًا عن أرقام التعويضات – تشير التقارير إلى رقم 20 مليون دولار عن 9 ضحايا – وتقديم أي تعهد إسرائيلي بشأن قطاع غزة يتيح رقابة أمنية دولية وتركية – كما تقترح تركيا – من شأنه أن يرفع شعبية أردوغان بشكل كبير، ويظهره بمظهر القائد القويّ مما يعزز بالتبعية الموقف الانتخابي لحزبه الذي يصفه التقرير بكونه مستقرًّا برغم الضربات المتتالية التي تلقاها أردوغان من خصومه خلال الشهرين الماضيين.



(3) تعزيز علاقات إسرائيل مع حزب العمال الكردستاني

عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني


تنصح الدراسة إسرائيل بتوطيد علاقتها مع حزب العمال الكردستاني الذي يتركزنشاطه في منطقة الحدود التركية السورية، وكانت تقارير استخباراتية تركية قد اتهمت حزب العمال الكردستاني بالتعاون مع إسرائيل في الحصول على معلومات عن قواعد عسكرية تركية في مناطق طاي وأدنة على الحدود التركية السورية، وهو التعاون الذي أشارت إليه الصحف الإسرائيلية أكثر من مرة، وبلغ حد الإشارة إلى قيام إسرائيل بتدريب القادة العسكريين لحزب العمال، قبل أن يعلن حزب العمال الكردستانى عن توقفه عن العمليات المسلحة في تركيا خلال اتفاق أبرم مع الحكومة التركية خلال العام الماضي.


ويبدو أن نشاط حزب العمال الكردستاني قد انتقل بشكل مؤقت إلى الأراضي السورية؛ حيث تشير تقارير إلى استخدام النظام السوري للحزب في عمليات قمع الأكراد المحتجين، ومن جانبها ترغب إسرائيل في بقاء حزب العمال كحجر عثرة على الحدود التركية؛ بحيث يكون قادرًا على إثارة المشاكل الأمنية في أي وقت للضغط على تركيا لاتخاذ مواقف أقل حدة تجاه إسرائيل، وأيضًا تحسبًا لحدوث تغير سياسي في سوريا يضمن رحيل بشار الأسد وما يستتبع ذلك من احتمالية قيام دولة مستقلة للأكراد قد يكون لها امتدادات جغرافية داخل الحدود التركية خاصة في في محافظة هاتاي، إضافة إلى ترسيم الحدود وإعادة تقسيم مياه نهري دجلة والفرات.


(4) مواجهة إسرائيلية تركية مرتقبة حال سقوط بشار الأسد

صورة أرشيفية


كما أشار التقرير إلى أن من الأهمية بمكان أن تعتني إسرائيل بتعزيز علاقاتها مع أكراد سوريا، لا سيما في حال تفككت الدولة السورية إلى دويلات ونشأت دولة كردية بما يتعارض مع المصالح التركية أمنيًّا وديموغرافيًّا كما سبقت الإشارة.


كما تنبأت الورقة ألا يصمد أي اتفاق مستقبلي مع تركيا بسبب التناقض الكبير في المصالح بين تل أبيب وأنقرة، مشيرة إلى أن إسرائيل وتركيا ستتصادمان حول مناطق النفوذ في سوريا في حال سقط نظام بشار الأسد، مشيرة إلى أن كلاً من تل أبيب وأنقرة ستكونان معنيتين بهامش حرية كبير في العمل العسكري في سوريا خاصة في الملف الكردي؛ حيث تدعم إسرائيل قيام دولة كردية بينما تتخوف تركيا من هذا الاقتراح، مما قد يجعل فرصة المواجهة العسكرية بين البلدين في سوريا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ليس أمرًا مستبعدًا.

 

(5) الحذر من تصدير الغاز الإسرائيلي عبر الأراضي التركية

خريطة توضح موقع تركيا وإسرائيل من البحر المتوسط


وأخيرًا حذر التقرير الحكومة الإسرائيلية أيضًا من منح تركيا أي دور في تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، خشية أن يؤدي الأمر إلى منح أنقرة القدرة على التأثير على قطاع حيوي وإستراتيجي مثل قطاع الغاز، كما أوضح التقرير أن منح تركيا دورًا في نقل الغاز لأوروبا يمكن أن يهدد علاقات إسرائيل مع كل من قبرص وروسيا حال إقدام تركيا على معاقبة إسرائيل على مواقفها السياسية عبر قطع الغاز المار خلال أراضيها، كما أنه بإمكانه تعزيز موقع تركيا بالتالي كناقل للغاز والنفط بعدما فشلت في مد الغاز القطري والخليجي عبر سوريا جراء عجزها عن إسقاط النظام هناك.


وكانت مصادر صحفية تركية قد نقلت أخبارًا عن بدء إسرائيل مباحثات مع شركتي زورلو وتوركاس التركيتين حول تصدير 10 مليارات متر مكعب من الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر مد أنابيب في البحر المتوسط إلى جنوب تركيا بتكلفة مبدأية بلغت 3.5 مليارات دولار.

عرض التعليقات
تحميل المزيد