هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

رغم فشل محاولة الانقلاب العسكري في تركيا عام 2016، مرّت البلاد بتغيرات جذرية منذ ذلك الحين في سياساتها الداخلية والخارجية، وفي قلب هذه التغيرات صراع النفوذ بين الحزب الحاكم، بقيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبين خصمه السياسي فتح الله جولن وتنظيمه النافذ سابقًا في الدولة التركية.

نستعرض في هذا التقرير جهود تركيا في السنوات الماضية للضغط على وفي واشنطن لتسليم جولن إلى تركيا لمحاكمته، هذا المطلب الذي شغل (ولا يزال) أجندة تركيا في الولايات المتحدة إلى حد كبير.

من التحالف للعداوة.. لماذا تسعى تركيا إلى تسليم جولن؟

فتح الله جولن رجل دين تركي، وزعيم تنظيم يشتهر باسم «جماعة الخدمة»، ولا يُعرف العدد الدقيق لأعضاء هذا التنظيم، لكنه تمتّع بنفوذ واسع في الأجهزة القضائية، وفي الشرطة التركية، فضلًا عن مؤسسات أمنية أخرى ولو بشكل أقل مثل: الاستخبارات والجيش.

كان حزب العدالة والتنمية يبحث عن حلفاء بعد صعوده للسلطة عام 2002 من أطراف تعمل داخل الدولة، ويمكنها أن تساعد الحزب على دخول البيروقراطية التركية الكبيرة.

في ذلك الوقت قدمت جماعة فتح الله جولن خدماتها، وساندت الحزب في معارك قضائية وسياسية مختلفة، أشهرها أزمة عام 2007 عندما أصدر رئيس أركان الجيش التركي بيانًا يحذر من أي تغيير يمسّ بقيم العلمانية للدولة التركية، ومبادئها الكماليّة (نسبةً لمصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة).

كانت تلك الحادثة لحظةً فارقة في التعاون بين الحزب وجماعة جولن لتصفية أطراف مُعارضة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية التركية.

تبدّلت التحالفات وتصاعدت الخلافات بين الطرفين على مساحات النفوذ بين أردوغان والجماعة داخل جهاز المخابرات التركية، والخلاف على السلطات الممنوحة للجهاز مقابل أجهزة أخرى، مثل: الشرطة. وأعلن أردوغان في 2014 البدء بإجراءات طلب تسليم فتح الله جولن من أمريكا، وظهر الصراع بين الطرفين.

منذ ذلك الحين تتهم السلطات التركية الجماعة بأنها دولة موازية تقوّض أجندة الحكومة التركية.

وصل الصراع بين أردوغان وجولن ذروته بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016؛ إذ اتهمت السلطات التركية جماعة فتح الله جولن بالترتيب للانقلاب، وشنت حملة لتفكيك التنظيم، واعتُقل أتباعه، أو المشتبه أنهم مرتبطون به.

عقبَ الانقلاب طالبت السلطات التركية بتسليم جولن لتركيا لمحاكمته، ولم تكن هذه المرة الأولى التي تقدم فيها تركيا طلبًا بتسليمه؛ فقد تكرر الطلب في السنوات السابقة عدة مرات، ولكن دون جدوى.

ويذكر أن فتح الله جولن هربَ من تركيا عام 1999 ليتخلص من قبضة النخبة العسكرية التركية بعد عودتها للمشهد السياسي بانقلاب ناعم في فبراير (شباط) 1997، وأقام منذ ذلك الحين في الولايات المتحدة، ويعيش الآن في مجمع سكني خاص، ومُغلق مع مجموعة من أتباعه.

مقربون من ترامب يضغطون لتسليم جولن

نفذت تركيا حملة ضغط لتسليم فتح الله جولن واسعة النطاق، شملت الضغط على الكونجرس، والبيت الأبيض، وعلى وزارتي الخارجية والعدل الأمريكيتين، وعملت على فتح قنوات ضغط على مستويات مختلفة، أهمها على الإطلاق ما كان باستئجار شخصيات مقرّبة من دونالد ترامب، أو ذات نفوذ في الحزب الجمهوري، سمحت لتركيا بالتواصل مع إدارة ترامب في وقت مبكر قبيل فوزه بالانتخابات، أو بعد وصوله للرئاسة بفترة وجيزة.

تحدثنا في «ساسة بوست» عن علاقة تركيا القوية والمُكلفة بمايكل فلين، واحد من أهم الشخصيات في حملة الرئاسة لترامب، أصبح لاحقًا أول مستشار له للأمن القومي.

عملَ فلين على تحقيق موسّع بشأن تنظيم جولن وأنشطته في أمريكا، واستأجر شركة «سي جي آر – SGR» لخدمات التواصل والضغط السياسي لتنشر تحقيقه عن الجماعة، وقدمت خدمات إعلامية وتصاميم للتحقيق، وعملت على توزيعه على وسائل إعلام أمريكية، مقابل 40 ألف دولار أمريكي.

الوجه الآخر هو رودي جولياني، أحد أبرز الشخصيات التي مثّلت المصالح التركية بواشنطن في السنوات الماضية، وهو جمهوري بارز عمل سابقًا عمدة لنيويورك، ورشّح نفسه لانتخابات 2008 الرئاسية. انضم جولياني في أبريل (نيسان) 2018 لفريق ترامب القانوني محاميًا خاصًا له.

تركيا

منذ شهر
اللوبي التركي في واشنطن.. هكذا وظف مستشار الأمن القومي لترامب

ذكر مسؤول في البيت الأبيض أن جولياني كرر طرح مسألة تسليم جولن عدة مرات في اجتماعاته مع ترامب، وحثّه على طرده من الولايات المتحدة، وأصبح ترامب يستفسر من مساعديه عن المانع من تسليم جولن، وحلّ مشكلة أردوغان الذي يسميه بـ«صديقي».

وتقول صحيفة «واشنطن بوست» أن محادثات جولياني مع ترامب عن شؤون تركية تكررت عدة مرات، إلى الحد الذي دفع أحد مسؤولي البيت الأبيض إلى سؤاله إذا ما كان يعمل لصالح تركيا أم لا، وطلب منه أن لا يناقش الرئيس في القضايا التركية عند اجتماعه به على انفراد، حسبما نقلت الصحيفة.

أثارت أنشطة جولياني ومواقفه المتوافقة مع المصالح التركية مساءلات حول علاقته بتركيا، وإن كانت خدماته بمقابل تدفعه تركيا، ولكن جولياني نفى كل هذه المزاعم، وقال في عدة مقابلات معه إنه يعمل بطريقة موافية للقوانين الأمريكية.

وتذكر تقارير أن المسؤولين الأتراك لا ينفكّون يذكّرون نظراءهم الأمريكيين بموضوع فتح الله جولن وضرورة تسليمه لتركيا، في الاجتماعات بين المسؤولين الكبار، مثل: الرئيس أردوغان، ونظيره ترامب، أو وزراء الخارجية، ويذكر مسؤول أمريكي أنّ تسليم جولن «المطلب الأول» على الأجندة التركية في كل لقاء.

تركيا على باب الكونجرس

في 2014 استأجرت السفارة التركية بواشنطن شركة «إل بي للحلول الدولية – LB International Solutions»، لتقدم خدمات ضغط سياسي مركّزة على الكونجرس الأمريكي، واستمرت علاقة الشركة بتركيا حتى اليوم ليكون مجموع ما تحصلت عليه مقابل خدماتها مليونًا و507 ألف دولار، وفقًا لوثائق الشركة المنشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية.

تترأس الشركة ليديا بورلاند، وهي مستشارة تعمل بمجال الضغط السياسي والأعمال الدولية مع تركيز على تركيا وأذربيجان، وتتحدث اللغة التركية، وقد كانت عضوًا في مجلس الأعمال التركي الأمريكي، وهو واحد من أكبر تجمعات الأعمال المهتمة بتنمية التجارة بين البلدين.

ركّزت الشركة أنشطتها على الكونجرس، وتحديدًا على مجموعة من الأعضاء، منهم النائب الجمهوري مايكل ماكول، الذي عمل لسنوات في لجنتي الأمن القومي، وفي الشؤون الخارجية، والذي يتزّعم الآن الأقلية الجمهورية فيها.

من تفاصيل أنشطة شركة «إل بي» لصالح تركيا. المصدر: وزارة العدل الأمريكية

يقود ماكول في السنوات الأخيرة حملةً ضد تسليح تركيا، ولفرض عقوبات عليها؛ إثر تدخلاتها العسكرية في سوريا ضد القوات الكردية المسلحة التي تعتبرها تركيا «إرهابية»، ورعى قرارات لفرض عقوبات، وتعطيل صفقات سلاح لتركيا، وهو مؤيد شرس لإسرائيل. ويذكر أنه في الفترة الأولى من تواصل الشركة معه كان رئيسًا للجنة الأمن القومي.

وتواصلت الشركة بشكل مكثّف مع النائب الجمهوري بيت سيشنز، الذي ترأس في بعض السنوات لجنة القواعد بمجلس النواب، وهي واحدةٌ من أهم اللجان على الإطلاق، إذ تنظّم جدول عمل المجلس والقضايا التي تطرح فيه.

تجمع سيشينز علاقةٌ بجولياني المدافع عن تركيا ومصالحها في البيت الأبيض، وحققت معه السلطات الأمريكية في نهاية عام 2019 بشأن عمليات مالية غير قانونية نسّقها مع جولياني تسمح بتمرير أموال من جهات أجنبية لساسة أمريكيين.

وحافظت الشركة على تواصل مستمر وكثيف مع آندي تايلور، موظف يعمل لدى النائب الجمهوري البارز إد رويس، رئيس لجنة العلاقات الخارجية لعدة سنوات في المجلس، ويُذكر أن تايلور مختص بالشأن التركي ودرس سابقًا في أنقرة. وعملت باستمرار أيضًا مع طاقم النائب الجمهوري آدم كنزنجر، وهو عضو في لجان الخارجية، وتحديدًا في اللجنة الفرعية عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقّعت تركيا عقدًا آخر في مارس (أذار) 2016 مع شركة «ميركوري للعلاقات العامة – Mercury Public Affairs»، للترويج لتحقيق شركة «أمستردام» عن فتح الله جولن وأنشطة منظمته في الولايات المتحدة.

شملت حملة الترويج – إلى جانب الكونجرس – وسائل الإعلام الأمريكية، إذ عملت الشركة على توفير فرصٍ لمسؤولين أتراك لنشر مقالات رأي في الصحف الأمريكية، ورتّبت فرص مقابلات إعلامية للحديث عن التحقيق، وانتهى التعاقد قصير العمر، بعد شهرين، في 31 مايو (أيار) 2016 مقابل أكثر من 57 ألف دولار أمريكي، وفقًا لوثائق وزارة العدل الأمريكية، ولاحقًا في 2018 تعاقدت الشركة مرة أخرى مع تركيا بعقودٍ ضخمة.

ترامب يقترح: فتح الله جولن مقابل الصمت التركي عن جريمة خاشقجي

بحث ترامب مقترح تسليم فتح الله جولن بجدية أكثر بعد حادثة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي بجريمة تشير أدلتها نحو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وفقًا لتقييم «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)».

وأرسل البيت الأبيض طلبًا رسميًا بإعادة فتح ملف جولن، والبحث في وضعه القانوني؛ لإيجاد طريقة لتسليمه لتركيا، أو على الأقل إخراجه من الولايات المتحدة إلى بلد آخر، مثل جنوب أفريقيا التي تنشط جماعته فيها بكثرة، وحيث قد تستطيع تركيا القبض عليه.

أرسل البيت الأبيض طلبه لمُدِيرين بوزارة العدل الأمريكية ومكتب «التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي)». وجاء هذا الطلب من ترامب محاولةً لإرضاء تركيا كي توقف حملة التسريبات التي شنّتها على ابن سلمان، وظهرَ على أثرها تغيّر مستمر في السردية السعودية، أظهرَ تناقضها في تفسير الأحداث.

Embed from Getty Images

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، في زيارة أردوغان لواشنطن في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.

لم تكن هذه المحاولة الأولى لترامب؛ فقد سبقتها محاولة أخرى بعد تنصيبه رئيسًا بأسابيع قليلة.

ذكر مسؤولون أتراك أن تركيا قدّمت 85 صندوقًا من الأدلة لدعم قضية تسليم جولن دون تقدم من ناحية الطرف الأمريكي، إذ رأت وزارة العدل أن الأدلة لا تستوفي المعايير اللازمة لتسليم جولن وفقًا لاتفاقية تسليم المطلوبين الموقّعة بين البلدين.

ما هي إجراءات تسليم جولن؟

نشر مركز التقدم الأمريكي بحثًا موسعًا يناقش قضية تسليم فتح الله جولن لتركيا والإجراءات القانونية والسياسية لذلك.

ينصّ القانون الدولي على ضرورة وجود اتفاقية بين البلدين المعنيين بصفقة تسليم لأحد الأفراد، وبين تركيا والولايات المتحدة اتفاقية صدقّت في عام 1980، ولكن تشترط أن يكون الشخص المطلوب متهمًا في عمل يُعتبر جريمة في كلا البلدين، وليس في بلد واحد منهما.

في البداية تقدّم الدولة (تركيا في هذه الحالة) طلبًا بتسليم المتهم، تراجعه وزارة الخارجية الأمريكية المراجعة الأولية، ثم تحيل الطلب إلى وزارة العدل الأمريكية لتراجع الأدلة المقدمة والمعلومات المتاحة، على أن تكون الأدلة مباشرةً وكافية لإدانة المتهم.

إذا استوفت الأدلة المعايير المذكورة في الاتفاقية بين البلدين، توجّه الوزارة الجهات القضائية بالعمل على استصدار أمر باعتقال المتهم، ثم تعقد جلسة استماع شكلية وإقرارية للتهم، وليس القصد منها أن تحقق في التهم والأدلة، ثم يقرر القاضي إذا ما كانت الأدلة كافيةً للسماح بتسليمه.

ويرفع بقراره لوزارة العدل لتخطر بدورها وزارة الخارجية، وفي هذه المرحلة يصبح الأمر بيد الخارجية وتقديرها للأمر، وأثره على العلاقات بين البلدين، وتقديرها لاستقلال القضاء ونزاهته في البلد الذي سيُحاكم فيه المتهم، وبعد موافقة وزير الخارجية تتم عملية التسليم.

في المجمل قد تأخذ العملية وقتًا طويلًا، وإذا استطاع جولن أن يقدم طعونًا كافية – في حال نجحت الإجراءات المذكورة أعلاه – فسيستطيع تأخير القضية لشهور أو سنوات، بحسب تقدير البحث.

مؤلفا البحث محللان على علاقة وثيقة بالمعارضة التركية، واختتما بحثهما بالتأكيد على أنّ أمريكا ليست راعيةً لجولن، وأن تسليمه يجب أن يكون مسألة قانونية بالكامل، لا مكان للعواطف أو السياسة فيها. مؤكدين على ضرورة دعم أمريكا لتركيا، وفي نفس الوقت ضرورة أن تندّد تركيا بمَن يتهمون الولايات المتحدة بدعم الانقلاب أو الوقوف خلفه.

وعلى كل حال تظلّ هذه الاستنتاجات محلّ شك أمام بعض الحقائق المتعلقة بعلاقة جولن بالحكومة الأمريكية، فعندما نزل في أمريكا عام 1999 استقبله جراهام فولر، عميل «سي آي إيه» سابق عمل بمكتب الوكالة في إسطنبول وكابل سابقًا.

وعملَ فولر على استخراج البطاقة الخضراء لجولن ليقيم في الولايات المتحدة. وفي مقابلة أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز» معه في 2014 قال: إن تنظيم جولن «من بين كل التنظيمات التي درستها مستبعد جدًا أن يكون تهديدًا أمنيًا»، وأن جهوده مع جولن جهودٌ فردية، ولا تمثل الحكومة الأمريكية.

هذه القصة جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

تحميل المزيد