هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

وقّعت مؤسسة تركية تعاقدًا مع شركة ضغط سياسي أمريكية في محاولة للتواصل مع دونالد ترامب، مرشح الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، ومع الحزب الجمهوري، وذلك بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا بشهر واحد فقط.

شكّل هذا التعاقد علاقة ذهبية، سمحت لتركيا بالتواصل مبكرًا مع ترامب وفريقه، وفتحت الباب لها ليُسمع صوتها داخل الحزب الجمهوري، وهو ما أثمر في النهاية – إضافة إلى جهود الضغط الأخرى – عن علاقة مميزة بين الرئيسين، مكنت تركيا من تحقيق العديد من أهدافها في السنوات الأربع الماضية.

مع الفريق الانتقالي لترامب

وقَّع العقد جمعية «اقتصاد المعرفة» التركية ومقرها في مدينة إسطنبول بتركيا، وهي جمعية علمية يقول ممثلها القانوني بأن مؤسسيها هم «مجموعة من العلماء المميزين، بهدف القيام بأنشطة مجتمع مدني لرفع الوعي في تركيا بشأن تطوير اقتصاد بقيمة مضافة عالية». ولا تتوفر معلومات كافية على الإنترنت عن الجمعية أو أعضائها.

بدأت العلاقة رسميًا بين الجمعية ومجموعة «مونتي أديفيزوري جروب – Monte Advisory Group» الاستشارية في 15 أغسطس (آب) 2016، بعد شهر من محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، وقبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بثلاثة شهور. ويذكرُ العقد أن الهدف منه تحسين صورة تركيا في أمريكا، وتحسين العلاقات بين البلدين. وعلى كل حال، تُظهر وثائق الشركة أنها قدمت خدمات ضغط سياسي لا علاقة لها بطبيعة الجمعية وأنشطتها.

صورة من تعاقد جمعية اقتصاد المعرفة التركية مع مجموعة «مونتي» للضغط السياسي. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

أهم ما تورده الوثائق أن الشركة تواصلت مع فريق حملة ترامب للرئاسة، وتواصلت مع الفريق الانتقالي الذي تولَّى الفترة الانتقالية، بين فوز ترامب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 ويوم استلامه لمنصبه في يناير (كانون الثاني) 2017.

لكن الشركة، على خلاف القوانين الأمريكية، لم تُفصح عن أسماء المسؤولين الذين تواصلت معهم، وليست ملزمةً بالإفصاح عن تفاصيل تواصلها مع فريق حملة ترامب. وصرّحت الشركة بأنها تواصلت مع مسؤولين حكوميين سابقين دون أن تذكر أسماءهم.

حصلت الشركة على قرابة 105 آلاف دولار أمريكي في حين أن قيمة العقد الأصلية المتفق عليها كانت 400 ألف دولار، ولكن يبدو أن الشركة لم تُقدِّم كامل الخدمات المتفق عليها. ووفقًا لوثائق الشركة في قاعدة بيانات وزارة العدل الأمريكية، انتهت علاقة الشركة بالجمعية التركية في 15 فبراير (شباط) 2017، بعد شهرٍ واحد من دخول ترامب للبيت الأبيض.

تحرُّكات في الأيام الأخيرة لإدارة أوباما

بدأت الشركة عملها بالتواصل مع كولن كول، مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي حينها جو بايدن. تواصلت الشركة مع كول عدة مرات لطلب اجتماع، ويذكر أن له تواصلًا مع القوات الكردية المسلحة شمالي سوريا، وقد عارض العملية العسكرية التركية ضدّ هذه القوات، ورؤيته المتوازية مع رؤية بايدن بدعم استقلال الأكراد سببت إزعاجًا مستمرًا للأتراك. وعملَ كول أيضًا في حملة الرئيس الأمريكي بايدن الانتخابية لعام 2020 مستشارًا بشكل غير رسمي.

ثم تواصلت الشركة مع إيريك ويشتلر، وهو موظف بمكتب وزير الدفاع الأمريكي، ومسؤول سياسات للشؤون التركية والقبرصية والمالطية. ولم يكن هذا التواصل الوحيد مع وزارة الدفاع، فقد تواصلت الشركة أيضًا مع جيمس تاونسند، نائب مساعد وزير الدفاع لسياسات أوروبا والناتو آنذاك، وهو أحد مسؤولي وزارة الدفاع الذين أشرفوا على صفقات الدفاع والتسليح بين أمريكا وتركيا، بما في ذلك الصفقات الكبيرة لمقاتلات «إف-35» ومنظمة الدفاع الجوية الأمريكية «باتريوت». ويُعارض تاونسند مساعي تركيا للضغط على حلف الناتو أو أمريكا لاعتبار الجماعات الكردية المسلحة في سوريا على أنها جماعات إرهابية.

وتحرَّكت الشركة كذلك مع وزارة الخارجية الأمريكية، فتواصلت مع موظفين بمكتب تركيا في الوزارة، ومنهم مارك ليبي، مسؤول مكتب جنوب أوروبا المَعني بالشؤون التركية والقبرصية واليونانية.

واجتمعت الشركة مع جوناثن كوهين، ناب مساعد وزير الخارجية لمكتب الشؤون الأوروبية والأورو-آسيوية، وعملَ حينها على تركيا وقبرص واليونان، ويذكر أن كوهين عُيّن لاحقًا في عام 2019 سفيرًا للولايات المتحدة في مصر.

وشملت حملة الشركة الضغط على الكونجرس، فركّزت على مسؤولين يعملون في لجان الخارجية بمجلسي الشيوخ والنواب، واجتمعت مع مديري المسؤولين في هذه اللجان.

داوود كوران أوغلو، مؤسس جمعية اقتصاد المعرفة التركية والمستشار العلمي للرئيس التركي أردوغان، مع جيمس بيكر، جمهوري بارز عملَ مع الرئيسين دونالد ريجان وبوش الأب، ووزير الخزانة والخارجية الأمريكية سابقًا. مصدر الصورة: حساب كوران أوغول على منصة تويتر

داوود كوران أوغلو، مؤسس جمعية اقتصاد المعرفة التركية والمستشار العلمي للرئيس التركي أردوغان، مع جيمس بيكر، جمهوري بارز عملَ مع الرئيسين دونالد ريجان وبوش الأب، ووزير الخزانة والخارجية الأمريكية سابقًا. مصدر الصورة: حساب كوران أوغول على منصة تويتر

المفتاح الذهبي للحزب الجمهوري

كان اختيار تركيا لمجموعة «مونتي» اختيارً حذقًا. فمالك المجموعة ومديرها دوجلاس بيكر هو سياسي أمريكي من الحزب الجمهوري، ووفقًا لحسابه على منصة «لينكد إن» عمل بيكر في الفترة الثانية لجورج بوش الابن، بين 2005 و2008، مساعدًا خاصًا للرئيس وعضوًا في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، وعمل قبل ذلك نائبًا لمساعد وزير التجارة الأمريكي بين أعوام 2001 و2005.

وتنبع أهمية دوجلاس من أهمية والده جيمس بيكر، الجمهوري البارز الذي كان له مسيرة حافلة مع الرؤساء الجمهوريين، إذ عمل كبيرًا لموظفي الرئيس دونالد ريجان لأربعة أعوام، ثم عُيِّن بعدها وزيرًا للخزانة بين 1985 و1988.

وبعد سنوات، دخلَ بوش الأب البيت الأبيض وعيّن بيكر وزيرًا للخارجية من بداية 1989 وحتى 1992، انتقل بعدها ليترأس موظفي البيت الأبيض ويعمل بمنصب كبير مستشاري الرئيس. وتجمع بيكر وبوش الأب علاقة قديمة منذ بداية حياتهما السياسية وكانا شريكين في لعب رياضة التنس.

Embed from Getty Images

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في زيارة أردوغان لواشنطن في نوفمبر 2019.

لذلك، كان دوجلاس بيكر مفتاحًا ذهبيًا لعرض وجهة النظر التركية داخل الحزب الجمهوري، وفي أروقة الإدارة الجديدة للبلاد – حينها – برئاسة ترامب. ورغم أن الجمعية التركية التي وقّعت العقد لخدمة مصالح تركيّة، لا ترتبط رسميًا بالدولة التركية، ولكن داوود كوران أوغلو، مؤسس الجمعية ورئيسها، يعمل مستشارًا علميًا للرئيس التركي أردوغان، وعمل سابقًا نائبًا لوزير العلوم والصناعة والتقنية التركي منذ 2011.

في لقاءٍ معه، قال كوران أوغلو لمنصة «ذا بيورو» للصحافة الاستقصائية بأنَّ الجمعية عملت على توقيع العقد قبل وقوع الانقلاب و«لا رابط بينه (التعاقد) وبين الانقلاب»، وأكّد أنهم أخبروا الشركة: «لسنا مهتمين بأيّ نقاش بشأن جولن»، في إشارة للسياسي ورجل الدين التركي فتح الله جولن، المتهم بالتخطيط للمحاولة الانقلابية عام 2016. وتنقل المنصة أن كوران أوغلو تركَ منصبه في الجمعية قبل تسلّمه لمنصب حكومي رسمي.

لكنّ تصريحات دوجلاس كانت الأقرب لطبيعة الأنشطة التي نفذتها الشركة، ففي إجابته عن الخدمات التي يقدمها، قال بأن العلاقات بين البلدين تعكّرت في السنوات الأخيرة لإدارة أوباما، وأن الجمعية التركية ترى فرصةً لتحسين العلاقة أو تقليل أضرارها، وفرصةً لإيصال وجهة نظرها في الفترة الانتقالية من إدارة أوباما لإدارة ترامب. وذكر أن مَن في الجمعية شعروا بأن الشركة قادرة على مساعدتهم بتقديمهم بشكل مناسب للجهات الأمريكية المعنية.

ويأتي هذا التعاقد ليكون ثانيَ محاولة تركية للتواصل مع ترامب وفريقه قبيل فوزه بالانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وكانت المحاولة الأولى مع مايكل فلين، أحد مستشاري حملة ترامب وأول عسكري روّج له في الانتخابات، وعين لاحقًا أول مستشار أمن قومي له بعد توليه الرئاسة، ثم استقال وأدين بعدة تهم أودعته السجن، وعفا عنه ترامب في شهوره الأخيرة في البيت الأبيض.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

دولي

منذ 5 شهور
«حليف أمريكا اللدود».. هل تخرج أنقرة من عباءة واشنطن؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد