طبّعت تركيا علاقاتها مع إسرائيل بعد ست سنوات من الانقطاع، كما أعادت أنقرة علاقتها بموسكو بعد ثمانية أشهر من التوتر، في تغيرات للسياسة الخارجية التركية، وسط حديث عن إمكانية إعادة العلاقات التركية المصرية إلى ودها بعد ثلاث سنوات من التدهور، عقب بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013، الذي وصفته تركيا بـ«الانقلاب العسكري».

تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية

بعد ست سنوات من انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل، على خلفية قتل القوات الإسرائيلية تسعة أتراك على سفينة «مافي مرمرة» التركية، التي كانت تستهدف فك الحصار المفروض على قطاع غزة، وتقديم مساعدات إنسانية لأهل القطاع، اتفق الطرفان التركي والإسرائيلي، الأسبوع الماضي، في 26 يونيو (حزيران)، على تطبيع العلاقات بينهما. وشملت أهم بنود الاتفاق على:

–  تعهد إسرائيل بدفع تعويضات، تبلغ قيمتها 20 مليون دولار، لعائلات ضحايا سفينة «مافي مرمرة» الأتراك، في مقابل سحب تركيا الدعاوى القضائية، المرفوعة ضد الضباط والموظفين الإسرائيليين، المتهمين في التسبب بالحادث، في المحاكم التركية والدولية.

– تخفيف الحصار على قطاع غزة، من خلال السماح بإيصال المساعدات إليه، عن طريق ميناء أسدود الإسرائيلي.

-السماح لتركيا بإقامة محطة توليد كهرباء، ومحطة تحلية مياه، ومستشفى كبيرة داخل قطاع غزة تحت إشراف دولي.

-تعهد تركيا بمنع حماس من استخدام الأراضي التركية في الهجوم على إسرائيل، ولا يتضمن هذا البند إغلاق مكاتب حماس في تركيا، ولا يتضمن أي وقف لإطلاق النار بين حماس وإسرائيل من خارج الأراضي التركية.

تفعيل السفارات وإعادة تبادل السفراء بين البلدين، والتعاون الاقتصادي بين تركيا وإسرائيل.

-استئناف التعاون الأمني والاستخباراتي بين تركيا وإسرائيل.

وعقب اتفاق التطبيع التركي الإسرائيلي، عبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في بيان لها، عن شكرها وتقديرها لـ«الجهود التركية لرفع الحصار على غزة»، كما رحّب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس بالاتفاق التركي الإسرائيلي، لكنه أكد ضرورة أن تمر المساعدات الواصلة إلى قطاع غزة عن طريق السلطات الفلسطينية.

عودة العلاقات التقليدية بين روسيا وتركيا

بعد حوالي ثمانية أشهر من توتر العلاقات التركية مع روسيا، عقب إسقاط الأولى طائرة «سوخوي 24» روسية بدعوى انتهاكها المجال الجوي التركي، انفك الجمود بين البلدين، بعد أقل من يوم واحد من تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية.

ففي 27 من يونيو (حزيران)، أعلنت تركيا أنها اتفقت مع روسيا على استئناف سريع لـ«العلاقات التقليدية بين البلدين»، بعد رسالة اعتذار قدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنظيره الروسي فلاديمير بوتين على الواقعة، تضمنت تعازي لعائلة الطيار الروسي.

وقال دميتري بيسكوف، المتحدث الإعلامي باسم الكرملين «إن أردوغان عبّر عن تعاطفه وتعازيه الحارة لعائلة الطيار الروسي الذي قُتل، كما قدم اعتذاره» ولفت إلى أن أردوغان قال إنه «سيبذل كل ما بوسعه لإصلاح العلاقات الودية تقليديا بين تركيا وروسيا».

وهو ما أكّد عليه، المتحدث باسم الرئيس التركي، الذي لفت إلى طلب أردوغان «مسامحة» عائلة الطيار لتركيا، مُشيرًا إلى اتفاق البلدين على اتخاذ الخطوات الضرورية لتأكيد العلاقات التقليدية بين البلدين دون تأخير. وعقب تفجيرات مطار أتاتورك التي وقعت في 28 يونيو (حزيران) الماضي، و أسفرت عن مقتل 41 وإصابة 239 آخرين، اتصل بوتين بأردوغان لتقديم تعازيه في أول مكالمة هاتفية جمعتهما عقب سقوط الطائرة الروسية.

ولفت بوتين خلال المكالمة، إلى أن رسالة أردوغان التي بعثها إليه في وقت سابق، «وفرت مقدمات لطي صفحة الأزمة في العلاقات الثنائية، وإطلاق عملية استئناف العمل المشترك في القضايا الدولية والإقليمية ومن أجل تطوير مجمل العلاقات الروسية-التركية». وأعرب بوتين عن أمله بموضوعية التحقيقات التي تجري مع المواطن التركي المتهم بقتل الطيار الروسي.

وعقب المكالمة الهاتفية، ترأس بوتين اجتماعًا مع الحكومة الروسية أعلن فيه عن قرار بدء تطبيع العلاقات الروسية التركية. وفي الثالث من يوليو (تموز) الجاري، أعلنت الخارجية التركية عن إمكانية عقد لقاء بين بوتين وأردوغان نهاية الشهر الجاري أو مطلع الشهر القادم.

الغاز يدفئ علاقات تركيا بإسرائيل وروسيا

يعُد أحد أهم أسباب التغيرات الأخيرة التي طرأت في العلاقات بين تركيا وبين إسرائيل وروسيا، هو ملف الغاز الطبيعي، الذي بدا مُخفِفًا لتوتر العلاقات الدبلوماسية ومتجاوزًا للخلافات السياسية. وفيما يخص تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية وعلاقة ملف الغاز الطبيعي بذلك، فإن توتر العلاقات بين تركيا وروسيا التي تعد مصدرًا أساسيًّا لاحتياجات أنقرة من الغاز، حتّم على تركيا إيجاد بديل ملائم وآمن للغاز الطبيعي، لتنفك من قبضة الضغط الروسي في هذا الصدد. لتتجه إلى إسرائيل التي تحتاج لكسب عقود طويلة الأجل، لتصدير الغاز المتوافر لديها، والاستفادة من تركيا باعتبارها مستوردًا له، وبوابةً لصادرتها من الطاقة إلى أوروبا.

وفي هذا الصدد، أفادت وكالة «رويترز»، بأن إسرائيل وقبرص تمتلكان حوالي 3450 مليار متر مكعب من الغاز، في حقل «ليفياثان»، الكائن في شرق البحر المتوسط، والمتواجد في منطقة متنازع عليها، بين قبرص وإسرائيل ومصر، الحقل المتسبب في موجة من الاتهامات، للنظام المصري الحالي، بالتفريط في الحقوق المصرية هناك.

وتبلغ قيمة الاحتياطات المؤكدة فقط، في هذا الحقل، حوالي 700 مليار دولار، كما أفادت دراسة حديثة، لشركة استشارات فرنسية، بأن إسرائيل وحدها قد تمتلك ثلاثة أضعاف كمية الغاز، التي أظهرتها الدراسات الأولية، وتسعى إسرائيل لضمان تعويض تكلفة استخراج الغاز، من خلال تصديره لتركيا، البالغ عدد سكانها 80 مليون نسمة، ويمثل الغاز الطبيعي العمود الفقري لاستهلاكها من الطاقة.

لذلك لم يكن التطبيع الإسرائيلي التركي، بمنأى عن روسيا التي طبّعت علاقاتها مع تركيا بعد أقل من يوم واحد من التطبيع الإسرائيلي التركي، إذ تجمع موسكو وأنقرة علاقات ومشروعات استراتيجية في ملف الغاز الطبيعي، ويرى محللون أن أحد أهم أسباب سرعة تطبيع روسيا لعلاقاتها مع تركيا تتمثل في ألّا يسحب الغاز الإسرائيلي البساط من الغاز الروسي للمستورد التركي.

وتستورد تركيا 13% من حجم صادرات الطاقة الروسية من الغاز الطبيعي، وتحصل تركيا على حوالي 27 مليار لتر مكعب غاز طبيعي روسي وهو رقم لم تكن تستطيع تركيا أن تحصل على نصفه من خلال مصادر غير روسية للغاز الطبيعي، إذ تحصل تركيا من إيران وقطر والجزائر وأذربيجان على 11 مليار متر مكعب فقط؛ لذلك من الصعب على روسيا أن تستغني عن أحد أهم الأسواق الأوروبية الذي يتزايد فيه الطلب على الغاز الطبيعي، في ظل العقوبات الاقتصادية الأوروبية التي فرضت على روسيا بسبب ضم جزيرة القرم. وكذلك الأمر على تركيا التي تعتمد على الغاز الروسي بشكل أساسي.

وفي سياق متصل، يجمع تركيا وروسيا مشروعات استراتيجية في مجال الغاز الطبيعي، جعلت من تركيا بوابة للغاز الروسي داخل أوروبا، فبعدما ألغت روسيا مشروعًا لخط أنابيب يسمى «ساوث ستريم» (أي السيل الجنوبي) كان سيكلفها 40 مليار دولار يعبر البحر الأسود ويمتد لبلغاريا وبعد ذلك صربيا ليصل وسط أوروبا (صورة 1)، أقدمت روسيا بالتعاون مع تركيا – في ديسمبر (كانون الأول) 2013 – على مشروع خطوط أنابيب آخر بديل له يسمى «ترك ستريم» (أي السيل التركي) يكلف روسيا حوالي 12 مليار دولار فقط، ويتكون من 4 خطوط أنابيب أساسية بقدرة إجمالية 63 مليار متر مكعب (15.75 مليار متر مكعب لكل خط) على أن تصل نصف القدرات لتركيا واليونان والنصف الآخر لجنوب ووسط أوروبا (صورة 2) لذلك يزداد حرص البلدين على استعادة العلاقات بينهما.

1- ساوث ستريم

المصدر: سترانفور

2- ترك ستريم

المصدر: سترانفور

فماذا عن مصر؟

توترت العلاقات التركية المصرية، عقب بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، وبعد ثلاث سنوات من التدهور في علاقات البلدين، وخلال موجة المصالحات التركية مع دول كانت تُعاديها، أبدى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، عدم ممانعة أنقرة من إعادة علاقتها الاقتصادية مع مصر مع بقاء الموقف التركي تجاه بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013 بوصفه «انقلابًا عسكريً».

وقال يلدريم في حوار أجراه مع قناة «تي آر تي» التركية الرسمية، يوم 28 يونيو (حزيران) الماضي، إنه لا مانع من تطوير العلاقات الاقتصادية بين تركيا ومصر وعقد لقاءات بين مسؤولي البلدين، مع استمرار الموقف التركي الرافض للانقلاب على محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في تاريخ مصر الحديث».

مٌضيفًا: «الأمور واضحة جدًا فيما يتعلق بمصر، حدث انقلاب على الديمقراطية، وتم الانقلاب على مرسي الذي جاء إلى منصبه بالانتخاب، وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ البداية للعالم أجمع، أن ما حدث هو انقلاب، وأننا لا يمكن أن نوافق على التغيير بهذه الطريقة.

وأوضح: «هذا جانب من المسألة، إلا أن الحياة تستمر على الجانب الآخر. فنحن نعيش في نفس المنطقة، ونحتاج لبعضنا البعض، لذلك لا يمكننا قطع كل شيء فجأة، حتى لو أردنا ذلك. هذا دون أن نشير إلى الروابط الدينية والثقافية التي تربط البلدين. لذلك فإننا إذا وضعنا جانبًا الشكل الذي تغير به النظام هناك، وما يتعرض له مرسي وفريقه من ظلم، فإنه لا يوجد مانع يتعلق بتطوير علاقاتنا الاقتصادية».

في المقابل عبّرت الخارجية المصرية عن عدم ارتياحها، مما وصفته بـ«استمرار تناقض الموقف التركي، والتأرجح، ما بين الرغبة في إعادة العلاقات الاقتصادية مع مصر، وعدم الاعتراف بشرعية ثورة 30 يونيو» ، على حد تعبير البيان.

وقال أحمد أبو زيد، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، في بيان رسمي: «مع ترحيبنا بكل جهد يستهدف تحسين تركيا لعلاقاتها مع مصر، إلا أنه يجب أن يكون واضحًا أن الاعتراف بشرعية إرادة الشعب المصري الممثلة في ثورة 30 يونيو، وما نجم عنها من تولي مؤسسات شرعية مسؤولية إدارة البلاد، يحتم الاعتراف بها والانخراط في العمل معها كنقطة انطلاق لتطوير علاقة تركيا مع مصر».

ويبدو أن تركيا تحاول من خلال تجارب التطبيع أن تُعيد العلاقات الاقتصادية مع الدول التي كانت تُعاديها، مع محاولة التمسك بمواقفها السياسية، حتى وإن اختلفت مع مواقف الدول التي تتصالح معها. فقد طبّعت علاقتها مع إسرائيل مع تمسكها بتأييدها لحركة حماس التي تعتبرها إسرائيل «إرهابية». كما طبّعت علاقتها مع روسيا مع تمسكها بموقفها تجاه الأزمة السورية المُخالف لوجهة النظر الروسية، أو هكذا يبدو حتى الآن.

ولم تكن هذه الخلافات السياسية سببًا في تعطيل تطبيع علاقة تركيا مع روسيا وإسرائيل، لكن يبدو الأمر مختلفًا بالنسبة لمصر فيما يخص بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013، الذي تتمسك تركيا بوصفه بـ«الانقلاب عسكري» وهو ما يُزعج الجانب المصري. ليبقى مصير عودة العلاقات المصرية التركية مجهولًا حتى الآن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد