أعلن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، الأربعاء الماضي، عزمه إقامة مناطق آمنة في سوريا، وهو الإعلان الذي رحبت به تركيا، وحذرت منه روسيا، ويحمل العديد من الأبعاد الجيوسياسية والعسكرية والديموجرافية التي قد تفسر مواقف الدول منه.

ماهية الإعلان وأبعاده السياسية والعسكرية

أعلن ترامب ، الأربعاء الماضي نية بلاده إقامة مناطق آمنة في سوريا، قائلًا في تصريحات صحافية لمحطة «إيه.بي.سي نيوز» إنه «بالتأكيد سنقيم مناطق آمنة في سوريا؛ بهدف حماية الأشخاص الفارين من العنف هناك»، دون أن يحدد الأماكن المزمع إنشاء المناطق الآمنة فيها.

ووصف ترامب استقبال أوروبا لملايين اللاجئين السوريين بـ«الخطأ الجسيم» ، ومشددًا على أنه لن يرغب في تكرار ذلك مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وأتى إعلان ترامب، بعد ساعات قليلة من نشر وكالة أنباء رويترز مسودة القرار الذي كان ينتظر توقيع ترامب، وبحسب الوثيقة فقد كان من المتوقع توجيه ترامب خلال الأيام القادمة وزارة الخارجية بالتعاون مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) لوضع خطة، خلال 90 يوم؛ لتوفير «مناطق آمنة في سوريا، وفي المنطقة المحيطة، يمكن فيها للمواطنين السوريين الذين نزحوا من وطنهم انتظار توطين دائم، مثل إعادتهم لبلادهم، أو إعادة توطينهم في بلد ثالث».

وحول الأبعاد السياسية والعسكرية للقرار، فقد أفادت المسودة بأن هذا القرار يمثل خطوة جديدة لترامب، وانحرافًا لنهج الرئيس الأمريكي السابق «باراك أوباما» الذي عارضها طويلًا، « خشية الانجرار بشكل أكبر في الصراع، وخطر اندلاع اشتباكات بين الطائرات الحربية الأمريكية والروسية فوق سوريا»

ومن شأن هذا القرار فرض قيود على الطيران في تلك المناطق، وهو ما يتطلب موارد إضافية لزيادة حجم القوات الأمريكية الجوية والبرية لتوفير الأمن فيها، وهو ما حذر منه مسؤولون عسكريون أمريكيون طويلًا ، لافتين ـ أيضًا ـ إلى صعوبة ضمان عدم اختراق «المتشددين» لتلك المناطق.

ويتسق هذا القرار مع ما دعا إليه ترامب خلال حملته الانتخابية بإقامة مناطق حظر طيران في سوريا لتوفير مأوى للاجئين السوريين، بديلًا لدخولهم الولايات المتحدة الأمريكية، كما يتسق أيضًا مع سياسة ترامب العدائية تجاه اللاجئين الوافدين لبلاده، وبالأخص المسلمين والسوريين منهم تحديدًا، ونيته حظر دخول اللاجئين السوريين أمريكا، وتشديد إجراءات فحص المهاجرين عمومًا إلى أمريكا؛ باعتبارهم خطرًا محتملًا على الأمن القومي، كما يعتبرهم.

ترحيب تركي بمنطقة آمنة «شمال سوريا»

من جانبها رحبّت تركيا بإعلان ترامب نيته إقامة مناطق آمنة في سوريا، إذ أكدت الخارجية التركية على لسان المتحدث باسمها، «مفتي أوجلو»، على أهمية إقامة مناطق آمنة في سوريا؛ لحماية المدنيين، لافتًا إلى دفاع بلاده عن تلك الفكرة منذ بداية الأزمة السورية، ولكنه تساءل خلال مؤتمر صحافي عقده الخميس الماضي« المهم هو كيف ستكون نتائج هذه الخطوة؟ وماهي المعلومات والتوجيهات التي ستصدر عن المؤسسات الأمريكية في هذا الشأن؟»

واعتبر أوجلو أن عودة آلاف السوريين إلى مدينة جرابلس، شمالي سوريا، عقب بسط الأمن فيها بعد عملية «درع الفرات»، من أبرز الأمثلة على إنشاء المناطق الآمنة في سوريا، ولم يكن التأييد التركي لذلك القرار مستغربًا؛ إذ أكدت تركيا مرارًا وتكرارًا خلال الأزمة السورية ضرورة إنشاء مناطق آمنة في سوريا .

وتعد تركيا أكبر حاضن للاجئين السوريين في العالم، بحسب أرقام المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، والتي أفادت وجود 2.814.631 لاجئ سوري في تركيا مع نهاية العام الماضي، وقال الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، في ديسمبر (كانون الأول )الماضي، «إن بلاده أنفقت 20 مليار يورو من أجل اللاجئين السوريين»، لافتًا إلى الاتحاد الأوربي لم يقدم لتركيا، سوى 667 مليون دولار، من أصل 3 مليارات يورو تعد بدفعهم لتركيا؛ من أجل اللاجئين السوريين.

ويهتم أردوغان كذلك بإقامة منطقة حظر جوي شمالي سوريا، وهو ما قال إنه سيبحثه مع ترامب، مُوضحًا أن مدن تركيا الجنوبية معرضة للخطر؛ إذا لم تقام تلك المنطقة، أما اللافت، فكان تصريحه بأنّ أطرافًا، لم يسمها، تسعى لإقامة دولة جديدة شمالي سوريا، في إشارة ضمنية إلى الأكراد الذين يسيطرون على معظم الشريط الحدودي شمالي سوريا .

خريطة تظهر سيطرة الأكراد (باللون الأصفر) على شمالي سوريا واستعادة المعارضة (باللون الأخضر) بمساعدة تركيا جزء من شمالي سوريا (المصدر: الخريطة الحية)

وبذلك يمكن تفسير الدعم التركي لفكرة إقامة مناطق آمنة في سوريا عمومًا، برغبتها في تخفيف عبء استقبال اللاجئين السوريين الوافدين إليها، بتوطين هؤلاء اللاجئين في مناطق آمنة بالدخل السوري، بدلًا من لجوئهم إلى تركيا.

وفي الوقت الذي لم تعلن فيه أمريكا عن الأماكن المحتملة لتلك المناطق الآمنة، تدعم تركيا إقامة تلك المناطق شمالي سوريا، على الحدود التركية الجنوبية، وذلك بسبب المخاوف التركية من وحدات حماية الشعب الكردية، التي تسيطر على معظم الشريط الحدودي شمالي سوريا، وتعتبرها تركيا منظمة إرهابية تدعم حزب العمال الكردستاني في تركيا، وتسعى لإقامة دولة كردية مستقلة.

وبذلك فإن حجرًا واحدًا يتمثل في إقامة مناطق آمنة شمالي سوريا، يستطيع أن يضرب عصفورين لتركيا يتمثلان في تخفيف عبء إيواء اللاجئين السوريين، وتقليص النفوذ الكردي شمالي سوريا على الحدود الجنوبية لتركيا.

روسيا تحذر من عواقب القرار

في المقابل، حذرت روسيا من عواقب إقامة مناطق آمنة في روسيا، ودعا المتحدث باسم الكرملين إلى «التفكير في عواقب ذلك القرار»، مشيرًا إلى أن ترامب لم يتشاور مع موسكو قبل الإعلان عن قرار إقامة مناطق آمنة في سوريا. واكتفى المتحدث الروسي بهذه الكلمات المقتضبة، دون تحديد كاف لماهية تلك العواقب، وأسباب التحفظات الروسية.

وهو ما حاول أن يفسره «محجوب الزويري»، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، الذي قال في تصريحات صحافية إن روسيا كانت «محافظة بشأن تلك الفكرة في البداية، ومع تدخلها العسكري بسوريا بدت معارضة؛ لأن المنطقة الآمنة تحد من طلعاتها الجوية، أما الآن فروسيا معنية بعدم الاصطدام مع ترامب في هذه المرحلة، وهذا ربما يدفع إلى تنسيق مشترك وترتيبات بين الطرفين الأمريكي والروسي»

ومما قد يؤيد تحليل الزويري أن روسيا رفضت سلفًا بالفعل إقامة مناطق حظر جوي في سوريا، ذلك بالإضافة إلى نية الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، إجراء مكالمة هاتفية مع ترامب يوم السبت الموافق 28 يناير )كانون الثاني)، قد لا تخلو من مناقشة مسألة إقامة مناطق آمنة في سوريا، وبالأخص لأنها تأتي بعد أيام قليلة من إعلان ترامب نيته إقامة مناطق آمنة في سوريا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد