«بعض الدول لديها صواريخ برؤوس نووية. ليس واحدًا أو اثنين، بل أكثر، لكنهم (يخبروننا) بأنه لا يمكننا امتلاكها. هذا أمر لا يمكنني قبوله. تقريبًا لا توجد دولة متقدمة في العالم لا تمتلكها. حتى أن أحدهم قال لي: نمتلك حاليًا 7 آلاف و500 رأس نووي، وتمتلك روسيا والولايات المتحدة 12 ألف و500 و15 ألف صاروخ برؤوس نووية. انظروا إلى هؤلاء؛ علامَ يتسابقون! ولكنهم يقولون لنا: احذروا، لا تقوموا بذلك. وهناك إسرائيل بقربنا، يخيفون (الآخرين) بها.. إنهم يمنعونا حتى من امتلاك منظومة دفاعية». 

ما يجعل هذا التصريح الذي أدلى به الرئيس رجب طيب أردوغان، أمام منتدى وسط الأناضول الاقتصادي بمدينة سيواس وسط تركيا في سبتمبر (أيلول) 2019، يحظى بأهمية خاصة تتجاوز تصريحاته السابقة في هذا الصدد، هو أنه جاء في خضم تطورات محمومة، عقب سجاله الذي لم يضع أوزاره بعد مع الولايات المتحدة بسبب شراء منظومة «إس – 400» الروسية، وقُبَيْل العملية العسكرية التي أطلقها عبر الحدود مع سوريا، ويُخشى أنها ربما لم تنته عواقبها بعد.

دولي

منذ سنة واحدة
أمريكا تهدد والناتو يندد.. ما هي «إس-400» التي تصر تركيا على شرائها من روسيا؟

خصوصية التوقيت الذي قال فيه أردوغان هذا الكلام، دفعت أيضًا مراسلا «نيويورك تايمز» ديفيد سانجر (واشنطن) وليام برود (نيويورك) إلى القول: «ما يريده الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يتجاوز السيطرة على مساحة واسعة من سوريا على طول حدود بلاده، بل يقول: إنه يريد القنبلة». وأضافا في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2019: «إذا لم تستطع الولايات المتحدة منع الزعيم التركي من هزيمة حلفائها الأكراد، فكيف يمكنها أن تمنعه من صنع سلاح نووي، أو حذو حذو إيران في تجميع التكنولوجيا اللازمة للقيام بذلك؟».

مناورة تركية أم خطة طموحة تنضج على نار هادئة؟

فيما يخص حديث أردوغان وحقيقة أحلام تركيا النووية، يوجد طرحان كل منهما يستند إلى مجموعة أدلة، وفي السطور التالية سنطرح وجهتي النظر، والأدلة التي تستند إليها كلًا منهما.

الطرح الأول: ورقة ضغط أردوغانية لمغازلة الداخل والضغط على الخارج

تقول جيسيكا. فارنوم، خبيرة الشؤون التركية في مركز جيمس مارتن لدراسات حظر الانتشار النووي في مونتيري، كاليفورنيا: «أردوغان يتودد بخطابه النووي إلى شعبه المناهض للولايات المتحدة، لكن من غير المرجح أن يسعى لامتلاك أسلحة نووية. ستكون هناك تكاليف اقتصادية ومخاطرة بالسمعة؛ وهو ما قد يؤثر على ناخبي إردوغان». 

ويرى آرون شتاين، مدير برنامج الشرق الأوسط بمعهد أبحاث السياسة الخارجية، أن «الرئيس التركي لم يكن يشير فعليًا إلى قرارٍ وشيك بتطوير أسلحة نووية. إنما كان يجادل حينها بأن الغرب لم يعامل تركيا على قدم المساواة، ومن أجل تصحيح هذا الخطأ، فإنه يطالب بمقعد على الطاولة»، حسبما نقلته رابطة الحد من الأسلحة

وعلى المنوال ذاته، خلُص تقرير صدر عن مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي في فبراير (شباط) 2012 بعنوان «تركيا والقنبلة» إلى أنه حتى إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا، لن تذهب تركيا إلى حد تطوير أسلحة نووية خاصة بها»، على الرغم من تصريحات مسؤولين أتراك تلوِّح بذلك منذ عهد الرئيس عبد الله جول. 

«والظرف الوحيد الذي يكتسب فيه مثل هذا السيناريو درجة من الترجيح هو: انهيار العلاقة الأمنية بين أنقرة وواشنطن، لكن باعتبارها عضوًا في «الناتو»، تستضيف تركيا أسلحة التحالف النووية. وبفضل اعتمادها على هذا الرادع النووي، تتمتع بسجل نظيف تمامًا في مجال حظر الانتشار النووي. كما تُصَنَّف تركيا باعتبارها دولة تهتم بالقوة الناعمة أكثر من اهتمامها بالقوة الصلبة، وحتى إذا واجهت تهديدًا نوويًا، فمن المحتمل أن تلجأ إلى تقوية علاقاتها مع الضامنين التقليديين لأمنها»، بحسب ما خلص إليه تقرير لكارنيجي.

لكن هناك عنصر آخر في هذا المزيج الذريَ لا تكتمل الصورة بدونه وهو: وجود ما يقرب من 50 سلاحًا نوويًا أمريكيًا، مخزنة في قاعدة «إنجرليك» الجوية، وإذا تدهورت العلاقات مع تركيا ربما سيكون وصول الولايات المتحدة إلى تلك القاعدة غير مضمون. ومع وضع هذه الاحتمالية في الاعتبار، وضعت إدارة أوباما بهدوء خطة طوارئ شاملة لنقل الأسلحة من قاعدة إنجرليك عندما نجح إردوغان في إخماد محاولة الانقلاب العسكري في يوليو (تموز) 2016، وفقًا لمسؤولين حكوميين سابقين، لكن هذه الخطة لم تطبق أبدًا، جزئيًا بسبب المخاوف من أن نقل الأسلحة الأمريكية من شأنه في أفضل الأحوال أن يقوض التحالف بين البلدين، وربما أيضًا يمنح أردوغان ذريعة لبناء ترسانته الخاصة.

الطرح الثاني: بعد نصف قرنٍ من نثر البذور.. هل آن للأشجار أن تثمر؟

بالرغم من أن تركيا وقَّعت على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (معاهدة عدم الانتشار) في عام 1980، ثم وقَّعت على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية لعام 1996، لا يفتأ بعض المراقبين الغربيين يحذرون من أنها قد تصبح أول عضو في الناتو يدير ظهره للمعاهدة، وتخوض غمار التسلَّح النوويّ باستقلالية بعيدًا عن مظلة حلف شمال الأطلسي. 

وخلُصَ معهد العلوم والأمن الدولي، وهي مجموعة خاصة تعمل انطلاقًا من واشنطن لتعقب انتشار القنبلة النووية، في دراسةٍ أجراها عام 2017، إلى أن جهود أردوغان لتعزيز سلطته وتعزيز مكانة بلاده إقليميًا تزيد «من خطر أن تسعى تركيا إلى امتلاك أسلحة نووية».

وكتب جوزيف ديتراني، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الانتشار النووي، والمبعوث الخاص للمفاوضات مع كوريا الشمالية، في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 29 يناير (كانون الثاني) 2020، أن «خطر سباق التسلح النووي في شرق آسيا والشرق الأوسط حقيقي. وحاليًا هناك ثلاث دول ستشعل هذا السباق بحسبه: كوريا الشمالية، وإيران، وتركيا».

ولم يعد سرًا أن «دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية (BND)» كانت تتجسس على تركيا؛ بسبب «الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن أنقرة تحاول الحصول على أسلحة نووية» بحسبها. وثمة اتفاق إلى حد كبير في صفوف مجتمع الاستخبارات الغربي على أن «تركيا تعمل على بناء أنظمة أسلحة نووية ووسائل إيصالها» على غرار النموذج الإيراني، حسبما ذكر هانز روهلي، رئيس التخطيط في وزارة الدفاع الألمانية (من 1982 إلى 1988)، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» في 22 سبتمبر 2015، تحت عنوان «هل تعمل تركيا سرًا على سلاح نووي؟».

وبالنظر إلى رؤية إردوغان لتركيا باعتبارها دولة رائدة إقليميًا، تتمتع بالثقة في النفس والحزم، وربما قوة شرق أوسطية مستقلة، ونظرًا لوجود إسرائيل النووية وإيران التي على مشارف الحصول على القنبلة، يقول هانز روهلي، المسؤول الدفاعي الألماني السابق: «ليس أمام تركيا بديل حقيقي سوى الحصول على أسلحة نووية. وإذا لم تسع تركيا لامتلاك الأسلحة النووية، فستبقى دولة من الدرجة الثانية؛ وهي مكانة لا يمكن أن يقبلها أردوغان».

ويقدِّر أولي هاينونين، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقًا، أن «أنقرة قد تصل إلى عتبة خيار القنبلة في غضون أربع أو خمس سنوات، وقد تصل إليها في وقت أقل إذا حصلت على مساعدة كبيرة من طرف خارجي». بل ذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى أبعد من ذلك، حين أبلغ نظيره اليوناني جورج باباندريو في 15 مارس (آذار) 2010 أن تركيا يمكن أن تصبح قوة نووية في أي وقت تريده.

هل تمتلك تركيا مؤهلات صنع سلاح نووي؟

مطلع العَقد الماضي كانت إجابة تقرير كارنيجي على هذا السؤال هي: أن «تركيا استثمرت في عدد من التقنيات اللازمة لوضع أساس لبرنامجها الخاص بالطاقة النووية المدنية، لكنها تفتقر إلى البنية التحتية الضرورية لتخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك». 

وقال إنه حتى إذا أرادت تركيا الحصول على القنبلة، وهو احتمال ضئيل، فإن هناك عوامل كثيرة ستعوق سعيها لتطوير سلاح نووي بسرعة. ومع ذلك استدرك التقرير الصادر في عام 2012 قائلًا: «إن تركيا تركت خياراتها النووية مفتوحة، ورفضت استبعاد الحصول على تكنولوجيا التخصيب في المستقبل». 

لكن بحلول نهاية العقد خلُص تقرير «نيويورك تايمز» إلى إجابةٍ أكثر حسمًا، ومختلفة نوعًا، مفادها: أن تركيا تمتلك بالفعل مؤهلات صنع قنبلة نووية؛ استنادًا إلى برنامج أكثر تقدمًا من نظيره السعودي، وإن لم يرقَ بعد إلى مستوى البرنامج الإيراني. وبدأت تركيا منذ عام 1979 في تشغيل عدد قليل من المفاعلات البحثية الصغيرة، وأنتجت منذ عام 1986 وقود المفاعلات في مصنع تجريبي في إسطنبول، وهو المجمع الذي يتعامل أيضًا مع الوقود المستهلك والنفايات المشعة.

وحين أبرمت تركيا اتفاقات مع شركات أجنبية لبناء محطات للطاقة النووية كانت تحرص دائمًا على تأجيل البت في مسألة كيفية التعامل مع النفايات النووية، التي يمكن أن توفر الوقود لصنع سلاح. ما أثار علامات استفهام لدى الخبراء الذين يتفقون على أن الجزء الأصعب في امتلاك القنابل لا يأتي بالتصميمات أو المخططات، ولكن بالحصول على الوقود. 

وحين يرسو الحديث على شاطئ موارد الطاقة النووية، فإن تركيا تمتلك 9 آلاف و129 طن متري من اليورانيوم، و380 ألف طن متري من الثوريوم، بحسب البيانات المنشورة على موقع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعلى مدى عقود أظهرت أنقرة اهتمامًا كبيرًا بتعلم المهارات الهائلة اللازمة لتنقية اليورانيوم، وتحويله إلى بلوتونيوم، وهما الوقودان الرئيسيان لصنع القنابل الذرية. وتخطط حاليًا لإطلاق مشروع صغير لاستخراج اليورانيوم.

دليل آخر غير مباشر يستشهد به المراقبون الغربيون على وجود برنامج حقيقي للأسلحة النووية هو: حرص أنقرة على تطوير صواريخ متوسطة أو بعيدة المدى، وهي أسلحة لا معنى لها إلا إذا زودت بحمولة نووية، ومؤخرًا اختبرت تركيا بنجاح مؤخرًا أول صاروخ كروز برأس حربي من طراز «SOM – B2» يزيد مداه عن 250 كيلومترًا، قادر على اختراق مخبأ خرساني، من تطوير «معهد أبحاث وتطوير الصناعات الدفاعية (SAGE)» التابع لـ«مجلس البحوث العلمية والتكنولوجية التركي (TUBITAK)».

«العميل الرابع الغامض».. إيران وليبيا وكوريا الشمالية و…

حين استطلعت «نيويورك تايمز» آراء الخبراء النوويين قالوا: إن تركيا قد تستغرق سنوات عدة قبل أن تحصل على سلاح نووي، لكنهم استدركوا: إذا اشترت سلاحًا جاهزًا، أو حصلت على مساعدة من طرف خارجي، حينها ستصبح الاحتمالية أقوى. 

وهذا يستدعي الكثير من التكهنات بشأن الدور الذي تلعبه روسيا، والدول الرئيسية الأخرى التي خاضت معها أنقرة مفاوضات خلال السنوات الماضية، لكن بعيدًا عن الاتفاقات الرسمية، هناك عامل آخر يحيطه الغموض، وينقل دفة الحديث إلى باكستان، ليس فقط بدافع تنامي التعاون التركي – الباكستاني حاليًا، والذي يثير قلق الهند، ولكن أيضًا على خلفية لغزٍ نووي لم تتكشف أسراره بعد، بالرغم من التنقيب الدولي الذي استمر لسنوات.

وفقًا لتقرير «الأسواق السوداء النووية» الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية اللندنيّ، ساعدت بعض الشركات التركية في الجهود السرية التي قام بها العالم النووي الباكستاني، عبد القدير خان من خلال استيراد المواد من أوروبا، وصنع أجزاء من أجهزة الطرد المركزي، وشحن المنتجات النهائية للعملاء، وينقل الدكتور هانز روهلي، المسؤول الدفاعي الألماني السابق، عن مصادر استخباراتية غربية اعتقادها أن تركيا يمكن أن يكون بحوزتها «عددًا كبيرًا من أجهزة الطرد المركزي من مصدر غير معروف»، ولهذه التكهنات الاستخباراتية قصة مثيرة.

في منتصف عام 2003 اختفت شحنة من أجزاء أجهزة الطرد المركزي كان عبد القدير خان أرسلها من ماليزيا عبر دبي إلى طرابلس، بطلب من الرئيس الليبي حينها معمر القذافي طلبها – وربما دفع ثمنها بالفعل – كجزء من صفقة كبرى تتعلق بـ10 آلاف جهاز طرد مركزي تهدف إلى تحويل ليبيا إلى قوة نووية. ظلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحقق لسنوات، لكنها لم تفلح في حل لغز تلك الشحنة، وكان اختفائها إيذانًا بإطلاق تكهنات حول احتمالية وجود عميل رابع غامض. 

بالنظر إلى أن تركيا تمتلك عددًا كبيرًا من أجهزة الطرد المركزي غير معروفة المصدر، وفقًا للمصادر استخباراتية المشار إليها آنفًا، ولمّا كان عبد القدير خان قبل فترة وجيزة من وضعه قيد الإقامة الجبرية قد سافر إلى تركيا، فإن الاستنتاج الذي يقفز إليه روهلي هو: أن تركيا هي «العميل الرابع»، بالإضافة إلى إيران، وليبيا، وكوريا الشمالية. 

لكن أجهزة الطرد المركزي ليست سوى مشهد واحد من القصة، ذلك أن خان زود عملائه أيضًا بعروض أو مخططات لتصميم الأسلحة النووية، حسبما تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العراق عام 1998. 

وحتى إذا لم تكن تركيا هي هذا «العميل الرابع»، يفترض المسؤول الدفاعي الألماني السابق أنها تمتلك الآن جميع الخطط اللازمة لصنع قنبلة، بالنظر إلى التعاون الطويل في إنتاج أجهزة الطرد المركزي مع خان. 

برنامج الطاقة النووية المدنية.. هل تصبح بوابة تركيا لبناء ترسانتها المسلحة؟ 

لأن برنامج الطاقة النووية المدنية غالبًا ما يكون هو الخطوة الأولى لصنع الوقود النووي، وربما بناء ترسانة سرية؛ ينظر الغرب وإسرائيل بعين الريبة إلى كل خطوةٍ تتخذها تركيا لبناء محطات نووية حتى لو أكدت مرارًا وتكرارًا أنها ستكون حصرًا لأغراض مدنية، من أجل تلبية الطلب المحلي المتزايد على الطاقة (ستة إلى 7% سنويًا)، وتقليل الاعتماد على الواردات.

«فورين بوليسي»: وثيقة جديدة.. امتلاك أسلحة نووية كان حلم تركيا منذ الستينيات

لتحقيق هذا الهدف بذلت تركيا خلال الخمسين عامًا الماضية جهودًا حثيثة، ووضعت خططًا طموحة، وأعدت دراسات جدوى استعانت فيها بخبرات دولية، وأطلقت مبادراتٍ شتى لبناء أول محطة للطاقة النووية. وتلخص السطور التالية أبرز المحطات التي مرت بها المحاولات التركية الحثيثة طيلة النصف قرن الفائت، وهي توفر إطلالة على الشركات الأجنبية التي شاركت في تلك المسيرة، وتحدد أبرز العقبات التي تسببت في إجهاض بعض المشروعات الطموحة في مهدها: 

5 محاولات منذ نهاية السبعينات وحتى عام 2008

المحاولة الأولى:

1965: بدأت الدراسات الخاصة ببناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا.

1967 – 1970: أعدت شركة استشارية أجنبية دراسة جدوى لبناء محطة طاقة نووية بطاقة 300 إلى 400 ميجاوات.

كان يفترض تشغيل المحطة بحلول عام 1977، لولا أن المشروع لم يؤت ثماره بسبب مشاكل متعلقة باختيار الموقع وعقبات أخرى. 

المحاولة الثانية:

1973: قررت هيئة الكهرباء التركية بناء نموذج مبدئي لمحطة بقدرة 80 ميجاوات.

1974: ألغي المشروع لأنه يمكن أن يؤخر بناء محطة أخرى بطاقة أكبر. إذ قررت هيئة الكهرباء التركية البناء بطاقة 600 ميجاوات في جنوب تركيا.

1974 – 1975: أجريت دراسات لاختيار موقع لبناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا، ووقع الاختيار على منطقة أكويو في بلدة جولنار التابعة لمدينة مارسين. 

1976: منحت هيئة الطاقة الذرية التركية ترخيص بناء محطة أكويو.

1977: بعد تجهيز عرض، حصلت شركتا «ASEA – ATOM» و«STAL-LAVAL» على العقد، لكن المفاوضات بشأن العقد استمرت طيلة السنوات الثلاث التالية. 

1980: أدى سحب ضمان القرن في سبتمبر إلى إلغاء المشروع. 

المحاولة الثالثة:

جرت محاولة ثالثة في العام ذاته، حين حصلت ثلاث شركات على عقدٍ لبناء أربع محطات للطاقة النووية: 1 – مفاعل «كاندو (CANDU)» من تصميم شركة «الطاقة الذرية الكندية المحدودة». 2 – (AECL) وحدة مفاعل الماء المضغوط من شركة «KWU» الألمانية في أكويو. 3 و4 وحدتان لمفاعل الماء المغلي من شركة جنرال إلكتريك في سينوب. 

لكن حين طلبت تركيا تطبيق نظام «البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)»، سحبت شركة «KWU» الألمانية عرضها. وبينما وافقت شركة «الطاقة الذرية الكندية المحدودة» على تطبيق نظام «BOT» الذي طلبته تركيا، إلا أنها طلبت الحصول على ضمان حكومي في المقابل، وحين رفضت الحكومة التركية، أسدل الستار على المشروع.

المحاولة الرابعة:

1993: حدد المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا مشروع توليد الكهرباء النووية باعتباره ثالث أولوية قصوى للبلاد. وفي ضوء هذا القرار، أدرجت شركة الكهرباء التركية «TEAS» مشروع بناء محطة للطاقة النووية في برنامجها الاستثماري لذلك العام.

1995: اختارت شركة الكهرباء التركية معهد الكوري لأبحاث الطاقة الذرية «KAERI» لتعمل مستشارًا لإعداد مواصفات العطاءات.

1996: فتح باب تقديم العطاءات.

1997: قدمت ثلاثة اتحادات – هي: شركة «الطاقة الذرية الكندية المحدودة»، وشركة «Nuclear Power International»، وشركة «وستنجهاوس» بعروض إلى تركيا. 

2000: في يوليو (تموز)، بعد سلسلة من التأخيرات، قررت الحكومة تأجيل المشروع. 

المحاولة الخامسة:

2007: في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) دخل قانون إنشاء وتشغيل محطات الطاقة النووية وبيع الطاقة المولدة (قانون رقم: 5710) حيز التنفيذ. 

2008: في 19 مارس نشرت الجريدة الرسمية لائحة تنظم الإجراءات  والمبادئ المتعلقة ببناء وتشغيل محطات الطاقة التي ستبنى بموجب القانون رقم 5710، وتنظيم مبيعات الطاقة التي ستولدها. 

في 24 سبتمبر طرحت مناقصة لبناء وحدات لمحطة الطاقة النووية في موقع أكويو. وتقدم اتحاد واحد فقط في هذه المنافسة بمظروفٍ يتضمن عرضه.

 في 19 ديسمبر (كانون الأول) أعلنت هيئة الطاقة الذرية التركية «TAEK» أن العرض المقدم يفي بالمعايير المطلوبة. 

2009: في 19 يناير (كانون الثاني)، فُتِحَ المظروف المقدم بتاريخ في 24 سبتمبر. 

في 20 نوفمبر ألغيت المناقصة بعد تقييم العرض. 

إلى أين وصلت تركيا حتى الآن في مسيرتها لبناء محطات الطاقة النووية؟

تهدف وزارة الطاقة والموارد الطبيعية «MENR» إلى أن تسهم محطات الطاقة النووية في توليد الطاقة الكهربائية بنسبة 5% على الأقل بحلول عام 2023. 

تركيا

محطات الطاقة النووية المخطط إنشاؤها في تركيا. المصدر: الجمعية العالمية للطاقة النووية

– محطة الطاقة النووية الأولى

2010: في فبراير بدأت المفاوضات المباشرة مع الاتحاد الروسي لبناء محطة للطاقة النووية على موقع أكويو، تُوِّجت بتوقيع اتفاق بين الحكومتين، بموجب نظام «BOT»، في 12 يوليو. وفي 13 ديسمبر تأسست شركة مشروع أكويو «APC» لتنفيذ المشروع. 

2011: في السابع من فبراير أقرت هيئة الطاقة الذرية التركية ملكية شركة «APC» للمشروع، بموجب مرسوم ترخيص المنشآت النووية (تغير اسم الشركة في عام 2014 إلى JSC).

2013: في فبراير، وقعت شركة «Atomstroyexport» الروسية المملوكة لشركة روس آتوم وشركة «Ozdogu» أول عقد لتجهيز موقع بناء محطة أكويو. 

2017: في الثالث من مارس تقدمت شركة «JSC» بطلب للحصول على رخصة لبناء الوحدة الأولى في محطة أكويو للطاقة النووية، وحصلت على تصريح عمل محدود في 20 أكتوبر لتدشين البنية التحتية غير المرتبطة بالسلامة النووية. 

2018: في الثاني من أبريل (نيسان)، حصلت الشركة على رخصة البناء، لتبدأ في إنشاء المباني والبنى التحتية المتعلقة بالسلامة النووية، مثل مباني المفاعل أو التوربينات. وفي اليوم التالي مباشرة، بدأ رسميًا صب خرسانة الأساس لأول وحدة في المشروع. 

– محطة الطاقة النووية الثانية

جاءت تتويجًا لمفاوضات أجرتها وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية مع عدد من الدول (كندا، والصين، واليابان، وكوريا الجنوبية).

2013: في الثالث من مايو (أيار)، وقعت الحكومتان التركية واليابانية صفقة بقيمة 22 مليار دولار لبناء محطة نووية في مدينة سينوب المطلة على البحر الأسود، من خلال ائتلاف ياباني – فرنسي يضم شركتي «ميتسوبيشي وإتوتشو» اليابانيتين بالتعاون مع شركة «جي.دي.أف سويز» الفرنسية، وهي أول صفقة كبرى تطلب من فرنسا واليابان منذ انهيار مفاعلات فوكوشيما في عام 2011.

2015: في 31 يوليو دخل الاتفاق حيز التنفيذ بعد الانتهاء من الإجراءات الدبلوماسية. 

2016: صدق البرلمان التركي على قانون لإنشاء جامعة تركية يابانية للعلوم والتكنولوجيا. 

2018: أعلنت شركة إتوتشو اليابانية انسحابها من المشروع، بسبب الجدول الزمني والتكلفة، وأدى تأخير تنفيذ المشروع إلى مضاعفة التكاليف إلى حوالي 5000 مليار ين ياباني (44 مليار دولار أمريكي). وكان من المقرر أن تعمل الوحدة الأولى من المحطة النووية بحلول عام 2023، والوحدة الأخيرة بحلول عام 2028. 

– محطة الطاقة النووية الثالثة
2017: في 13 يونيو (حزيران) وقعت مذكرة تفاهم بين شركة توليد الكهرباء التركية «EUAS» وشركة و«يستينجهاوس إلكتريك EC»، والشركة الصينية لتكنولوجيا الطاقة النووية «SNPTC» لتنفيذ دراسات جدوى مشروع بناء ثالث محطة للطاقة النووية في تركيا. 

تركيا

ليس قفزًا في الفراغ.. هكذا تبني تركيا قواعدها العلمية في مجال الطاقة النووية

حين قال إبراهيم خليل ديري، رئيس قسم تنفيذ مشاريع الطاقة النووية التابعة لوزارة الموارد الطبيعية والطاقة، في منتصف فبراير الماضي: «حان الوقت كي تحقق تركيا حلمها بالحصول على الطاقة النووية بعد انتظار طال لمدة 60 عامًا»، لم يكن تصريحه قفزًا في الفراغ، بل في مقامِ الاحتفال بتخرج الدفعة الثالثة من الخبراء الأتراك الذين درسوا الطاقة النووية في «معهد موسكو للفيزياء الهندسية (MEPhI)» التابع للجامعة الوطنية الروسية للأبحاث النووية، والذين من المقرر أن يعملوا في محطة أكويو للطاقة النووية في مرسين، جنوب تركيا. 

وحين أصرَّت تركيا على تطبيق نظام «البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)» في مشروعات بناء الطاقة النووية التي طرحتها على الشركات الدولية؛ لم تكن تبحث فقط عن حلٍ لمشكلة التمويل دون أن تضطر إلي اللجوء للاقتراض أو فرض مزيد من الأعباء على مواطنيها، بل كانت تطمح أيضًا إلى اكتساب الخبرات الفنية ونقل التكنولوجيا النووية وتدريب المتخصصين الأتراك على أحدث ما توصل إليه العالم في هذا المجال.

ولم تكتفِ تركيا بإيفاد خبرائها إلى الخارج، واستقطاب الخبرات الأجنبية إلى الداخل عبر اتفاقات الـ«BOT»، وإنما شرعت منذ الستينات في إدخال برامج تعليمية متخصصة في مجال الطاقة النووية إلى جامعاتها، بموازاة محاولاتها الحثيثة طيلة نصف قرن للحاق بالركب النووي، ويعني ذلك كله أنه يمكن قراءة أحلام نووية بين السطور في تحركات الدولة التركية خلال السنوات الأخيرة.

المصادر

تحميل المزيد