على الرغم من انهماك تركيا في مواصلة عملياتها العسكرية في إدلب، ومواجهة تصاعد التوتر العسكري والسياسي في ليبيا، كان وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو حريصًا في 25 مايو (أيار) الماضي على إحياء الذكرى الـ57 لـ«يوم أفريقيا»، وانتهز هذه المناسبة لمخاطبة أبناء القارة في أفريقيا عبر مقالٍ نشرته وسائل إعلام في القارة بعنوان «الشراكة مع أفريقيا ضرورة أكثر من أي وقت مضى». 

وبينما كان أوغلو يعلن أن «الشراكة التركية-الأفريقية ستكون مثالًا يُحتذى في النظام العالمي ما بعد كورونا»، كانت بلاده تخطط لعقد المنتدى الاقتصادي والتجاري الثالث بين تركيا وأفريقيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي عقدت النسخة الأولى والثانية منه في إسطنبول عامَي 2016 و2018. 

أفريقيا.. قلب خطة التحول التركية 

هذا النشاط المتزامِن على عدة أصعدة – دون أن تغطي منافسة على أخرى، بل بعضها يخدم البعض – هو في الواقع أحدث تجليات التحوُّل الذي طرأ على علاقة تركيا بأفريقيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بل هو في جوهره قصة تحوُّلها من دولةٍ «طرفية» تدور في الفلك الغربي، وتسعى لفصل ماضيها العثماني عن حاضر الجمهورية الكماليّة، إلى دولة «مركزية» تسعى لمد جسور التعاون مع محيطها الإقليمي، وفق نظرية «العمق الإستراتيجي» التي صاغها أحمد داود أوغلو، رئيس وزراء تركيا السابق، انطلاقًا نحو الاضطلاع بدور إقليمي أكبر بدلًا عن أن تكون مجرد «دولة رد فعل». 

مجتمع

منذ 4 سنوات
ماذا تعرف عن ورثة الدم التركي في إفريقيا؟

ومصطلح «العمق الإستراتيجي» عميق الجذور في الآداب العسكرية، بيدَ أن أوغلو استعار هذا «العمق» ليكون شعارًا لتحوُّل تركيا من بلد «طرف» أو «هامشي»، يقتصر دوره في كونه عضوًا في محاور أو عداوات، إلى بلد «مركز» يعزف سيمفونية متناغمة على عدة أصعدة في علاقاته الخارجية المتشعبة، وفي الوقت نفسه يتصدى للقيام بدور فاعل ومبادر في مختلف القضايا الإقليمية والدولية.

من رحم هذه الإستراتيجية أصبحت تركيا تمتلك خامس أكبر شبكة دبلوماسية في العالم، بـ243 بعثة دبلوماسية وقنصلية، بحسب الموقع الرسمي لوزارة الخارجية التركية.

وفي إطار هذه الخطة الخارجية تولي تركيا اهتمامًا خاصًا بأفريقيا باعتبارها القارة التي تتمتع بقوة بشرية تتجاوز مليار نسمة، وتزيد قوتها هذه بمعدل 24 مليون نسمة سنويًّا، وتمتد على مساحة كبيرة تتخطى 30 مليون كيلومتر مربع، وتحتضن ثروة غنية من الموارد الطبيعية تلبي 15% من احتياجات النفط العالمية، كما أنها تمتلك ثلث الأراضي الصالحة للزراعة في العالم.

3 عقود من زرع البذور التركية في أفريقيا 

يمكن تتبع الاهتمام التركي بأفريقيا بالعودة إلى حقبة التسعينيات، وتحديدًا عام 1989 مع خطة «الانفتاح على أفريقيا»، وتعزّز هذا الاهتمام أكثر مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، ليصبح واقعًا ملموسًا في السياسة الخارجية التركية مع تولي أحمد داود أوغلو، منظِّر «موقع تركيا في الساحة الدولية»، منصب كبير مستشاري رئيس الوزراء عبد الله جول، بعد فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2003، ويُتوِّج بمنح أنقرة 2005 «عام أفريقيا»، صفة مراقب داخل الاتحاد الأفريقي. 

منطقة الشرق

منذ شهرين
«المونيتور»: ما هو طموح تركيا في المغرب العربي؟ 

وفي العام التالي مباشرة من صعود أوغلو إلى منصب وزير الخارجية عام 2009، تبلور اهتمام أنقرة بالقارة في شكل «وثيقة الشراكة الإستراتيجية «بين تركيا وأفريقيا في عام 2010، قبل أن يتحوَّل «الانفتاح» إلى «الشراكة» في عام 2013، ويترسخ هذا الاتجاه الجديد مع النسخة الثانية من قمة الشراكة التركية – الأفريقية التي انعقدت عام 2014 في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية.

وسرعان ما وضعت تركيا خارطة طريق للمشاريع التي تعتزم تنفيذها في القارة السمراء ما بين عامي 2015 و2019، وهي نقلةٌ نوعية بدأت ثمارها تظهر بوضوح في عام 2018، تحوطها أكثر من 500 زيارة رفيعة المستوى بين تركيا ودول القارة من 2015 حتى 2019، حتى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زار 23 بلدًا أفريقيًا منذ توليه منصبه في أغسطس (آب) 2014 وحتى عام 2019، ليصبح صاحب أكبر عدد من الزيارات إلى القارة من بين القادة غير الأفارقة.

من 2003 حتى اليوم.. طفرات في العلاقات التركية الأفريقية

تُوِّجَت هذه السياسة الطموحة بطفرةٍ على المستوى الدبلوماسي بزيادة عدد السفارات التركية في أفريقيا من 12 عام 2002 إلى 42 حاليًا، وقفزة مماثلة في عدد سفارات الدول الأفريقية لدى أنقرة إلى 36 بعدما كان 10 فقط في عام 2008. 

وحدثت طفرة مشابهة على المستوى الاقتصادي، إذ تضاعف حجم التجارة البينية بين تركيا ودول القارة ست مرات خلال السنوات الـ18 الأخيرة، ليتجاوز سقف الـ20 مليار دولار بعد أن كان لا يتعدى 3 مليارات دولار في عام 2003. 

تحوط هذا الانتعاش اتفاقيات تعاون تجاري واقتصادي وقعتها تركيا مع 46 بلدًا أفريقيا، إضافة إلى اتفاقية تحفيز وحماية الاستثمارات بشكل متبادل مع 28 دولة، واتفاقية تجنب الازدواج الضريبي مع 12 دولة، إلى جانب اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة التي تعقدها تركيا مع 27 بلدًا، ومجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية الذي يمد جسور التعاون مع 43 دولة. 

الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان

وأنجزت تركيا تقدمًا آخر على صعيد التبادل الثقافي، بتدشين 144 مؤسسة تعليمية و17 سكنًا للطلاب يديرها وقف المعارف التركي في أنحاء أفريقيا، وتقديم منح لأكثر من 10 آلاف طالب من 54 دولة أفريقية للدراسة في الجامعات التركية، منذ عام 1992، بموازاة زيادة الرحلات المنتظمة التي تسيرها الخطوط الجوية التركية إلى 53 وجهة في 35 بلدًا في القارة.

«نحن نختلف عن الآخرين».. كيف صاغت تركيا خطابها في أفريقيا؟ 

هذا التحوُّل التركي من دولة «طرفية» و«تابعة» إلى دولة «مركزية» و«مبادِرة» لم يكن هادئًا، بل لطالما كان حاضرًا بصخب في الخطاب التركي الرسمي المناوئ للتاريخ الاستعماريّ في القارة؛ بدءًا من إعلان أردوغان أن «نظرتنا تجاه أفريقيا لم تكن أبدًا مثل نظرة المستعمرين الذين قدموا إلى هذه المنطقة، ولن تكون بهذا الشكل بتاتًا»، وصولًا إلى ترديد الأتراك على مسامع الأفارقة «أنّهم يمتلكون 150 ألف وثيقة عن القارة الأفريقية تؤكد على أنّ تركيا ليس لديها مــاض استعماريّ في القــــارّة».

وحين يعلن أردوغان أن «الأتراك والأفارقة نالوا حريتهم بأرواح ودماء أجدادهم وآبائهم، وليس بإحسان قوى معينة»، ولا يفتأ في كل مناسبة يُذكِّر بخطورة «العقلية الاستعمارية»، التي أدت إلى نهب موارد القارة الطبيعية، كالذهب والألماس، وارتكاب المجازر، مثلما حدث في رواندا، ويستدعي ما يسميه «الكفاح الذي خضناه في سبيل استقلالنا السياسي»، ليكون وقودًا لـما يعتبره «الكفاح نفسه الذي نخوضه اليوم من أجل استقلالنا الاقتصادي»، يكون ذلك عادًة لتطبيق رؤى جريئة، مثل: استخدام العملات الوطنية في التعاملات التجارية المشتركة بين دول أفريقيا وتركيا. 

والمتأمِّل لهذا الخطاب الذي تتبناه تركيا في أفريقيا يجد أنه لا يقتصر على استهداف المستعمرين القدامى في أفريقيا، بل يأتي في إطار تحالف تسعى لتشكيله تركيا الآن مع أفريقيا في مواجهة ما تسميه كبار المستعمرين الجدد في العالم أيضًا، مستعينة في تسويقها لتلك الفكرة بموقعها الجغرافي واقتصادها الديناميكي الذي يوكل إليها الاضطلاع بدور حيوي على خارطة المصالح العالمية، سواء في الشرق الأوسط أو القوقاز، أو على مستوى تدفق الطاقة إلى أوروبا. 

وفي قلب هذه الرؤية يتردد شعار أردوغان الشهير: «العالم أكبر من خمسة»، وهو لا يعني فقط الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين)، بل النظام العالمي برمته الذي يرى أنه قد «عفا عليه الزمن»، وهي الفكرة التي تحاول الدبلوماسية التركية ترسيخها في أفريقيا أيضًا.

الإمارات وفرنسا تراها غازية.. تركيا تدخل سباق الأفيال في أفريقيا

لم تكتفِ تركيا بالانتقال إلى البحر المتوسط، لجني ثمار اقتصادية ومواجهة اليونان وفرنسا، بل «ذهبت بعيدًا في اقتحام مناطق السيطرة والتحكم المباشر لفرنسا، خاصة منطقة الساحل»، كما يلفت أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، علي ربيج.

وحين قال السفير التركي في العاصمة السنغالية داكار، أحمد قواس، منتصف يونيو (حزيران) الماضي: إن «الأوروبيين غزوا القارة بأكملها، لكنهم لم يستطيعوا البقاء فيها لأكثر من قرن. تركوا لغتهم وثقافتهم إلى حد ما، لكن أفريقيا تتعافى»، إنما كان يلمز في المقام الأول فرنسا، المستعمر السابق للسنغال (1854ــ 1865م)، الذي امتدت مخالبه إلى 20 دولة بين شمالي قارة أفريقيا وغربها.

وعلى النسق ذاته، حين أجرى وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قبل أيام جولةً شملت ثلاث دول أفريقية، هي: توجو، وغينيا الاستوائية، والنيجر، إنما كان يبعث برسالةٍ ضمنية مفادها أن المعركة بين فرنسا وتركيا لن تقتصر على ليبيا وشرق المتوسط، بل ستمتد إلى منطقتَي الساحل والصحراء. 

على امتداد خط المنافسة، نجد الإمارات التي وصفت صحيفتها «الاتحاد» – على لسان الباحث السعودي في الحركات الإسلامية، عبد الله بن بجاد العتيبي – جهود تركيا في أفريقيا بأنها «غزو»، وهو الوصف الذي يكاد يتطابق مع ما تنشره الصحف الفرنسية، مثل لوموند التي تصف دور أنقرة في القارة بأنه «طموح خبيث». وفي المقابل، تتهم تركيا الإمارات بـ«تهديد السلم والأمن الإقليمي والدولي في العديد من الدول والمناطق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، حتى أنها دعت مجلس الأمن الدولي لـ«تذكير البلد الخليجي بمسؤولية الامتثال للقانون الدولي والإنساني».

وبينما أسست الإمارات سياساتها الخارجية في أفريقيا على أربعة أسس، هي: التجارة، والسياحة، ومكافحة ما تسميه «الإرهاب»، وإحداث توازن لصالح الدول الخليجية بمواجهة النفوذ الإيراني، فإن حساباتها تواجه تحديًا قويًا يتمثل في الانفتاح التركي والقطري على القارة، خاصة في ظل حضور أنقرة المتزايد في الصومال والسودان، ومؤخرًا بدء تصدير الدفعة الأولى من مدرعاتها الحربية «خضر» إلى القارة، بموجب عقود وقعتها في يوليو (تموز) 2019 بقيمة 20.7 مليون دولار.

دولي

منذ 3 شهور
مبارزة طويلة.. هل كسب أردوغان حتى الآن نقاط مباراته مع ماكرون؟

أيضًا هناك نشاط سعودي واضح في أفريقيا، تُوِّج مؤخرًا بتوقيع معاهدة دول البحر الأحمر في يناير (كانون الثاني)، بين مصر، وإريتريا، والسودان، وجيبوتي، والسعودية، والأردن، واليمن، وهي خطوة مهمة للمملكة في إطار تطوير السياحة والتجارة على طول مياه البحر وتنويع الاقتصاد السعودي ضمن رؤية 2030، وتعزيز الأمن في منطقة تعبر منها نسبة 13% من التجارة العالمية.

وكانت عدوى الأزمة الخليجية، التي وقفت فيها السعودية، والإمارات، ومصر، والبحرين ضدّ قطر وحليفتها تركيا، قد انتقلت كالطاعون إلى القرن الأفريقي، الذي تعتبر أنقرة نفسها فيه قوّة خيّرة تدفعها سياسة خارجية «مبادِرة وإنسانية»، بينما تقول الدول الخليجية المنافِسة إنّها تعكس سعيًا خطيرًا لعملية إعادة إحياء «العثمانية الجديدة».

ومثلما ظلت السعودية تتوغل في القارة الأفريقية لعقود على بساط مكانتها الدينية، تتطلع تركيا هي الأخرى إلى الظهور كقوة إسلامية، كما يقول الباحث عبد الله سوناي، من مركز لايبنيتس للمشرق الحديث في برلين، وآخر مظاهر ذلك كان افتتاح «مسجد عبد الحميد الثاني»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 ليكون أكبر مسجد في جيبوتي. 

على جانب آخر، وعلى الرغم من زيادة حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا باطراد، تتصاعد حدة التوترات بين البلدين في ليبيا، حتى أن مصر حشدت شيوخ القبائل الليبية لدعم تدخل مصر عسكريا في بلدهم لمواجهة تركيا، ودخلت دار الإفتاء المصرية على الخط مؤخرًا متهمة النظام التركي باستخدام «إستراتيجية إرسال إرهابيين إلى الدول الأفريقية، خاصة دول شمال أفريقيا ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا، بهدف التوسع والسيطرة على القارة السمراء». 

وكل الدول السابقة يمكن وضعها في قائمة الإعداء لتركيا في القارة الأفريقية، أما قائمة المنافسين فتشمل بطبيعة الحال كل القوى التي تسعى لاكتساب موطئ قدم لها في القارة، وعلى رأسها الصين التي أشار السيناتور الجمهوري الأمريكي ليندسي جراهام، مؤخرًا إلى أن تركيا يمكن أن تشكل بديلًا لمنتجاتها في أفريقيا، وأن واشنطن وأنقرة يمكنهما التعاون لكسر نفوذ الصين في القارة. 

لكن الولايات المتحدة لا يمكن وضعها في خانة الأصدقاء الخُلَّص، خاصة بعد التوترات التي نجمت عن شراء تركيا نظام إس-400 الصاروخي الروسي، وهي تسعي في الوقت ذاته لاستعادة نفوذها المتآكل في القارة، كما أعلن تيبور ناجي، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، العام الماضي، وإن كانت تصريحات المسؤولين الأمريكيين، وعلى رأسهم ساكن البيت الأبيض، حول أفريقيا تعتبر مسيئة للغاية في بعض الأحيان.

وهناك أيضًا روسيا التي تحاول التمدد في الفراغ الأمريكي، أينما لملم العم سام رحاله، وحتى لو كانت موسكو وأنقرة يواصلان التشاور حول الأوضاع في ليبيا، فإن العلاقة بينهما تتّصف في المجمل بانعدام الثقة، وليس بالتقارب الجيو-سياسي، على خلفية الطبيعة التنافسية لتطلّعاتهما الإستراتيجية. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد