«لا تكن متصلبًا ولا تكن أحمق!»، هكذا ختم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسالته للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في تحذير لتركيا من شنّ عملية عسكرية ضد القوات الكردية الحليفة لأمريكا في شمال سوريا، ليجيء الرد التركي بانطلاق عملية «نبع السلام» التركية في اليوم التالي.

أحيت رسالة ترامب ذكرى رسالة أخرى أثارت ضجة في الأوساط السياسة والإعلام التركي، مُرسلها الرئيس الأمريكي ليندون جونسون لرئيس الوزراء التركي آنذاك، عصمت إينونو، خليفة مصطفى كمال أتاتورك في قيادة الجمهورية التركية حديثة الولادة.

أرسل جونسون رسالته في الخامس من يونيو (حزيران) 1964، بلغة وأسلوب مُسيئين دفعا إينونو ليحرص على منع نشرها. إذ حذّر جونسون الأتراك من التدخل العسكري في قبرص وإلا فلن تستطيع أمريكا وحلفاء الناتو «حماية تركيا»، لكن تركيا اليوم ليست تركيا 1964، ولا السياسة الخارجية التركية نفسها.

في هذا التقرير نبحث أهمية تركيا بالنسبة لأمريكا في المنطقة، وهل هي – بجانب إسرائيل – أهم حليف أمريكي في الشرق الأوسط؟

جونسون يقطع العلاقات الدافئة بين تركيا وأمريكا

تتمتع تركيا بعلاقة من نوع خاص مع الولايات المتحدة، يشوبها توتر مستمر وأزمات دبلوماسية وسياسية متتالية. لهذه العلاقة المميزة أسس تاريخية قديمة، منها الدخول المبكر لتركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1952، وجيشها الآن ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الجيش الأمريكي. انضمامها للناتو إعلان رسمي بانضمامها للمعسكر الغربي ضد الاتحاد السوفيتي، وفتح لها هذا الانضمام أبواب الحماية والدعم العسكري الأمريكي، واليوم جيشها ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الجيش الأمريكي.

وفي مسعاها للانضمام لهذا الحلف كانت تركيا أول بلد بأغلبية مسلمة تعترف بدولة إسرائيل، في مارس (آذار) 1949، بعد عام من تأسيسها إثر النكبة.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي أندرو جونسون (يمينًا) مع رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو (يسار الصورة)، في زيارة لإينونو لواشنطن بعد ثلاثة أسابيع من رسالة جونسون القاسية

شهدت العلاقة مع أمريكا تشنجًا وتبادلًا للتهديدات عبر العقود الماضية، وفاقم هذا التوتر قضايا إقليمية عالقة منذ عقود: حقوق الأتراك القبارصة والوجود التركي العسكري في قبرص، والعلاقة مع أكراد المنطقة، سواء في العراق أو سوريا وإيران، والتعاون الأمريكي في السنوات الماضية مع جماعات كردية تعتبرها تركيا «إرهابية».

من رسالة جونسون إلى رسالة ترامب

كانت رسالة الرئيس الأمريكي جونسون أول صفعة أمريكية لتركيا. تحدث جونسون عن امتناع أمريكا عن مساندة تركيا في مساعيها في قبرص لحماية القبارصة الأتراك بعد انقلاب في الجزيرة بدعم يوناني، وهدّد برفع الحماية الأمريكية وحماية الناتو عن تركيا المجاورة مباشرةً للاتحاد السوفيتي.

هذه الصفعة أعطت قبلة الحياة في تركيا لفكرة الاستقلال عن التحالفات الغربية مع أوروبا وأمريكا، وجاءت الهزّة الثانية للعلاقات مع الدخول التركي لقبرص في 1974 بدون موافقة الناتو، ففرضَ الكونغرس حظرًا لبيع الأسلحة على تركيا، لترد بـ«إغلاق معظم المنشآت الأمريكية الدفاعية والاستخباراتية» الموجودة على أراضيها، بين أعوام 1975-1978.

تغريدة تحتوي صورة لرسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره التركي رجب طيب أردوغان

استيقظت تركيا على خطر الاعتماد العسكري الكامل على الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وبدأت منذ ذلك الحين جهود التصنيع المحليّ. ولكن ظلّت هذه المساعي ضعيفة حتى وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في 2002، إذ كان القطاع الدفاعي التركي ينتج قرابة 20% فقط من الاحتياج التركي الدفاعي، وفي مطلع 2020 أصبح ينتج 65%.

ولكن تخفي هذه الأرقام حقيقة أن قطاع التصنيع العسكري في تركيا يعتمد على كثير من المنتجات الفرعية المصنعة أوروبيًا وأمريكيًا، ما يعني تعطيل خطوط الإنتاج المحلية، عدا تعطيل عمليات إصلاح وتحديث معدات ثقيلة اشترتها تركيا سابقًا، مثل مقاتلات «إف-16» ودبابات «إم-60» الأمريكيتين.

ونشرت منصة «ستراتفور» تقييمًا للضرر الذي سيلحق بالقطاع التركي لو فرضت عقوبات أمريكية وأوروبية على تركيا التي تشتري من ألمانيا الغواصات، ومن إيطاليا طائرات «الهليكوبتر» وأقمار التجسس.

يشير التقرير إلى احتمالية التفاف تركيا على حظر السلاح بالتوجه نحو دول أخرى مثل أوكرانيا، وبيلاروسيا، وروسيا، والصين وباكستان.

تركيا «تحجّ» لمصالحها بعيدًا عن أمريكا

بدأ الدور التركي المحوري بالنسبة للناتو وأمريكا بالتفكك منذ انتهاء الحرب الباردة، فالاتحاد السوفيتي، العدو الواضح والكبير اختفى، وانشغلت روسيا لعدة سنوات بخلافات داخلية وإعادة ترتيب بيتها.

دشّن اجتياح نظام صدام للكويت في أغسطس (آب) 1990 خلافًا تركيا أمريكيا عميقًا، فبعد طرد الجيش العراقي من الكويت فرضت الولايات المتحدة حظرًا جويًا وبريًا في شمال العراق، وتحديدًا على المناطق المأهولة بالأكراد، ودعمت مساعيهم للاستقلال عن بغداد.

دولي

منذ 8 شهور
صداقة على الورق وعدواة على أرض الواقع.. ما حقيقة علاقة تركيا وإسرائيل؟

انفجار الأوضاع في شمال العراق دفع بعشرات آلاف الأكراد للجوء نحو تركيا التي كانت في حرب عصابات مستمرة مع قوات حزب العمال الكردستاني (بي كا كا). ومع فرض الحظر الجوي والبري على شمال العراق استطاعت قوات الحزب إعادة تنظيم قواتها في المنطقة المحظورة وإطلاق عمليات ضد تركيا من شمال العراق. هذا النوع من التدخل الأمريكي أشعل أولى الخلافات بين تركيا وأمريكا في المنطقة بعد الحرب الباردة.

أنقرة تغيّر البوصلة نحو الخارج

أعلن أردوغان في يناير (كانون الثاني) الماضي، عن التوجه الاستراتيجي الجديد لتركيا، وخلاصته: الانتقال من الدفاع للهجوم. وتغيير توجه تركيا من التركيز على الداخل للاتجاه نحو الخارج، ومعالجة التهديدات قبل أن تنضج، بسياسة «وقائية واستباقية».

وفي إطار تحقيق الرؤية الجديدة؛ يأتي افتتاح قاعدة عسكرية تركية في قطر (إبّان حصارها) وأكبر قاعدة عسكرية خارج تركيا في الصومال في أغسطس وسبتمبر (أيلول) 2019، ناهيك عن قيادة للقوات التركية في قبرص التركيّة منذ عام 1975، لتخرج تركيا من لباسها في الحرب الباردة ومن موقعها القديم، حليفة تقليدية لأمريكا في المنطقة.

ويبدو أن التوتر الذي تشهده العلاقات بين البلدين في السنوات الماضية حتى اليوم جزءٌ من العلاقة الجديدة في طور التشكل، فعقل الخارجية التركية الذي لاءم المصالح الأمريكية سابقًا يتغيّر الآن في اتجاهات أخرى، ويقرأ المصالح التركية بطريقة مختلفة عن القراءة الأمريكية.

وجاء الربيع العربي ليغير وجه المنطقة بدءًا بالحرب الأهلية في سوريا والتوسع الإيراني والروسي فيها، والصراع بين السياسيين السنة في العراق ونظرائهم الموالين لإيران، وصراع بغداد مع كردستان، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وما فتحه من مجالات للصراع على النفوذ في سوريا.

تركيا تلاعب خصوم أمريكا

أتاح صعود تنظيم «داعش» المجال لإيران – عدو أمريكا – الدخول لسوريا والعراق بقوة أكبر، وفتح الباب لروسيا لتتدخل دعمًا للنظام السوري في مقاتلة قوات التنظيم وبالطبع ضد القوات المُعارضة للنظام.

في هذا السياق كثّفت الولايات المتحدة تعاونها مع القوات الكردية المسلحة في سوريا، أولًا مع قوات وحدات حماية الشعب، ثم مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتعاونت أمريكا مع القوات الكردية لمقاتلة «داعش»، فسلّحتها ووفرت لها تدريبًا عسكريًا.

هذه العلاقة الكردية الأمريكية الوثيقة أثارت غضب تركيا ووتّرت العلاقة بشكل مستمر، لأن تركيا تعتبر «وحدات حماية الشعب» الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني المصنّف على لوائح الإرهاب التركية.

Embed from Getty Images

ومع تقدم الحرب ضد تنظيم «داعش» ازداد الدعم الأمريكي صعودًا حتى لحظة الصفر، حين أعلنت تركيا نيتها «تطهير» شمال سوريا من «الإرهاب»، في إشارة للقوات الكردية بشكل رئيسي، ولقوات «داعش».

ثم جاءت عملية نبع السلام في أكتوبر (تشرين الثاني) 2019، بعد اتفاق أمريكي تركي بانسحاب القوات الأمريكية وتُركت القوات الكردية بلا غطاء أمريكي. حفّزت العملية نقدًا دوليًا واسعًا لتركيا ودعوات لحظر بيع السلاح في أوروبا لها، وكالعادة كانت فرنسا الأعلى صوتًا في الاعتراض على التحرك التركي.

أما في سوريا، فتُلاعب تركيا خصوم أمريكا، مقتربةً ومبتعدة في كل موقف في إطار سعيها لتقليص النفوذ الروسي أو الإيراني في مستقبل سوريا، وعمليًا، فهي تبدو الحليف الأمريكي الوحيد، بجانب إسرائيل، الذي يواجه المصالح الروسية والإيرانية في سوريا.

المواجهة التركية الإيرانية تمتدّ للعراق أيضًا، حيث تتواصل تركيا مع السياسيين العراقيين من السنة وتسعى لإيجاد موطئ قدم لها، ومنافسها الأكبر هناك إيران. تنافس تركيا المصالح الإيرانية في العراق في بغداد، وفي إقليم كردستان العراق، إذ تسعى إيران للحفاظ على علاقات تجارية متينة مع الإقليم، ولكن التواجد التركي فيها أكبر في قطاعي الطاقة والإنشاءات.

وتلعب تركيا في العراق على العلاقة بين بغداد وأربيل، وتستخدم أنابيب النفط باعتبارها واحدة من أقوى أوراق الضغط على الطرفين.

وفي أعقاب استفتاء انفصال إقليم كردستان عن العراق أعلنت السلطات العراقية خططًا لإعادة تفعيل خط نفط بين كركوك والمرفأ التركي جيهان، دون المرور بكردستان، وأشارت تركيا لإمكانية إيقاف ضخ النفط الكردي من منطقة حكومة إقليم كردستان، ما ستكون له كلفة عالية على الإقليم الذي يصدّر 550 ألف برميل نفط من أصل 600 ألف حصرًا عبر تركيا. ليتكرر المشهد السوري ولكن في العراق؛ تركيا أقوى حليف أمريكي في المنطقة يتنافس مع إيران عدو أمريكا، على النفوذ في العراق.

اختلاط الحلفاء والأعداء

علاقة أنقرة مع طهران

رغم سعي تركيا للحد من نفوذ روسيا وإيران في سوريا والعراق إلا أن مصالحها تتقاطع في ملفات مختلفة مع مصالح خصوم أمريكا. ففي العراق، تتوافق السياسة الإيرانية مع التركية في العمل ضد استقلال إقليم كردستان عن العراق. فلدى كلا البلدين مخاوف من استقلال الإقليم وتحوله لقاعدة تموين وتدريب الحركات الكردية المسلحة لتطلق عملياتها ضد البلدين وعلى حدودهما.

ولكن على جانب آخر، سياستهما ليست موحدة بالكامل، فبين البلدين تجارب سابقة في الشأن الكردي. إذ سلّحت تركيا في التسعينيات قوات حزب كردستان الديمقراطي في إيران، وهو فصيل كردي مسلح معارض يعمل من شمال العراق. وفي الوقت نفسه، دعمت إيران حزب العمال الكردستاني في عملياته ضد الدولة التركية في تلك الفترة.

هدأ هذا التوتر بين البلدين في 2004 بعد وصول العدالة والتنمية للسلطة، واتفاق مع إيران انتهى بإعلان حزب العمال الكردستاني حزبًا إرهابيًا بالنسبة لإيران، وهذا التوجه لتقويض الاستقلال الكردي يأتي على النقيض من الرغبة الأمريكية التي سرعان ما تنهار دائمًا في قضايا الأكراد.

ورغم الخصومة التاريخية بين الأتراك والفرس، وتنافس الدولتين على النفوذ في المنطقة؛ إلا أن بينهما علاقة تعاون فعّالة، آتت ثمارها في واحد من أخطر الملفات في العقدين الماضيين، الملف النووي الإيراني. فقد وقعت تركيا في عام 2010 اتفاقية ثلاثية مع إيران والبرازيل تقضي بتداول اليورانيوم المخصّب بين البلدان الثلاثة، وعملت على توريده من البرازيل لإيران.

وفي العام نفسه، صعدَ لقيادة جهاز المخابرات التركية هاكان فيدان، وسرعان ما ظهرت الشكوك الإسرائيلية فيه، فنشرت صحيفة «هآرتس» مقالًا للصحفي أمير أورين، يتحدث عن مخاوف داخل وكالة الاستخبارات الإسرائيلية، «الموساد»، عن علاقة فيدان بإيران، إذ دافع في مؤتمر دولي عن حقوق إيران النووية، وعمل على تحسين العلاقات بين إيران وتركيا قبل استلامه لجهاز المخابرات.

أعرب كاتب المقال حينها في «هآرتس»، عن أن تعيين فيدان يعني ضرورة تقليص التبادل الاستخباراتي بين البلدين خشية تسرّب المعلومات لدول أو منظمات معادية. وقبل ذلك خرجت تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، إيهود باراك، قال فيها أن لدى تركيا العديد من أسرار إسرائيل التي يعتقد أنها «ستتاح لإيران في الشهور القادمة»، واصفًا هاكان بـ«صديق إيران» ويذكر المقال أنّه عمل وسيطًا بين إيران والبرازيل.

أنقرة وموسكو

في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 أسقطت تركيا مقاتلة «سوخوي-24» روسيّة في الأجواء التركية بعد تحذيرات تركية مستمرة لروسيا من اختراق مجالاتها الجوية.

اشتعلت أزمة دبلوماسية إثر إسقاط الطائرة؛ وفرضت روسيا عقوبات على تركيا تستهدف قطاعات السياحة والمقاولات بشكل خاص، واستهدفت الشركات التركية العاملة في روسيا في مجال الإنشاءات. واحدة من التقديرات تشير لخسارة بحجم 10 مليارات دولار أمريكي نتيجةً للعقوبات وإيقاف تدفق السياح الروس على تركيا.

حجم التبادل التجاري بين روسيا وتركيا بين 2002-2013 كان قد تضاعف خمس مرات، ووصلَ الاستثمار التركي المباشر في روسيا 420 مليون دولار عام 2015، بعد أن كان 154 مليون في 2002. وجاء فتح باب السفر بالكامل بإزالة تأشيرة الدخول لمواطني البلدين في عام 2011.

كذلك اعتمدت تركيا في احتياجها للطاقة على الغاز الروسي، وأخذت منه أكثر من 50-55% من مجموع ما تستهلكه. ورغم عدم استخدام روسيا لورقة الغاز للضغط على تركيا في الأزمة،؛ إلا أن تركيا بدأت في البحث عن مصادر أخرى لاحتياجاتها، متجهةً نحو أذربيجان التي حلّت مكان روسيا لتصبح أوّل مورّد غاز لتركيا وحلّت روسيا في المركز الرابع في منتصف 2020 مع انخفاض الاعتماد التركي على الغاز الروسي إلى أقل من 10٪.

ورغمَ التوتر الظاهر بين روسيا وتركيا في خلافهما على الطاقة، وعلى سوريا وليبيا؛ قرّرت تركيا تجاهل كل الضغوطات الأمريكية والأوروبية والتوجه نحو روسيا لشراء منظومتها الدفاعية «إس-400» رغم تهديدات بعقوبات أمريكية وتعليق برنامج مقاتلات «إف-35» مع تركيا.

وبالفعل علقت أمريكا تدريبها لطيارين أتراك على طائرات «إف-35»، وأعلن البنتاجون في يوليو (تموز) 2020 شراءه حصة تركيا من الطائرات المقاتلة، نظرًا لما قد يسببه عمل المنظومة الروسية بجوار الطائرة الأمريكية من اختراق يقوّض تفوق التقنية الأمريكية.

ومرةً أخرى يتكرر مشهد العراق وسوريا، لتكون تركيا هي الحليف الأمريكي الوحيد الذي يقاتل المصالح الروسية في ليبيا، وفي الوقت نفسه تقف أمام حلفاء أمريكا الداعمين لاختيار روسيا، اللواء الليبي خليفة حفتر، مثل مصر والإمارات وفرنسا. ورغم تأخر البيت الأبيض عن التعليق على الدور الروسي، التقط البنتاجون الخيط وصرّح في مايو (أيار) 2020 لأول مرة بشكل علني ضد التواجد الروسي في ليبيا.

ويمكن القول بأنه للتواجد التركي في ليبيا أهميته الاستراتيجية؛ فبتعزيز نفوذها هناك تعزّز موقعها في الصراع القائم على موارد شرق المتوسط، وتقوّي محورها أمام محور إسرائيل ومصر وقبرص واليونان، فمرةً أخرى، حلفاء أمريكا خصومٌ في المنطقة.

المستقبل الصعب: بايدن أم ترامب؟

يمكن القول أنه مع اقتراب الانتخابات الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، بوجود جو بايدن، المرشح الديمقراطي للرئاسة، وتهديده لتركيا بتغيير سياسات أمريكا تجاهها في حال فوزه بالانتخابات؛ فإن العلاقات التركية الأمريكية مقبلة على مستقبل مجهول.

ففي مقابلة مصوّرة معه نُشر جزء منها الشهر المنصرم، صرّح بايدن بأنه سيدعم «قيادة المعارضة التركية» و«عناصر في القيادة التركية» لتولي زمام السلطة وهزم أردوغان، مؤكدًا أن يتم ذلك عبر الانتخابات لا الانقلابات. وتحدث في المقطع ذاته عن سياسات تركيا تجاه الأكراد وضرورة العمل مجددًا على دمجهم بالنظام السياسي التركي، وأنه لم يكن ليتخلّى عن الأكراد نزولًا عند رغبة أردوغان، في إشارة لسماح الرئيس الحالي ترامب للأتراك بإطلاق عملية عسكرية في شمال سوريا تستهدف القوات الكردية الحليفة لأمريكا.

وأشار بايدن لصفقات السلاح التركية الأمريكية وإذا ما ستستمرّ في ظل سياسات أردوغان التي يجب العمل مع حلفاء أمريكا لـ«عزل أفعاله» خاصة في «شرق البحر الأبيض المتوسط وفيما يتعلق بالنفط» هناك.

سبق هذه التصريحات مواجهة بين بايدن وتركيا عندما كان بايدن نائبًا للرئيس الأمريكي باراك أوباما، إذ اتهم تركيا في خطاب له في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 بدعم تنظيم «داعش»، تبعه اعتراض تركي على التصريحات وطلب اعتذار رسمي صدر لاحقًا من بايدن ومن البيت الأبيض.

وبحسب ما أشار إليه الكاتب الأمريكي الهندي، بوبي جوش، في مقالة منشورة له عبر منصة «بلومبرج كونت»، فإن القلق التركي من بايدن يذهب لأبعد من تصريحات بايدن الأخيرة، ومرتبط بشكل أساسي بسياساته تجاه الشرق الأوسط في العموم، وتعاطفه المعروف مع الأكراد، ويذكر جوش في المقال ذاته مقترحًا لبايدن قدمه عام 2006 عن تقسيم العراق وإعطاء الأكراد استقلالهم الكامل، ما يعني تحقيق أسوأ كابوس لا لأردوغان فحسب، بل لكل الدولة التركية وإرثها القديم المستمر في محاربة أي مساع كردية للاستقلال أو الانفصال. فما الذي قد يحمله فوز بايدن لتركيا؟ وأي علاقة ستجمعه مع أردوغان؟

رغم التوتر المستمر في السنوات الأربع الماضية، وتهديد ترامب بـ«تدمير» الاقتصاد التركي وفرضه لضريبة على الصلب التركي ما سبب هبوطًا سريعًا وحادًا لليرة التركية؛ استطاع أردوغان في النهاية تكوين علاقة مثمرة استفادت منها تركيا كثيرًا، وخاصةً في الملف السوري وتقويض المشاريع الكردية في شمال سوريا.

وجاءت تصريحات ترامب بعد بايدن ليؤكد على علاقته الخاصة بأردوغان: «أنت تتعامل مع أشخاص غاية في الذكاء، أنت تتعامل مع لاعبي شطرنج من الطراز العالمي… أعرفهم جميعًا ونعمل بشكل ممتاز معًا، وأردوغان واحد منهم».

وبنظرة على العلاقة الاقتصادية بين البلدين، نجد أنها علاقة اقتصادية جيدة، لكنها صغيرة مقارنةً بدول أخرى شريكة للولايات المتحدة. فقد وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2018 إلى 20 مليار و500 مليون دولار أمريكي. ولوضع الأرقام في سياق المنطقة، فإن حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والسعودية يصل إلى 37 مليار و700 مليون دولار، ومع إسرائيل 35 مليار و500 مليون، بينما يصل إلى 24 مليار و600 مليون مع دولة الإمارات.

وتستورد تركيا من الولايات المتحدة طائرات للاستعمال المدني، ومحركات وأجزاء من المحركات، والفحم ومنتجات بترولية مصفّاة. وعلى رأس قائمة الصادرات التركية للولايات المتحدة يأتي الحديد والصلب (التي فرض عليها ترامب ضريبة خاصة)، ومحركات خفيفة، والسجاد.

لكن على جانب آخر، يظل التعاون في شؤون الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب من أهم ملفات العلاقة بين البلدين. ولربما العلاقة العسكرية بين البلدين أرسخ بكثير من العلاقة السياسية، إذ تحتفظ تركيا اليوم بموقعها في حلف الناتو، وتستضيف على أرضها قواعد عسكرية للحلف وللولايات المتحدة، منها قاعدة جوية تعمل منها القوات الأمريكية، وتخزّن فيها رؤوسًا نووية أمريكية. وتستضيف للناتو مركزًا لقيادة القوات البرية، ومنظومة إنذار مبكر دفاعية صاروخية.

وفي قاعدة قونيا الجوية نظام وطائرات أواكس للإنذار المبكر والتحكّم الجوي عن بعد مسافات طويلة، أحد أهم أسلحة الجو لحلف الناتو. وتعمل في تركيا منظومة باتريوت الأمريكية بإدارة إسبانية وبإشراف الناتو، في قاعدة عسكرية قرب مدينة أضنة جنوبيّ تركيا. ويذكر مصدر أمريكي وجود 50 قنبلة نووية غير موجّهة في قاعدة إنجيرليك.

وفي الوقت الذي تحدث فيه سياسيون أمريكيون عن فرض عقوبات على تركيا، وعن سحب الرؤوس النووية الأمريكية منها، بعد التقارب التركي مع روسيا، وبعد خلاف مع الولايات المتحدة على كيفية استخدام القواعد العسكرية الموجودة بتركيا لمحاربة تنظيم «داعش»؛ ردّ أردوغان بتهديد آخر بإغلاق كامل لقاعدة إنجيرليك الجوية في حال فرضت العقوبات.

دولي

منذ شهرين
كيف سيتعامل بايدن مع العالم؟ 5 من مستشاريه المحتملين يُنبئون بسياسته

ويذكر محللون أن أهمية القاعدة الجوية إنجيرليك قلّت عن السابق، نظرًا لوجود قواعد جوية قريبة في رومانيا أو في قطر، ولتصرفات من تركيا مثل منع برلمانيين ألمان من زيارة قواتهم الألمانية داخل القاعدة، فتم سحبهم بالكامل.

لكن هذه التحركات التركية لم تمر مرور الكرام، فقد نشرت وكالة «رويترز» خبرًا ينقل عن مسؤولين أمريكيين وأتراك أن الولايات المتحدة أوقفت طلعات لطائرات مسيّرة لجمع معلومات استخباراتية عن مواقع وأهداف لحزب العمال الكردستاني، لأول مرة منذ 2007، بعد العملية العسكرية التركية في شمال سوريا.

المصادر

تحميل المزيد