اتبعت تركيا استراتيجية مبادرة في الشرق الأوسط، خلال السنوات الأخيرة، عبر الانخراط في النزاعات والحروب، سواء كان سياسيًّا،  أو دبلوماسيًّا، أو عسكريًّا، في خطة لتوسيع دور أنقرة الإقليمي على ضوء ما تشهده المنطقة المحيطة مباشرة بها من اصطفافات جديدة، وتوترات وصراعات، ولهذا توسع الحضور التركي في عدد من الدول العربية سواء عبر التوسع في إنشاء قواعد عسكرية، أو عبر دعم حلفاء لها في نزاعات، والتي كان آخرها ليبيا، حين ساندت قوات حكومة الوفاق الليبية أمام قوات المشير خليفة حفتر، وأوقفت انتصاراته وأسقطت مدنه.
ولا يغيب عن هذه الرؤية الملف اليمني، الذي تتبع فيه أنقرة استراتيجية تسير بعيدًا عن الصخب الإعلامي، بحثًا عن حجز موقع نفوذ لها في سياق الصراع الدائر هناك، حيث ترتفع أهمية المدن اليمنية تاريخيًّا وسياسيًّا لتركيا. في التقرير التالي، نحاول تتبع هذه الاستراتيجية منذ بداية الأزمة اليمنية، والمسارات التي تنتهجها أنقرة بحثًا عن دور أكبر، واحتمالات أن يتوسع هذا الدور ليشمل حضورًا عسكريًّا أو دعمَ حليفٍ يمنيٍّ لها، مثل حزب الإصلاح، كما فعلت في ليبيا مع حكومة الوفاق.

تركيا في اليمن.. من دعم «عاصفة الحزم» إلى ما هو أكبر

قبل خمسة أعوام، وفي بداية ولاية الملك سلمان بن عبد العزيز، تمتعت العلاقة بين الرياض وأسطنبول بقدر كبير من التوافق في كثير من القضايا الإقليمية، أظهرتها تصريحات المسؤولين في كلا البلدين، بالعمل على تطوير العلاقات، والزيارات التي لم تنقطع بين أسطنبول والرياض.

وانعكست هذه العلاقة التوافقية على إعلان تركيا الدعم السياسي للعملية العسكرية «عاصفة الحزم»، التي أطلقتها السعودية في اليمن، واتخذت قرارها بعدم التدخل، والاقتصار على الدعم السياسي والعسكري للاستراتيجية السعودية، دون أن تكون هناك رغبة استئثارية في التأثير منفردة.

وظهرت مؤشرات هذا التوافق في تصريح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، آنذاك، عن دعم أنقرة «السياسي واللوجستي إن تطلب الأمر» للعملية العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، وقال أردوغان حينها إن على إيران و«المنظمات الإرهابية الأخرى» التي تدعم الحوثيين، الانسحاب، بحسبه.

وعقب التغيرات الكبيرة في سياسة الرياض الإقليمية بعد صعود ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، واتباعه سياسة خارجية مختلفة عما سبق، توترت العلاقات بين البلدين، وانعكس ذلك على خلافات في الرؤى تجاه كثير من الملفات الإقليمية، من بينها الأزمة اليمنية، التي بدأت أسطنبول التحرك فيها بمعزل عن استراتيجية الرياض.

بدأ هذا الدور الجديد لتركيا يتبلور في العام قبل الماضي، عبر تقديم المُساعدات الإنسانية، من خلال هيئة الإغاثة الإنسانية التركية، التي أعلنت تقديم مساعدات إنسانية للمحتاجين في مدن مأرب، والجوف، وسيئون. وتكرر تقديم المساعدات التركية خلال الأعوام الثلاث الماضية، كحال افتتاح الهيئة التركية 11 مركزًا صحيًّا في اليمن بقدرة استيعابية 250 ألف مريض سنويًّا، وعشرات المراكز الصحية التي تتوزع بين محافظاتها، وغيرها العديد من المشروعات الصحية والتنموية، وذلك على حد قول المتحدث الرسمي للهيئة.

كانت المنطقة الحاضنة للمساعدات التركية هي جنوب اليمن، وبالأخص عدن الجنوبية، الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المُعترف بها دوليًّا، حيث سهَّل حزب التجمع اليمني للإصلاح (الذي يعد فرع جماعة الإخوان المسلمين باليمن)، وهو أبرز القوى السياسية التي تعارض الحوثي والقريبة من الرئيس اليمني المُقيم بالرياض عبد ربه منصور هادي، الكثير من توزيع المساعدات الغذائية التركية، رغم المعارضة الإماراتية لهذا الدور.

وفي تطور وانعكاس واضح  للرغبة التركية في لعب دور أكبر من كونه موزع مساعدات إنسانية، وصل وفد تركي رفيع المستوى بقيادة إسماعيل جكتلا، نائب وزير الداخلية التركي، إلى عدن في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، والتقى بشكل منفصل رئيس الحكومة معين عبد الملك ووزير الداخلية أحمد الميسري.

عربي

منذ سنة واحدة
رغم العداء «الظاهر» بينهما.. كيف تتناغم سياسة الإمارات مع مصالح الحوثيين في اليمن؟

وكشفت التسريبات من وراء هذا اللقاء، عن رغبة تركية في دعم قوات الأمن التابعة للداخلية اليمنية وتأهيلها وتدريبها؛ لدعم الحكومة المعترف بها في سيطرتها على الأرض، وبعد الاجتماع السابق، تتابعت المقابلات سرًّا وعلنًا، والتي كان آخرها زيارة وزير النقل اليمني آنذاك، صالح الجبواني، في يناير (كانون الثاني) العام الجاري، والتي كشف عن نتائجها في وجود ترتيبات فنية لتوقيع اتفاقية مع تركيا لتطوير موانئ ومطارات وشبكة الطرق اليمنية. تتابع الاجتماعات، والزيارات التي لا تنقطع، خلال العامين الأخيرين، رسم بداية تحول أكبر لتركيا في اليمن، من مجرد مانح للمساعدات الإنسانية، إلى فاعل ومؤثر سياسي وعسكري، ومُرشح للتطور مستقبليًّا.

حزب الإصلاح.. حليف تركيا في اليمن

عقب إطاحة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، إثر ثورة شعبية كان في صفوفها الأولى أعضاء حزب الإصلاح، أعلنت تركيا دعمها مشروع الحزب لحكم البلاد، وباركت سياسته. ظهر هذا الدعم في لقاءات مستمرة جمعت مسؤولين تركيين مع قادة الحزب، عقب إطاحة صالح، وامتداح أسطنبول لدور حزب الإصلاح في العملية السياسية.

وتزامن هذا  التأييد التركي لمشروع «الإصلاح اليمني» مع ترويج قادة الحزب لأنفسهم بأنهم سيكررون تجربة إسلاميِّي تركيا في الحكم، كما كشفت وثيقة مسربة عن السفارة الأمريكية في صنعاء، وذكرت الوثيقة المنشورة على موقع ويكليكس أن قادة الإصلاح اليمني، تعمَّدوا خلال التواصل مع السفارة الأمريكية وإعلامها، تأكيد أنهم سيكونون «مثل حزب الرفاه التركي»، والدفاع عن التجربة التركية في الحكم بأنه «لا أحد يخشى المتطرفين في تركيا»؛ أي إنه لا داعي للإسلاموفوبيا. وقد ارتقت العلاقة بين أسطنبول وحزب الإصلاح اليمني إلى درجة تعامل الأولى مع الحزب ذي الخلفية الإسلامية بوصفه «حليفًا سياسيًّا»، كما ذكر تحليل منشور في موقع تلفزيون «TRT» التابع للحكومة التركية.

بمرور السنوات،  توسع الدعم التركي لحزب الإصلاح، من خلال فتح مستشفياتها لعلاج جرحاهم من مصابي المواجهة العسكرية مع الحوثيين أو قوات المجلس الجنوبي، المدعوم إماراتيًّا. ومنحت تركيا جنسيتها لتوكل كرمان، العضوة بالإصلاح اليمني، والحائزة جائزة نوبل، التي أعلنت أنها تفخر بجنسيتها التركيَّة أكثر من فخرها بجائزة نوبل للسلام.

وتعيش أعداد كبيرة من قيادات حزب الإصلاح وكوادره في تركيا، حيث تبثُّ منها قناة «بلقيس»، النافذة الإعلامية التي تعكس وجهة نظر حزب الإصلاح، ولهذا الدعم السياسي واللوجيستي التركي لحزب الإصلاح منذ بداية الأزمة اليمنية.

ويدفع التعويل التركي على حزب الإصلاح كحليف سياسي وعسكري مُحتمل، لسيناريو ضمن سيناريوهات عدة، يرجح أن يجعل من هذا التوجه نقطة تلاقٍ تركي سعودي، في ظل أن قيادات حزب الإصلاح الصفَّ الأوَّل تعيش في المملكة العربية السعودية مثل رئيس الحزب محمد اليدومي، بينما القيادات الوسطى وعدد من رجال الأعمال اليمنيين الموالين للحزب يعيشون في تركيا.

وقد يرجح من هذا التنسيق عجز اتفاق جدة، حتى الآن، في وقف الخلافات والمعارك بين الحكومة اليمنية المعترف بها والمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًّا، وتفسير الأخير لذلك بالقول إن «ميليشيا حزب الإصلاح وقوى الإرهاب المسيطرة على الشرعية تتحمل مسؤولية فشل اتفاق الرياض، بعد حشد قواتها إلى شقرة لتفجير الوضع في محافظة أبين»، على حد تعبيره. فيما يخالف ذلك التوجه الإماراتي في اليمن الداعم للمجلس الانتقالي الجنوبي، والرافض لأي دور لحزب الإصلاح في أي تسوية سياسية محتملة، وهو الأمر الذي ترفضه الرياض، حتى الآن، على الرغم من توجهها المعادي لتيارات الإسلام السياسي كافة.

عامل آخر يرتبط بالنقطة السابقة، ويُشكل دافعًا لمزيد من الانخراط التركي في اليمن، هو التخوف على مصالحها في البحر الأحمر، خصوصًا مع «اعتماد الإمارات على حوالى 200 ألف جندي تابع للمجلس الانتقالي الجنوبي ووكلاء آخرين في الساحل الغربي، لحماية المصالح الإماراتية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في البحر الأحمر وخليج عدن»، بحسب تحليل صادر من مركز كارنيجي للأبحاث والدراسات السياسية.

«لكن متي وكيف تستطيع تركيا التدخل عسكريًّا سواء بدعم حليف لها أو بشكل آخر؟» يُجيب عن السؤال السابق دراسة صادرة عن معهد الأمن العالمي وشؤون الدفاع الدولي، تذكر أن «التدخل العسكري التركي في اليمن قد يكون أمرًا صعبًا في الوقت الحالي، إلا أنه ليس مستبعدًا بشكل مطلق على المدى المتوسط (خلال أعوام قليلة قادمة)، وحالة حدوثه، فسيكون بالتأكيد من خلال حزب الإصلاح اليمني (فرع الإخوان المسلمين في اليمن)، مستغلة التنسيقات السابقة بينهما».

عربي

منذ 11 شهر
بعد اتفاق جدة.. كيف أصبح تقسيم اليمن هو السيناريو الأقرب لوقف الحرب؟

ويرجح من تقييم الدراسة السابقة أن أعدادًا كبيرة من قادة الجيش الوطني، موالون لحزب الإصلاح، وتوجد داخله وحدات كاملة شبه موالية للإصلاح، ويُشك في ولائها للرياض، غير أنها تتمسك به في ضوء أنه «الخيار الوحيد بوصفه كيانًا منظمًا يناهض الحوثيين على الأرض».

بينما يُعد المؤشر الأهم، والإقرار شبه الرسمي، بالنشاط المحتمل للدور التركي في اليمن، هو تحليل لموقع التلفزيون التركي الصادر باللغة الإنجليزية، ذكر خلاله أنه «استنادًا إلى مصالح أنقرة الجيوستراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب الروابط التاريخية المتأصلة في العهد العثماني، والتي تربط الأتراك واليمنيين، فسيكون لتركيا دور كبير في النتائج المستقبلية للبيئة السياسية باليمن». وأفاد التحليل – الذي كتبه الباحثان علي باكير وجورحيو كارفيرو – «بمجرد أن ينقشع غبار الحرب الأهلية في اليمن، قد تعود تركيا إلى كونها لاعبًا أكثر نفوذًا بكثير في البلاد، بسبب قدرتها على إيصال قوتها الناعمة».

«كل الأتراك يعرفون اليمن».. لهذه الأسباب قد تتوسع أنقرة

«إذا ما ذكر اليمن في تركيا ترتجف أعضاء المواطن التركي. فالدول العربية كافة صديقة لنا ونعرفها، لكن كلَّ الأتراك يعرفون اليمن من خلال التاريخ المشترك والذكريات الجميلة»، كان هذا تصريحًا سابقًا للرئيس التركي السابق عبد الله غول، خلال زيارة سابقة له لصنعاء، تكشف عن جانب آخر لاهتمام أنقرة باليمن له علاقة بالتاريخ، إلى جانب أبعاد الأمن القومي وتعزيز حضورها في البحر الأحمر.

ويُشكل البعد التاريخي للاهتمام التركي باليمن سببًا في احتمالية توسع هذا الدور مستقبليًّا، حيث كانت البلد العربية ذات أهمية كبرى للإمبراطورية العثمانية، وسبق لجيوش الدولة العثمانية التحرك تجاه صنعاء مرَّتين، الأولى في العام 1538 والثانية في العام 1849، وكادت أن تتحول العاصمة لولاية عثمانية، قبل هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

وقعت المرة الأولى للغزو بفرمان من السلطان العثماني آنذاك سليمان القانوني، في عام 1538، بتحريك حملة بحرية كُبرى لغزو اليمن بقيادة سليمان باشا، لتبحر الحملة بقيادة الأخيرة من ميناء السويس في مصر، لتصل قبالة ميناء عدن، وتنجح في إخضاع السواحل اليمنية الجنوبية والغربية كاملة للنفوذ العُثماني.

وفي عام 1635، قاد اليمنيون ثورة ضد السلطة بثورة شعبية يمنية ضد الولاة العُثْمَانيين، تزعَّمَها الإمام القاسم بن محمد، وانتهت بطرد العثمانيين، واستقلال اليمن لأول مرة في العالم العربي. بينما كانت المرة الثانية في عام 1849 حين عاد العثمانيون إلى اليمن مرة أخرى، واستولوا على الحديدة، ودخلوا صنعاء بدعوة من حاكم المدينة، الذي أراد أن يصبح اليمن دولة تابعة تحت الحماية العثمانية، غير أنه سرعان ما وقعت ثورة مفتوحة أجبرت العثمانيين على الانسحاب، وحصل شمال اليمن  على الاستقلال تحت حكم الإمام يحيى.

 وما تزال آثار هذا الوجود العثماني لسنوات طويلة في اليمن القديم حاضرة في مظاهر الحياة اليمنية؛ فمقرُّ القيادة العليا للجيش اليمني هو مبنى تركي قديم جرى ترميمه وتوسيعه. ومفردات لهجة سكان مدينة صنعاء الدارجة هي ذات جذور تركية مثل «كندرة»  أي حذاء. كما أن بعض الوجبات اليمنية ذائعة الصيت هي في الأساس تركية ظهرت مع سيطرة العثمانيين على اليمن مثل «السلتة» وهي إحدى أشهر الوجبات اليمنية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحلويات مثل «الرواني» و«الشعوبية».
بينما يصل عدد الأسر اليمنية المنحدرة من أصول تركية إلى 30  ألف أسرة، منها 6 آلاف تعيش في العاصمة صنعاء، ويُطلق عليها «اليمنيون الأتراك»، ومن أبرز العائلات اليمنية التي تعرف بأصولها التركية، عائلات «آغا»، «المضرحي»، «أفندي» «الساروي» و«جعول».

السبب الآخر للتوسع المحتمل للدور التركي هو الرغبة في مُزاحمة الرياض وأبوظبي، خصوصًا في ضوء العلاقات المتوترة بينهما، كما فعلت أنقرة في ليبيا، وأوقفت تمدد القوات الموالية للمشير خليفة حفتر في ليبيا، المدعوم إماراتيًّا، بعد دعم قوات الوفاق الليبية. ويتضح هذا في التصريحات التركية الرسمية التي وصفت سيطرة الإمارات على جزيرة سقطرى اليمنية بأنه «تهديد جديد لسلامة أراضي اليمن وسيادته»، وطالبت بمواجهة «استغلال الإمارات للجزيرة».

ولا يغيب الجانب الأمني لأنقرة في اهتمامها باليمن؛ فالأخيرة الواقعة شمال الصومال، تتحكم في مدخل البحر الأحمر، والذي يشكل امتداده شمالًا عبر قناة السويس أهم خط ملاحي يصل لشرق المتوسط جنوب تركيا، وهو ما يتفق مع الاستراتيجية التركية الساعية لخلق نطاقات سيطرة أمنية حول شبه الجزيرة العربية في اتجاه القرن الأفريقي جنوبًا، وشمال أفريقيا في اتجاه ساحل المتوسط والصحراء شمالًا، وهو ما يتفق مع رؤية تركيا لدورها الإقليمي على ضوء التحولات والاصطفافات الجديدة في الشرق الأوسط. ويُعزز من هذه الاستراتيجية وجود قاعدة عسكرية تركية في الصومال، وهي أكبر قاعدة عسكرية لأنقرة في الخارج، ضمن خطتها في القرن الأفريقي لترسيخ وجودها العسكري.

المصادر

تحميل المزيد