تواجه تركيا الآن تحديا أمنيا كبيرا مع وجود تنظيم الدولة الإسلامية على بعد أميال فقط من حدودها. وفي ردها على ذلك، تسعى الحكومة التركية إلى إنجاز المستحيل برغبتها في قتال التنظيم وتغيير النظام السوري وإيقاف سعي الأكراد نحو الحكم المستقل في نفس الوقت.

يقول الكاتب إن الخطر الكامن خلف هذا النهج يتمثل في أنه قد ينتهي الأمر بفشل أنقرة في إنجاز أي من تلك الأهداف بل وإهدار فرصة المساهمة في فرض الاستقرار في المنطقة. ويدعم هذه الإستراتيجية الخطيرة افتراضٌ يثير التساؤل وسياسة اتخاذ قرارات مشكوك في نتائجها.

تعتقد تركيا أن تجاهل ما يحدث في مقاطعة كوباني لن يعرض مفاوضات السلام مع الأكراد في تركيا للخطر. فلم تفعل أنقرة الكثير لمساعدة كوباني التي يحكمها جناح تابع لحزب العمال الكردستاني. ففي نظر أنقرة، فإن الأكراد السوريين الذين يقاتلون هناك هم حلفاء لنظام بشار الأسد.

كما أن تركيا تشعر بعدم ارتياح من مستوى الحكم المستقل الذي اكتسبه الأكراد في سوريا، حيث أنه قد يشكل حجر الزاوية لإنشاء كيان كردي أكبر ومستقل في الشرق الأوسط، وهو ما قد يثير نزعة انفصالية بين أكراد تركيا.

وأخيرا، تعتقد تركيا أن تجاهلها لما يحدث في كوباني من قصف للأكراد من طرف تنظيم الدولة لن يدفع حزب العمال الكردستاني إلى إلغاء محادثات السلام وخوض قتال ضد كل من تركيا وتنظيم الدولة في نفس الوقت.

يتعرض هذا الافتراض الآن لاختبار عسير. فقد عبر العديد من الأكراد عن غضبهم عبر تظاهرات تخللتها أعمال عنف، مما أجبر الحكومة على فرض حظر للتجوال لأول مرة منذ سنوات في خمسة مدن تقع في جنوب شرق تركيا وتسكنها أغلبية كردية. فهم يلومون الحكومة التركية بعدم فعل ما يكفي لإنقاذ كوباني وفي دعم الجهود الكردية لإرسال المساعدات والمقاتلين إلى المقاطعة عبر الحدود التركية. كما أن القادة الأكراد هددوا بالانسحاب من محادثات السلام حال سقوط كوباني في قبضة تنظيم الدولة. وبالطبع، فإن المحادثات مع حزب العمال الكردستاني التي كانت تسير بشكل جيد أصبحت مهددة بالفشل الآن.

يقول الكاتب إن الأخطر من كل ما سبق هي السياسة التي اتبعها القادة الأتراك في الأسابيع الماضية. فقد تبنى البرلمان التركي مشروعَ قانونٍ يسمح للحكومة بإرسال قوات إلى كل من العراق وسوريا لمحاربة الإرهاب. وقد فُسر هذا في الغرب على أنه التزام من تركيا بأن تكون جزءًا من التحالف الدولي لمواجهة الدولة الإسلامية. لكن أنقرة طلبت دعم واشنطن في تغيير النظام في سوريا قبل أن تنخرط بشكل أكبر في القتال ضد تنظيم الدولة.

تنظر تركيا إلى تنظيم الدولة بوصفه نتيجة لوجود مشكلة وليس السبب في وجودها بالأساس. وهي تؤمن بأن حملة شاملة وقوية ضد نظام الأسد كفيلة لوحدها بجلب الاستقرار إلى المنطقة على المدى الطويل. ولهذا يطالب القادة الأتراك بفرض مناطق آمنة ومناطق حظر للطيران في سوريا. والغرض من تلك المناطق المؤمنة ليس فقط استيعاب النازحين مستقبلا ولكن أيضا توفير منطقة لتدريب المعتدلين من مقاتلي المعارضة السورية.

لكن إصرار تركيا على تغيير النظام في سوريا لا يلقى سوى قليل من الدعم في واشنطن. فبالنسبة للولايات المتحدة والدول الغربية، يبقى تنظيم الدولة هو التهديد الرئيسي. وهكذا، فإن اشتراط تركيا الحصول على الدعم في إسقاط نظام الأسد من أجل انضمامها إلى تحالف مواجهة تنظيم الدولة سيكون في أفضل الأحوال غير ذي فاعلية، وفي أسوئها سيأتي بنتائج عكسية.

كما أن أنقرة تفقد فرصة حشد الدعم الدولي لمساعدتها في أزمة اللاجئين المتفاقمة باعتبارها إزاحة نظام الأسد أولوية. تستضيف تركيا الآن أكثر من 1.4 مليون لاجئ سوري، أنفقت الحكومة عليهم حتى الآن 3.5 مليار دولار. وقبل أسبوع فقط (أوائل أكتوبر 2014) لجأ حوالي 138000 سوري إلى تركيا، وهو عدد يتجاوز عدد اللاجئين لدى دول الاتحاد الأوروبي مجتمعين منذ بدء الصراع في 2011.

ورغم زيادة تكاليف استضافة هؤلاء اللاجئين، فشلت تركيا في حشد الدعم الدولي للمساهمة في تحمل تلك الأزمة.

يقول الكاتب إن على أنقرة أن تكون شريكًا إستراتيجيا في الحرب ضد الجهاديين كوسيلة لحشد دعم أكبر لمواجهة مشكلة رعاية هذا العدد الضخم من اللاجئين بدلاً من وضع شروط عقيمة أمام حلفائها. ويمكنها البدء بالسماح للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي بلعب دور أكبر في هذا المسعى طويل الأجل. وعلى الأقل، يتعين على أنقرة وواشنطن العمل معا لوضع خطة تحرك إنساني لإنقاذ آلاف العالقين في كوباني من الذبح. فلا يمكن لأي من البلدين تحمل صدمة تكرار حدوث مجزرة سريبرينيتشا، يرتكبها مسلمون بحق مسلمين آخرين وعلى مقربة من حدود تركيا.

يقول الكاتب إن تركيا لا يمكنها تحمل إبقاء مطلب تغيير نظام الأسد على رأس أجندتها الخارجية، ليس في الوقت الذي يعزز فيه كيان جهادي وحشي من موقعه على بعد أميال قليلة فقط من الحدود التركية وتعرض محادثات السلام الحيوية بالنسبة للأمن القومي التركي لخطر الانهيار.

يتعين على الحكومة التركية إعادة ترتيب أولوياتها. فالتركيز المفرط على إسقاط الأسد سيضعف قدرة تركيا على التعامل مع التهديد المحدق الذي يمثله تنظيم الدولة، وتهديد حزب العمال الكردستاني بالعودة إلى العمل المسلح، والتحدي المتزايد لأزمة اللاجئين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد