خلال العام الماضي تكونت فكرة عامة لدى الجميع تقريبًا، مفادها أن الليرة التركية باتت شديدة التفاعل مع الأحداث السياسية؛ إذ تصنف العملة التركية، بجانب الروبل الروسي، أكثر العملات انكشافًا على التقلبات السياسية، بحسب «جيه.بي مورجان». ومن هذا المنطلق كان من المتوقع أن تهبط الليرة بقوة بعد أن بدأت تركيا في عملية «نبع السلام» ظهر يوم 9 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بالإضافة إلى فرض واشنطن عقوبات على أنقرة بسبب العملية في وقت لاحق.

لكن مع ذلك لم تنخفض العملة إلا انخفاضًا طفيفًا إلى حوالي 5.87 ليرة مقابل الدولار، بالرغم من أن الأحداث السياسية في 2018 ربما كانت أقل حده من الآن – إذ تواجه تركيا العديد من الانتقادات الدولية الآن بسبب العملية العسكرية- لكن الليرة سجلت آنذاك في منتصف أغسطس (آب) 2018 6.95 ليرة مقابل الدولار الأمريكي.

وخلال آخر خمس سنوات شهدت الليرة مجموعة من الانتكاسات، جاءت أغلبها بسبب أزمات خارجية، فبداية من التوترات بين أنقرة وموسكو على خلفية إسقاط المقاتلات التركية طائرة «سوخوي» الروسية عام 2014، ومرورًا بالخلاف مع واشنطن بسبب اعتقال القس الأمريكي برونسون، إضافة إلى الرفض التركي للاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وغيرها من الأحداث، ما أثر بالسلب في سعر صرف الليرة.

«ستراتفور»: في ظل أزماته الحالية.. هل يصمد الاقتصاد التركي في وجه العقوبات؟

حاليًا ورغم أن الليرة ضمن الأسوأ أداءً بين العملات الرئيسية في العالم خلال أكتوبر الجاري، فإن العملة التي فقدت 30% من قيمتها العام الماضي، تبدو أكثر تماسكًا، في الوقت الذي قد تكون فيه الأوضاع الخارجية أكثر حدة من أحداث سابقة، كان تفاعل الليرة فيها أقوى. فقبل بدء «نبع السلام»، توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه قد «يدمر» اقتصاد تركيا إذا تجاوزت الحدود في عمليتها السورية، ومع ذلك كانت تحركات الليرة في نطاق مستقر إلى حدٍ ما من ارتفاع وانخفاض، فهل هذا يعني أن الاقتصاد التركي بات أكثر صمودًا من ذي قبل؟

ما هو وضع الاقتصاد التركي الآن؟

غالبًا ما تكون أوضاع العملة المحلية دليل على استقرار الاقتصاد الكلي من عدمه، فهل تماسك الليرة النسبي الآن يكشف عن وضع مستقر للاقتصاد التركي؟ يرى البعض ومن بينهم موقع «ستراتفور» أن اقتصاد تركيا ما يزال هشًّا بدرجة كافية، بحيث يمكن أن تتسبب صدمة خارجية، مثل العقوبات الأمريكية، في إلحاق أضرار جسيمة به، ما يؤدي إلى انخفاض عملة البلاد مرة أخرى.

لكن بالنظر إلى مؤشر تكلفة التأمين على ديون تركيا، وهو أحد المؤشرات الحساسة أيضًا تجاه التوترات السياسية، فإنه بعد فرض عقوبات أمريكية على تركيا في منتصف الشهر الجاري، كان انخفاض تكلفة تأمين الانكشاف على ديون تركيا السيادية أضعف من المتوقع، وهو ما يوضح أن التماسك لم يحدث لليرة فقط، إذن هل يعني ذلك أن الاقتصاد التركي في وضع جيد؟

بالطبع لا يمكن بأي حال تجاهل المعطيات الرئيسية التي تؤكد أن الاقتصاد التركي يمر بمرحلة حرجة، ففي نهاية مايو (أيار) الماضي، أظهرت الأرقام الصادرة عن «معهد الإحصاء التركي»، أن اقتصاد البلاد انكمش 2.6% على أساس سنوي في الربع الأول من العام، ولم يكن هذا الانكماش هو الأول، فتركيا كانت على موعد مع الانكماش الأول في الربع الثالث من 2018، إذ تقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.1%، بالإضافة إلى 3% في الربع الرابع.

ومؤخرًا أعلنت البلاد عن انكماش 1.5% في الربع الثاني من العام الحالي، ليكون ثالث انكماش فصلي على التوالي على أساس سنوي، لكن في المقابل عندما ننظر إلى المؤشرات الاقتصادية القيادية، فهناك إشارات إلى التعافي مع انخفاض وتيرة تقلبات الليرة وتباطؤ التضخم.

وبحسب ما أظهرت بيانات رسمية، صدرت بداية الشهر الجاري، فإن مؤشر أسعار المستهلكين في تركيا نزل إلى 9.26% على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)؛ وذلك في انخفاض قياسي مقارنة مع 15.01% في الشهر السابق، وهو ما يشكل أول نزول في التضخم بتركيا في أكثر من عامين إلى خانة الآحاد.

لكن صندوق النقد الدولي ما يزال يرى تركيا ما تزال عرضة لمخاطر خارجية ومحلية، موضحًا خلال تقرير له في سبتمبر الماضي، أنه من الصعب تحقيق نمو قوي ومستدام إذا لم تنفذ الحكومة المزيد من الإصلاحات، إذ يقول الصندوق إن الاحتياطيات تظل منخفضة في حين ما يزال الدين الأجنبي للقطاع الخاص واحتياجات التمويل الخارجي مرتفعين.

هل ساهمت حزمة إصلاحات الحكومة في تماسك الاقتصاد؟

في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، أعلن وزير الخزانة والمالية التركي، حزمة إصلاحات هيكلية جديدة وقال: «القطاع المالي بداية من القطاع المصرفي سيكون الأول من حيث الإصلاحات»، وشدّد على أن حكومة بلاده تهدف في الخطوة الأولى من الإصلاحات إلى تعزيز رؤوس أموال البنوك الحكومية، موضحًا أن الميزانية العمومية للبنوك العامة ستصبح أكثر مقاومة من خلال زيادة كفاية رأس المال، ونسبة تغطية السيولة.

Embed from Getty Images

لكن لا يتعامل المستثمرون الأجانب على أساس قوة الإصلاحات المعلنة، ولكن الأمر متوقف على الفاعلية، وهو ما كان مفتقدًا في تركيا حتى منتصف 2019، إذ قالت وكالة «موديز» للتصنيفات الائتمانية، إن فعالية الإصلاحات ستكون أساسية لتصنيف تركيا الائتماني الذي خفضته في أغسطس (آب) من العام الماضي.

ويعول الأتراك على قطاعات السياحة والصادرات والبنية التحتية للتحول سريعًا إلى النمو، إذ يتوقع أن يصل عدد السياح الوافدين إلى تركيا خلال 2019 إلى 50 مليون سائح، بعوائد أكثر من 35 مليار دولار، فيما تشير بيانات من «معهد الإحصاء التركي»، إلى ارتفاع إيرادات السياحة 12.3% في 2018 إلى 29.51 مليار دولار.

وفيما يخص الصادرات تواصل تركيا تحطيم الأرقام القياسية، إذ بلغت الصادرات التركية خلال الربع الأول من العام الجاري 44 مليار و567 مليون دولار أمريكي، وهو أعلى مستوى في تاريخ تركيا، في الوقت الذي تراجعت الواردات خلال مارس (آذار) الماضي بنحو 17.81%، وهو ما يشير إلى تقلص كبير للعجز في ميزان المعاملات التجارية، والذي تأمل الحكومة أن يتحول إلى فائض خلال العام الجاري.

ولتحقيق هذا الهدف لجأت تركيا لتقديم حزمة تمويل بقيمة 4.9 مليار دولار، للمساعدة في إنقاذ بعض قطاعات التصدير في البلاد، مثل الصناعات التحويلية، التي تضررت بشدة من أزمة العملة في العام الماضي، كما أن القطاعات التي تساهم في التوظيف، والتي تظهر عجزًا تجاريًّا مرتفعًا، ستحصل على دعم من حزمة التمويل.

على الجانب الآخر، أعلنت تركيا في يوليو (تموز) الماضي أنها تتوقع تحقيق نمو اقتصادي حقيقي سنوي نسبته 4.3% في المتوسط في الفترة بين 2019 و2023، وذلك في إطار خطة تنمية طموحة مدتها خمس سنوات، تهدف إلى تعزيز الكفاءة والتنافسية، وهي الخطة التي تصدرها تركيا دوريًّا منذ الستينيات.

الخطة تهدف إلى وصول الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.08 تريليون دولار بحلول 2023، مقارنة مع 784.09 مليار دولار في 2018، بينما تتوقع أن تسجل الصادرات السنوية 226.6 مليار دولار في 2023، مقابل صادرات بلغت 168 مليار دولار في 2018، إضافة إلى توفير 4.3 مليون وظيفة إضافية خلال تلك الفترة، ليهبط معدل البطالة إلى 9%.

قد تبدو هذه الأرقام إيجابية، إلا أن وكالة «موديز» للتصنيفات الائتمانية ترى أن أهداف النمو الجديدة لتركيا تهدد بزيادة الاختلالات على مستوى الاقتصاد الكلي، إذ تصفها بأنها غير متماشية مع بقية التقديرات التي وضعتها إسطنبول في إطار أهدافها الاقتصادية على مدى ثلاث سنوات.

وتقول «موديز» إن التحسن في «بعض المؤشرات الاقتصادية الرئيسية سيثبت على الأرجح أنه عابر»، لكن على عكس النظرة المتشائمة التي تطرحها الوكالة الأمريكية، يبدو أن هناك قناعة على الأقل داخلية تشير إلى أن خطط الحكومة تتجه في المسار الصحيح.

ويأتي هذا الشعور لدى المستثمرين، خاصة بعد أن طلبت الهيئة التركية المنظمة للقطاع المصرفي من البنوك شطب قروض بقيمة 46 مليار ليرة بحلول نهاية العام الحالي، وتخصيص احتياطيات لتغطية الخسائر، في خطوة تستهدف في معظمها قطاعي الطاقة والتشييد اللذين تعرضا للضرر الأكبر، وهي خطوة ستعيد الحياة لهذه القطاعات وتخفف من أزمة الديون التي ترهق الشركات المحلية.

لهذه الأسباب يبدو متماسكًا.. اختلافات اقتصادية حدثت بين 2018 و2019

يقول، مصطفى سونميز، الخبير الاقتصادي والكاتب التركي، إن فشل العقوبات التي فرضتها واشنطن على أنقرة الأسبوع الماضي في إحداث صدمة للاقتصاد، يشير إلى أن البلاد استفادت من أحداث العام الماضي، موضحًا أن أحد الأسباب الرئيسية هذه المرة هو أن العجز في الحساب الجاري لتركيا، والذي بلغ 31 مليار دولار في أغسطس 2018، قد تطور ليصبح فائضًا بقيمة مليار دولار بحلول شهر أغسطس من هذا العام.

ويرجع سونميز، فائض الحساب الجاري إلى انخفاض حاد في الطلب على السلع المستوردة، إلى جانب بعض الارتفاع في الصادرات والسياحة، وإن كان ذلك على حساب خفض الأسعار، مضيفًا أن حاملي المدخرات في تركيا وضعوا بالفعل حوالي نصف ودائعهم في عملة صعبة بسبب تآكل الثقة في الاقتصاد، لذلك تبدو البنوك خالية من أي مشكلة في سيولة الصرف الأجنبي، وهو ما أضاف حالة من الهدوء للأسواق.

علاوة على ذلك، أدى الانكماش الاقتصادي إلى كبح الطلب على القروض، وسط توقف تام في الاستثمارات وانخفاض في الطاقة الإنتاجية، وبسبب انكماش القروض، انخفضت نسبة التمديد للقروض الخارجية، وجاء ذلك بالتزامن مع اتخاذ البنك المركزي تدابير لتحييد تأثير سوق تبادل العملات الأجنبية، وبالتالي منع أي هجمات على صرف العملات الأجنبية، بالإضافة إلى أن المستثمرين الأجانب لم يعودوا يبيعون على المكشوف.

هذه المعطيات تشير إلى أن الانكماش الاقتصادي الذي أعقب صدمة العملة في العام الماضي، خفف من تأثير أي صدمة جديدة، وذلك بعد أن تحركت الحكومة لفرض السيطرة على البنك المركزي وإجباره على اتخاذ القرارات التي تحني القواعد واستخدام البنوك العامة كأدوات، وإن كان ذلك على حساب إلحاقها بالخسائر، بهدف المزيد من السيطرة.

إضافة إلى الأسباب الاقتصادية هناك سبب سياسي أساسي لا يمكن إهماله عند المقارنة بين الآن وقبل أشهر قليلة، وهو الوضع الداخلي، فتركيا كانت مضطربة سياسيًّا بسبب الانتخابات، لكن الآن الوضع أكثر استقرارًا، وهو ما يدعم صمود الاقتصاد أمام التوترات الخارجية، لذلك، نعم، يمكن القول إن الاقتصاد التركي أكثر صمودًا من ذي قبل في مواجهة التحديات الخارجية.

إيجابيات وسلبيات وتوقعات.. دليلك الشامل حول إقالة محافظ البنك المركزي التركي

المصادر

تحميل المزيد