في الوقت الذي تشهد فيه أوروبا ومناطق أخرى من العالم حكامًا لم تحفظ لهم ذاكرة التاريخ صفحات في الذاكرة، وصف تقرير صادر عن موقع ستراتفور رجب طيب أردوغان الرئيس التركي الحالي ورئيس الوزراء السابق بالرجل الطموح، شأنه في ذلك شأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ينظر الغرب إلى طموحاته بشيء من الريبة.

وعزا التقرير وصف الرجلين بالطُموح إلى قدرة كل منهما على فهم طبيعة الجغرافيا السياسية لبلديهما، ففي الوقت الذي يحرص فيه بوتين على إنشاء مناطق للنفوذ للروسي في أوروبا الشرقية ومنطقة القوقاز شأنه في ذلك شأن أي زعيم روسي، يدرك بوتين تمام الإدراك أهمية أن النفوذ التركي في أوروبا مرهون بقدرتها على خلق نفوذ آخر في مناطق الشرق الأدنى، بيد أن المعضلة الأساسية أمام أردوغان تبقى في الجغرافيا التركية التي تمتد ما بين الشرق والغرب، والتي تكتنفها بعض العقبات كما هو الحال مع بعض المميزات، وربما تكون تلك الجغرافيا هي الدافع وراء بعض السياسات والممارسات من قبل أردوغان التي قد يبررها المنطق التاريخي والجغرافي كما هو آت.

الحرب العالمية الأولى وفلسفة الكمالية في تركيا

نظرًا لأن تركيا كانت مع الجانب الذبيح الذي مني بالهزيمة خلال الحرب العالمية الأولى جنبًا إلى جنب مع كل من ألمانيا والنمسا، عمد الحلفاء المنتصرون في تلك الحرب ووفقًا لمعاهدة سيفر في العام 1920 إلى منح العديد من أراضي ومناطق النفوذ التركي إلى اليونان وأرمينيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا، وهو ما أثار ردود فعل تركية غاضبة تجاه هذه الشروط المجحفة المهينة، فظهرت فلسفة الكمالية التي يرتبط اسمها بالجنرال التركي مصطفى كمال أتاتورك الذي قاد بدوره تمردًا عسكريًا ضد قوى الاحتلال الجديدة، ومن ثم إنشاء دولة تركية ذات سيادة في جميع أنحاء الأناضول، في الوقت الذي تنازلت فيه دولة تركيا الكمالية عن الولايات والأقاليم العثمانية التي كانت قابعة تحت حكم العثمانيين في حين بقيت الولايات العثمانية الكردية.

ولم تكتفِ الكمالية برفض الأقليات العثمانية فقط، بل تجاوزت ذلك إلى رفض اللغة العربية، وإلغاء المحاكم الدينية الإسلامية، وتثبيط النساء عن ارتداء الحجاب والرجال عن ارتداء الطرابيش، وغيرها من الإجراءات التي أقدم عليها أتاتورك لإعادة تشكيل تركيا على النسق الأوروبي في محاولة نحو إعادة توجيه تركيا بعيدًا عن الإمبراطورية العثمانية المنحلة في الشرق الأوسط وتجاه أوروبا، متناسيًا في ذات الوقت إن كانت أوروبا نفسها ستقبل بتركيا على هذا النحو أم لا.

تم النظر إلى الكمالية باعتبارها دعوة لحمل السلاح كرد فعل تركي للدفاع عن النفس حيال معاهدة سيفر سالفة الذكر، وبالرغم من المكانة التي حظي بها أتاتورك لعقود، تلك المكانة التي وصلت به إلى حد التقديس، إلا أن أوضاع الجغرافيا التركية ظلت كحجر عثرة أمام مساعيه القوية لتوجيه البوصلة التركية ناحية الغرب.

تورجوت أوزال .. تحديات وإنجازات

مكنت المهارة السياسية لتورجوت أوزال ذي النزعات الصوفية، الذي انتخب رئيساً للوزراء في تركيا عام 1983، من انتزاع السيطرة على تلابيب السياسية الداخلية والسياسة الخارجية لتركيا بعيدًا عن سيطرة الجيش التركي الكمالي بطريقة أثارت إعجاب الجميع، وعلى النقيض من نظرة أتاتورك وأجيال متعاقبة من الضباط الأتراك لتركيا باعتبارها ذيلًا لأوروبا، تحدث أوزال عن تركيا التي يمتد نفوذها من بحر إيجه وحتى سور الصين العظيم. فتركيا وفقًا لأوزال لم تكن لتختار ما بين الشرق والغرب، فالجغرافيا التركية تمتد فيما بينهما وهو ما يحتم عليها أن تحظى بتمثيل وتجسيد سياسي في كل من الشرق والغرب. وشهدت تركيا في عهد أوزال عودة احترام الدين الإسلامي مرة أخرى على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي فقد قام أوزال بدعم الرئيس الأمريكي رونالد ريجان خلال المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة، وبالتوازي مع عودة الدين الإسلامي للمشهد التركي من جديد ومع الدعم التركي لواشنطن، استطاع أوزال ذو التوجهات الإسلامية دون غيره من سابقيه من أن ينأى بتركيا بعيدًا عن السيطرة الأوروبية.

تمكن أوزال أيضًا من استخدام اللغة الثقافية للإسلام لفتح الباب واسعًا أمام قبول الأكراد، ومع حالة الاغتراب التي عانت منها تركيا عن أوروبا، تلك الحالة التي خلفها الانقلاب العسكري في العام 1980، نجح أوزال في تطوير ودعم الروابط الاقتصادية مع الشرق. وقبل عقدين من الزمان على عهد أردوغان، مثلت تركيا بالنسبة لأوزال رمزًا للإسلام المعتدل في ربوع العالم الإسلامي، ما اعتبره البعض بمثابة التحدي من قبل أوزال للتحذيرات التي كان قد أطلقها أتاتورك من أن صبغ السياسة التركية بالصبغة الإسلامية من شأنه أن يضعف الدولة التركية ويجعلها عرضة لتهديدات القوى الأجنبية، وشهد عهد أوزال ولأول مرة استخدام مصطلح العثمانية الجديدة.

أردوغان وصعود حزب العدالة والتنمية

شهد العام 1993 وفاة أوزال مخلفًا وراءه دولة تعج بمظاهر الفساد ونخبة علمانية ليست ذات كفاءة في إدارة الدولة، وهو ما مهد الطريق واسعًا أمام رفاق أردوغان للفوز بأغلبية ساحقة في الانتخابات التي أجريت في عام 2002. وفي الوقت الذي ينتسب فيه أوزال لأحزاب الوسط، نجد أن أردوغان ينتمي لحزب العدالة والتنمية ذي الوجهة الإسلامية الأكثر انفتاحًا. وبالرغم من النهج الوسطي الذي تبناه أردوغان وبعض مستشاريه على مدار السنين، تبقى هناك ثمة تباديل في الفكر السياسي والإسلامي فيما بين أردوغان وأوزال، وإن لزم التأكيد في هذا الإطار على تطابق الرؤى فيما بين الرجلين وهي الرؤية التي تنأى بنفسها بعيدًا عن فلسفة الكمالية.

وعلى النقيض من النهج الذي تبناه أتاتورك من حيث التركيز على مؤسسة الجيش، تركزت جهود أردوغان كما هو الحال مع أوزال، في دعم التواصل الثقافي والحضاري لإعادة إحياء عهد الإمبراطورية العثمانية التي امتدت في شمال أفريقيا وآسيا الوسطى والهضبة الإيرانية.

و يدرك أردوغان جيدًا أن تدعيم أواصر المشروع التركي للسلطة الإسلامية المعتدلة في الشرق الأوسط يعتريها بعض المخاطر والتعقيدات، فما يزال غير واضح حتى اللحظة إن كان لدى تركيا القدرة السياسية والعسكرية لتفعيل هذة الرؤية أم لا. فبالرغم من المساعي التركية لتدعيم العلاقات التجارية مع دول الجوار في الشرق، إلا أن حجم العلاقات لا يضاهي حتى الآن واقع العلاقات التجارية لتركيا مع الدول الأوروبية. وفي الوقت نفسه، تسعى تركيا نحو تدعيم نفوذها في مناطق القوقاز وآسيا الوسطى متكئة على التقارب الجغرافي واللغوي، وهو ما يصطدم بالنفوذ الروسي في تلك المناطق. أما على صعيد بلاد النهرين، نجد أن النفوذ التركي لا يزال غير متكافئ مع نظيره الإيراني رغم الدعم الذي تتلقاه المعارضة السنية في سوريا من أردوغان في حربها مع النظام العلوي لبشار الأسد. ورغم الشعبية الواسعة التي يتمتع بها أردوغان في جميع أنحاء العالم الإسلامي نظرًا لمواقفه المناهضة لإسرائيل، إلا أنه بات يدرك أن العلاقات الحميمية فيما بين إسرائيل وكل من اليونان والجزء اليوناني من قبرص، من شأنه أن يفسح المجال لخصوم تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط للتعاون في مجال النفط والغاز.

تنبني جذور المشكلة التركية في الأساس على البعد الجغرافي. فالجغرافيا التركية تتمركز في منتصف الجسر البري بين الأناضول والبلقان والشرق الأوسط، كما أن اللغة التركية لا تحظى بذات التأثير والنفوذ الذي تحظى به اللغة العربية في بلاد الشام، ناهيك عن أن تركيا ذاتها تم شيطنتها من قبل قاطنيها الأكراد وهو ما ألقى بظلال من التعقيدات على المحاولات التركية لبسط نفوذها في دول الشرق الأوسط المجاورة. ولعل هذا هو ما دفع أردوغان نحو التلويح بورقة الحكم الذاتي للأكراد المحليين في تركيا كخطوة نحو تسوية المشكلة الكردية في تركيا باعتبارها سبيلًا نحو كسب المزيد من النفوذ في المنطقة وهو ما يشي بطموحات الرجل التي تحظى باهتمامات المراقبين في الوقت الراهن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد