أردوغان يطارد خصومه من مؤيدي فتح الله كولن في وسائل الإعلام، وأحد أهم المنشقين عنها هو سلاحه السري:

لطالما كان حسين غوليرجه مقرَّبًا من المناصب العليا في التسلسل الهرمي غير الرسمي لحركة فتح الله كولن، وهي جماعة إسلامية – مبهمة- قوية لها العديد من الأتباع في وسائل الإعلام التركية وجهاز الشرطة والقضاء أيضًا. ففي التسعينات تَرَأَّس غوليرجه صحيفة «زمان»، الصحيفة الأكثر مبيعًا والموالية لكولن، والتي تعد الآن في مرمى تحقيقات الإرهاب التي تجريها الحكومة، وتَرَأَّس أيضًا «مؤسسة الكُتَّاب والصحفيين»، ذراع العلاقات العامة للحركة.

التقى غوليرجه بزعيم الحركة  فتح الله كولن أول مرة في صيف 1980، خلال السنوات التي عمل بها رئيسًا لصحيفة “زمان”، فحسب أقوالهما  كانا يلتقيان مرة أسبوعيًّا، لكن بعد انتقال كولن إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1999هربًا من اتهاماتٍ وجِّهَت إليه بالتآمر للإطاحة بالنظام التركي العلماني، والتي تمت تبرئته منها لاحقًا، يقول غوليرجه إنه كان يسافر  لرؤيته بمتوسط مرتين في السنة. وقد عُرِفَ حينها بأنه رجل كولن في الداخل.

وقالت مجلة «فورين بوليسي» إن غوليرجه – البالغ من العمر 65 عامًا- ما يزال يعتز بتاريخه مع حركة كولن، إذ كان معلمًا فيها. يقول غوليرجه إنهم فتحوا مهاجع للطلبة، وقدموا دورات تحضير للالتحاق بالجامعة، واهتموا بمصالح الطلبة، ثم شرعوا في تعزيز الحوار والقيم العالمية والحب والاحترام، واحتضنوا جميع الناس من الأديان والمعتقدات المختلفة. ويضيف: «خَلُصت لأنني لا بد أن أكون جزءًا منها. وإن ذلك النوع من الحركات هي بالضبط ما كنت أبحث عنه».

اليوم يجد غوليرجه نفسه في القلب من تحقيقات تعتزم توجيه ضربة قاتلة للحركة ولحرية الصحافة في تركيا. ففي ديسمبر 2014، أُعتُقِل هو و26 آخرين من الداعمين للحركة بتهمة تأسيس جماعة إرهابية.

ظاهريًّا،  يواجه المتهمون – من بينهم صحفيون يعملون بوسائل إعلام تابعة لكولن ومسؤولون في جهاز الشرطة وحتى منتج أحد المسلسلات الدرامية- تهمًا بمحاولة هيكلة طائفة إسلامية معادية تدعى «تحشية» تابعة لتنظيم القاعدة. لكن وفقًا لمعظم المراقبين تقول المجلة، هم يدفعون في الحقيقة ثمن التخطيط للكشف عن فضيحة فساد ديسمبر 2013، والتي فضحت تورط عدد من كبار المسؤولين بمن فيهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قضايا فساد.

في 19 ديسمبر، دفع  المدعي العام التركي المجازفة إلى أبعد من ذلك بإصداره مذكرة اعتقال بحق فتح الله كولن نفسه المقيم في ولاية بنسلفانيا. في اليوم ذاته، أمرت محكمة تركية بالإفراج عن ثمانية من المشتبه بهم بالتحقيقات، بما في ذلك المحرر الحالي لصحيفة «زمان».

وقد أثارت الاعتقالات موجة من الانتقادات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الصحة العالمية  ومجموعة من منظمات حقوق الإنسان. ووصف منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي عمليات الاعتقال التي تقوم بها الشرطة بأنها: «ضد القيم والمعايير الأوروبية التي تطمح تركيا لأن تكون جزءًا منها»، بينما حذَّرت هيومن رايتس ووتش من أن تلك الاعتقالات سوف «تحبط حرية التعبير».

مثل تلك الانتقادات تبدو غير مؤثرة في أردوغان. إذ وجه الرئيس التركي رسالة إلى الاتحاد الأوروبي بأن عليه «الاهتمام بشؤونه الخاصة»، وعدم التدخل في شؤون تركيا، وأضاف «يمكنكم أن تأتوا إلى تركيا لنعطيكم درسًا في الديمقراطية».

يرى الزعيم التركي ومسؤولون آخرون أن فضيحة الرشاوي – عام 2013- على أقل التقديرات يمكن وصفها بانقلاب قام به أتباع كولن وتنظيم الدولة الموازية. إذ بدأت بسلسلة من الاعتقالات لأفراد رفيعي المستوى، متبوعة بوابل من المكالمات الهاتفية المسربة لبعض الوزراء مع بعض أقطاب البناء في تركيا وغيرهم. وبعد تفكك التحقيق الأصلي في قضايا الفساد في وقت باكر من هذا العام بسبب استبدال وإعادة توزيع مناصب عشرات الآلاف من مسؤولي الشرطة والقضاء والمدعين العامين، يصر أردوغان على أن لديه كل الحق في مواصلة مطاردة مؤيدي كولن في «عرينهم»، حسب وصف المجلة.

وهنا تأتي أهمية غوليرجه. فالرجل الذي كان يُعرف بالمتحدث الرسمي لحركة كولن، قد يكون مشتبهًا به في التحقيقات الجديدة، ولكن في سياق أوسع هو يعد سلاحًا أكثر من كونه هدفًا في حد ذاته. فبالنسبة لحكومة عازمة على محو الحركة عن الخريطة السياسية في تركيا يعد غوليرجه ضالتها المنشودة، ففرصة إيجاد شخص رفيع المستوى منشق عن الحركة نادرة.

في شتاء 2012، بدأ غوليرجه إعادة التفكير بالحركة، فيعتقد أنه عندما حاول المدعون التابعون لكولن استدعاء – من دون جدوى- رئيس المخابرات التركي هاكان فيدان حليف أردوغان، كانت تلك الخطوة استهلالاً لما تحولت القضية له الآن من قتال بين الحكومة والحركة حتى النهاية. ويضيف غوليرجه أنه حتى ذلك الحين – شتاء 2012- لم تتحدَ كولن أي سلطة حاكمة في تركيا.

وفي أعقاب فضيحة فساد ديسمبر 2013، بدأ غوليرجه بقطع صلاته مع كولن. يقول غوليرجه «لقد اتخذت قراري. فهؤلاء الرجال على وشك الدخول في حرب مع الحكومة». لم تعد تجذبه الحركة؛ وفي ربيع هذا العام، استقال من منصبه في كل من صحيفة «زمان» و«مؤسسة الكُتَّاب والصحفيين»، ولم تعد له أي صلة بالحركة.

غيَّر غوليرجه موقفه وقناعاته تمامًا؛ فبعد أن كان من أهم الشخصيات في جماعة كولن، اليوم يوافق أردوغان الرأي في وصفه التحقيقات التي أجريت في 2013 بأنها محاولة  انقلاب فاشل، وكان الغرض منها تعثر حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية في 30 مارس.

يقول غوليرجه إن: «الهدف كان منع أردوغان من أن يصبح رئيسًا»، وإذا كان الأمر كذلك فإن الخطة فشلت فشلاً ذريعًا؛ إذ فاز حزب العدالة والتنمية بفارق كبير، واستولى على أكثر من 40% من الأصوات. وفي أغسطس، تأهل أردوغان للفوز بالانتخابات الرئاسية، ومن ثم أعلن بدء موسم الهجوم على كولن وحركته.

لا نستطيع إصدار حكم نهائي: هل انشق غوليرجه عن الحركة عن قناعة أم خوفًا من غضب أردوغان؟

في مقابلة في نوفمبر الماضي، وصف أكرم دومانلي، محرر جريدة زمان الحالي، زميله السابق – مشيرًا لغوليرجه- بالانتهازي. الجدير بالذكر أن أكرم – أبرز المؤيدين لكولن- تم اعتقاله الأحد الماضي. وأضاف أن غوليرجه غيَّر قناعاته عن الحركة وغيَّر قناعاته أيضًا عن رئيس الوزراء، ويتهكم قائلاً: «هل هذا دليل على القناعة الفكرية أو حتى الشجاعة الفكرية؟»

غوليرجه هو نفسه أحد المشتبه فيهم في التحقيق الجاري. وفي حديثه لـ«فورين بوليسي» بعد إدلائه بشهادته أمام النيابة العامة يقول إنه اعتقل بسبب مقال كتبه في صحيفةٍ بعد إلقاء كولن بيانًا يدين مجموعة «التحشية» بأربعة أيام؛ مما دفع النيابة للاعتقاد بأنه ما يزال في تحالف مع أنصار كولن. ويضيف أنه في الواقع متعاطف قليلاً مع زملائه السابقين المحبوسين.

يبدو أنه يتفق مع مطالب النيابة والخبراء الموالين لحزب العدالة والتنمية؛ إذ يعتقد أن وسائل الإعلام الموالية لكولن كصحيفة زمان و محطة التليفزيون سامانيولو شَنت حملات تشويه ضد منافسي كولن من خلال المقالات الصحفية، وصولاً لإنتاج أحد المسلسلات الدرامية  التليفزيونية.

يرى غوليرجه أن الحركة «مجموعة من المجتمع المدني تمكنت من الدخول في المخابرات والتنصت وإنشاء دولة موازية داخل الدولة. ولا يوجد لها مكان في دولة ديمقراطية».

بعد عقود من العمل إلى جانبه، يصف غوليرجه كولن بأنه شخص يمارس السلطة المطلقة على أتباعه. ويضيف: «الحركة لم تتحرك من تلقاء نفسها مطلقًا. اتخذ كولن جميع القرارات، وأصدر جميع الأوامر». ويتعجب من أن كولن يتحدث دائمًا عن تزايد سلطة أردوغان واستبداده، في حين أنه هو نفسه أفضل مثال على الاستبدادية. ويتذكر أنه خلال فترة عمله في صحيفة «زمان»، كانت لكولن الكلمة الأخيرة في أي قرار تحريري، إذ كان يتحقق من جميع العناوين والأعمدة والأخبار ويراقب كل شيء.

وردًّا على سؤاله عما إذا كان كولن نفسه يجب أن يكون ضمن التحقيق الجاري أم لا، أجاب غوليرجه، لكن بحذر شديد، إنه من الصعب أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتسليم واعظ مسن للحكومة التركية. لكنه يؤكد أنه إذا ما تم إثبات كل ما نسب إليه من تهم سيعتقل بطبيعة الحال، بل ولا بد من اعتقاله.

ثم ينهي كلامة قائلاً: «حسنًا، هذا أمر يحدده الادعاء».

 

علامات

تركيا, دولي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد