ما أن قاربت الساعة على العاشرة والنصف من مساء الجمعة، 16 يوليو (تموز) 2016، حتى قلبت الأمور في تركيا رأسًا على عقب؛ حيث طائرات حربية، وطائرات هليكوبتر، تحلق في سماء أنقرة، مع انتشار مكثف لقوات الأمن الخاص والجيش في شوارع العاصمة التركية أنقرة، وكذا في اسطنبول، بالإضافة إلى إغلاق لجسري «البوسفور، والسلطان محمد الفاتح».

دقائق حتى تسربت أخبار تؤكد وجود محاولة انقلاب في عدة مدن تركية، حيث سيطر الانقلابيون على القناة التركية الرسمية «تي آر تي». الحكومة التركية أشارت بأصابع الاتهام إلى مجموعة المعارض التركي المقيم في أمريكا، «فتح الله كولن»، كما أشارت إلى العقيد «محرم كوسا»، المستشار القانوني لرئيس أركان الجيش التركي؛ باعتباره قائدًا ميدانيًا لهذه المحاولة الانقلابية.

وكان بيان نُسب للقوات المسلحة التركية، قد أعلن أنها سيطرت على السلطة في البلاد؛ «من أجل حماية النظام الديمقراطي وحقوق الإنسان»؛ ليعلن ـ بعد ذلك ـ وزير الدفاع التركي، أن البيان، المنسوب لقيادة الجيش بالسيطرة على البلاد، «عبارة عن قرصنة»، فيما بدا أنّه بيان للقوات المتمردة.

وقبيل فجر هذه الليلة تغيرت الأمور لحد كبير؛ إذ أُعلن أن الوضع في العاصمة التركية أصبح تحت السيطرة، وكافة المؤسسات الحكومية عادت إلى قبضة قوات الأمن التابعة للحكومة، وأعلنت رئاسة المخابرات التركية، أن رئيس أركان الجيش التركي على رأس عمله، فيما بثت الاحتفالات داخل مقر قناة «تي آر تي» الرسمية فشل محاولة الانقلاب.

تظاهرات وحشد في مطار أتاتورك

رئيس وزراء تركيا، «بن علي يلدريم»، خرج ليؤكد أن مجموعة من داخل الجيش التركي حاولت الإطاحة بالحكومة، لكنه تم استدعاء قوات الأمن للقيام بما يلزم، حسب تعبيره. وأضاف قائلًا «بعض الأشخاص نفذوا أفعالًا غير قانونية خارج إطار تسلسل القيادة. الحكومة المنتخبة من الشعب لا تزال في موقع السلطة. هذه الحكومة لن ترحل، إلا حين يقول الشعب ذلك».

الرئيس التركي أثناء حديث عبر الهاتف المحمول عقب محاولة الانقلاب

وسرعان ما خاطب الرئيس التركي طيب أردوغان، الشعب التركي، عبر أكثر من وسيلة إعلامية، وأخذ يحث الشعب على الخروج إلى الشوارع؛ للاحتجاج على ما وصفه بمحاولة انقلاب «من فصيل صغير داخل الجيش»، مشيرًا إلى أن المحاولة الانقلابية ستنتهي خلال «فترة وجيزة». وانطلقت ـ بعد خطاب أوردغان ـ تظاهرات في عدة مدن تركية، دعمًا للرئيس، وأخذت المساجد ترفع الآذان، وتدعو الناس للنزول، وفعلًا تدفقت حشود من المتظاهرين إلى مطار أتاتورك؛ تلبية لدعوة الرئيس.

وتناقل نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي صورًا لاعتقال العديد من عناصر الجيش وقادته، الذين اتهموا بصلتهم بالانقلاب، بل أُعلن عن إسقاط مقاتلات من طراز «إف 16»، تابعة للحركة الانقلابية، كما أعلن قائد القوات الخاصة التركية عن سقوط قتيل وعدة جرحى.

جماعة من الجيش وراء الانقلاب

أعلنت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية، أن من خطط للانقلاب هو مستشار رئيس الأركان التركية، العقيد محرم كوسا، كما أكدت المصادر التركية، أن المحاولة الانقلابية التي تشهدها البلاد، لا تحظى بتأييد قطاع كبير داخل الجيش، كما أعلن قائد الجيش الأول التركي، أن «أغلبية عناصر الجيش لم تشارك في محاولة الانقلاب التي تشهدها البلاد، فمن قاموا بالمحاولة هم فصيل صغير» حسب تعبيره.

أما وزير الدفاع التركي فوصف من قام بمحاولة الانقلاب بـ «عصابة داخل الجيش التركي» مشيرًا إلى أن الجيش «لا يأخذ أوامره من بنسلفانيا»، في إشارة إلى زعيم جماعة فتح الله كولن.

يشار إلى أن الجيش التركي وأردوغان، بقيا على خلاف بشأن عدّة قضايا، فوفقًا لمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، فإنّ «الاستبداد المتزايد لأردوغان، وتصرفاته المتقلبة بخصوص المسألة الكردية، وسياسته الخارجية العدوانية التي تركز على الشرق الأوسط، أدت جميعها إلى نفور حلفاء تركيا الغربيين التقليديين، وأثارت الامتعاض في صفوف القوات المسلحة».

وأضافت «أردوغان ـ بدوره ـ لم يتخلّ عن تحصين نفسه من الجيش؛ فقرار الحكومة الأخير بفصل القيادة العامّة لقوات «الجندرموهي» قوّات الشرطة الريفيّة شبه العسكريّة في تركيا، عن هيئة الأركان العامّة، وضمّها إلى وزارة الداخليّة، تُعدّ محاولة لملء صفوف الدرك بأنصار حزب العدالة والتنمية، وخلق توازنٍ في مواجهة قوّة الجيش».

التضامن مع تركيا

في خضم محاولة الانقلاب، انقسم العالم، بين الصمت، أو إعلان التأييد للحكومة التركية، أو ترديد عبارات شديدة العمومية، تخص السلام والأمان.

وحث الرئيس الأمريكي «باراك أوباما»، جميع الأطراف في تركيا، على «دعم الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا من تركيا، ضبط النفس، وتجنب أي عنف أو إراقة الدماء»، كما تحدث وزير الخارجية الأمريكية «جون كيري» هاتفيًا مع نظيره التركي؛ ليعبر عن دعم واشنطن المطلق للحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطيًا في تركيا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد