دخلت تركيا مرحلة أو زمن الانتخابات البرلمانية، المقررة حزيران/ يونيو القادم، مع إعلان لجنتها العليا عن الروزنامة أو الجدول الزمني لها، وبدء ورشة، بل ورش العمل السياسية والحزبية استعدادًا لها؛ مما انعكس بالطبع في وسائل الإعلام، خاصة المعارض، تحليلاً توقعًا واستشرافًا، تحديدًا فيما يتعلق بتأثيرها على تغيير النظام السياسي؛ من البرلماني إلى الرئاسي.

حيث كتب “مراد يتكين” في صحيفة “راديكال” مقالاً بعنوان “داوود أوغلو، آخر رئيس للوزراء في عهد الجمهورية التركية”، أشار في بدايته إلى النظام الرئاسي الذي يسعى رئيس الجمهورية “رجب طيب أردوغان” إلى تطبيقه على نظام الحكم في تركيا، مبينًا أنه إن تم تحقيق ذلك، فإن “أردوغان” لن يكون بحاجة إلى رئيس وزرائه “أحمد داوود أوغلو”.

ونوه الكاتب إلى عنوان نشر في صحيفة “الصباح”، المقربة من الحكومة، في تاريخ 28 كانون الثاني/ يناير الجاري، جاء فيه “رئاسة واحدة لمجلس وزراء أوحد”، ما يدل برأيه على تحضير حزب العدالة والتنمية الحاكم لبرنامجه الانتخابي للوصول إلى السلطة المطلقة في تشكيل الدستور الجديد، لافتًا إلى كلام الرئيس أردوغان خلال لقائه مع إحدى المحطات التلفزيونية المحلية عن أن سعي بلاده للانتقال إلى النظام الرئاسي يأتي في إطار تسريع نمو وتطوير الدولة التركية، والنظام الرئاسي سوف يعجل سير العمل ويسرع عملية التنسيق والاتصال بين مؤسسات الدولة، وهو أصبح ضرورة موضوعية في تركيا.

وأضاف يتكين أن أردوغان ذكر، في حديثه مع الصحفيين خلال اللقاء، بأنه تباحث مع داوود أوغلو مسألة تغيير نظام الحكم وتغيير الدستور، ما يعني، برأي كاتب راديكال المخضرم، أنه، أي أوغلو، موافق على تقويض سلطاته في رئاسة الوزراء في ظل النظام الرئاسي الجديد، الذي أضاف أن استراتيجية أردوغان لا تعتمد على النواب البرلمانيين بعد صدور نتائج الانتخابات العامة في إقرار دستور جديد لنظام حكم جديد في البلاد، بل إن اعتماده سيكون على الاستفتاء الشعبي، الأكثر ضمانًا له، إما للنظام الرئاسي أو شبه الرئاسي.

وأضاف يتكين أن المشكلة الأساسية التي تواجه النظام شبه الرئاسي هي تصادم مصالح رئيس الجمهورية مع مصالح رئيس مجلس الوزراء الذي يمثل مصالح البرلمان. وهذه المشكلة عرفت في السياسة الفرنسية بـ”مشكلة التعايش المزدوج”. وهي الحالة التي يتم فيها اختيار رئيس الجمهورية من اتجاه فكري مناقض للاتجاه الذي يمثله رئيس الوزراء. كما حدث للرئيس الفرنسي السابق ميتران “الاشتراكي”؛ عندما فرضت عليه الجمعية العمومية أن يختار السيد شيراك “اليميني الرأسمالي” ليكون رئيسًا للوزراء عام 1986. وعليه، فيجب على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أن يتعاونا وأن يتحدا لكي تنجح الحكومة وتحقق أهدافها، ومنها أيضًا، حسب الكاتب، إساءة استخدام قانون الطوارئ من قبل رئيس الجمهورية. وإمكانية قيام رئيس الجمهورية بإساءة استخدام حقه في استفتاء الشعب، كما هو سائد اليوم في كثير من الدول ذات النظام شبه الرئاسي، وهذا يعني أنه لا توجد صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء في هذا النظام، الذي يعتبر أقرب إلى النظام البرلماني منه إلى الرئاسي.

وأنهى الكاتب مقاله قائلاً: على أية حال، إذا تم إقرار الدستور الجديد الذي يمهد لتغيير نظام الحكم في تركيا، فإن اسم داوود أوغلو في التاريخ التركي سيقع تحت عنوان آخر رئيس للوزراء في النظام البرلماني في تركيا.

في سياق متصل، تناول “متين أرجان”، من نفس الصحيفة، جانبًا من الموضوع في مقاله الذي عنونه بـ”الاقتصاد وثقله على الانتخابات العامة”، ذكر فيه أن الحزب الحاكم في تركيا سوف يركز في حملته الانتخابية على الملف الاقتصادي، معتمدًا، في استنتاجه، على تصريحات “داوود أوغلو” الأخيرة، والتي يركز فيها على القطاع الاقتصادي وتطوره.

وأضاف الكاتب أن هذا الملف سيطغى على الهدف الرئيس، الذي يطمح إليه أردوغان، في إقرار الدستور الجديد للبلاد وتغيير نظام الحكم فيه إلى نظام رئاسي، وخاصة أن هناك حالة من الاختلاف في وجهات النظر داخل الحزب الحاكم حيال هذا التغيير؛ حيث إن جناحًا من أعضاء الحزب يعارضونه، ربما لأسباب تعود إلى انعكاس هذا التغيير على مسؤولياتهم أو مناصبهم بشكل سلبي.

وبرأي أرجان، فإن الاستراتيجية التي اعتمد عليها الحزب الحاكم في الحملة الانتخابية جاءت بعد عدة مشاورات مع كبار المسؤولين في الحزب، للتركيز على الملف الاقتصادي؛ كونه أكثر جاذبية للشعب التركي من موضوع تغيير نظام الحكم، وهي ميزة يتفرد بها حزب العدالة والتنمية في تقديم دلائل وبراهين ملموسة على النهضة الاقتصادية، التي تم تحقيقها خلال السنوات الماضية، والوعود التي سوف يطلقها في تطويرها عبر مشاريع تنموية وعملاقة، وهذا ما لا تملكه المعارضة السياسية؛ من إثبات جدارتها في التطوير الاقتصادي أو إعطاء ضمانات حقيقية لتحقيقه بالنسبة للناخب، وهو ما سوف يصعب الأمر عليها في المنافسة الانتخابية.

وأنهى الكاتب في راديكال مقاله قائلاً: على المعارضة السياسية، وخاصة أكبر الأحزاب المعارضة؛ حزب الشعب الجمهوري، التركيز على موضوع النظام الرئاسي، وإبراز سلبياته وتذكير الشعب التركي بأمثلة حصلت في بعض البلدان، مثل فرنسا، من خلال عدم توافق الرئيس والحكومة وما أحدثه ذلك من خلل فظيع في إدارة شؤون الدولة.

وفي المحصلة، سترتكز الدعاية الانتخابية لكل الأحزاب على ملفات الدستور الجديد والنظام الرئاسي والملف الاقتصادي؛ حيث إن المعارضة مطالبة بالتركيز على الملف الاقتصادي، وتقديم بدائل وحلول اقتصادية تنافس بها الحزب الحاكم، بالإضافة إلى الملف السياسي، وإثبات نفسها في الشارع؛ بعيدًا عن المهاترات مع قادة الحزب الحاكم لنيل ثقة الناخب.

ومن جانبه، كتب “طيفون أتان”، في راديكال أيضًا، مقالاً بعنوان “الدورات الثلاثة والنموذج الرئاسي” ذكر فيه أن قوائم ترشيح نواب حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات البرلمانية تشهد تغييرات كبيرة، حيث سيتم تجديد 60% من نواب البرلمان الأعضاء بالحزب، أي ما يقرب من 180 إلى 200 نائبٍ، ما يعني أن 200 نائبٍ سيودعون حزبهم وستتغير أسماء العديد من أعضاء الحزب قبل الانتخابات البرلمانية العام الجاري، وذلك بسبب القانون الذي لا يسمح بترشيح نواب لثلاث دورات، وهو ما سيمثل فرصة للمرشحين الجدد من الحزب الحاكم.

ونوه الكاتب إلى أن الحزب الحاكم سيعقد، في الأيام القادمة، جلسة استشارية في مدينة أفيون، برئاسة رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو، لرسم خارطة الطريق وتحديد استراتيجية الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وأشار أتان في نهاية مقاله إلى أن رغبة أردوغان بالنظام الرئاسي لم تعد سرًّا. وحتى لو كان ذلك من غير الممكن تحقيقه، بحسب المعطيات الحالية، فإنه ليس من الصعب القول بأن أردوغان سيشكل نموذجًا مختلفًا لرئيس الجمهورية. يوجد احتمال كبير بأننا سنشهد نموذجًا أكثر بروزًا لرئيس الجمهورية، تحت تأثير أسلوب أردوغان الشخصي وطريقة تعاطيه مع المواضيع السياسية. أي أن أردوغان سيكون رئيسًا يقوم بما كان يقوم به أسلافه بعيدًا عن الأنظار، ولكن بشكل واضح للعيان وبصوت مرتفع. وعمومًا ستكون لنتائج الانتخابات القادمة كلمة الفصل في هذا الموضوع، ختم الكاتب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد