يعد التقاء الحدود التركية الأذربيجانية من أقصر الحدود للدولة التركية بمسافة 18 كم، تبدأ من قرية سارب وتمتد على طول نهري أرباكاي وأراس، وأذربيجان هي جزء من الجمهورية السوفيتية السابقة في القوقاز، حيث تقع البلاد على بحر قزوين بين روسيا وإيران، وتحدها من الغرب جورجيا وأرمينيا، ويحدها إقليم ناخيتشيفان المستقل والواقع بين أرمينيا وإيران، ولكن الارتباط أكبر من ذلك. بعد سوريا، والعراق، وليبيا ربما لن تبدو لك أية نية للتدخل التركي في جبهات أخرى تشتيتًا للتركيز، لكن التقرير الآتي سيريك سر العلاقة بين تركيا وأذربيجان.

تحالف بشري متبادل

لا يخفى الارتباط الوثيق بين دولتي تركيا وأذربيجان، فالسُنة التي ابتدعها الرئيسان رجب طيب أردوغان وإلهام علييف لزيارة أنقرة وباكو عاصمتي الجمهوريتين التركية والأذربيجانية إبان فوزهما مباشرةً في الانتخابات الرئاسية؛ لها دلائل كبيرة تصف مدى الرابط العميق بين البلدين المتغنيتين بلحمة الدماء والأرض، فضلًا عن انتماء شعب أذربيجان إلى القومية التركية.

أذربيجان دولة ذات غالبية عرقية تركية، وعضو في المجلس التركي (الدول الناطقة باللغة التركية) الذي أنشئ في 2009م ويبلغ عدد أعضائه سبع دول، كما أن تركيا أول دولة اعترفت بجمهورية أذربيجان بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991م، علاوة على أنها أكبر دولة داعمة لأذربيجان في قضية إقليم «ناجورني كاراباخ» الذي تسيطر عليه من أرمينيا ذات الغالبية المسيحية، والمساس بباكو خط أحمر يثير النزعة التركية.

ومقولة الرئيس أردوغان الشهيرة: «دولتان بأمة واحدة» في ذكرى مئوية تحرير عاصمة أذربيجان باكو، نبعت من العلاقات التاريخية بين البلدين منذ أيام الدولة العثمانية، إثر انضمام العديد من سكان أذربيجان للجيش العثماني من أجل القتال في صفوفه، وسيطر من خلالها الجيش القوقازي الذي أرسلته الدولة العثمانية، بقيادة أنور باشا عام 1918م على العاصمة باكو.

العلاقات المتينة بين البلدين لم تتوقف على مر السنين، ففي عام 1992م إبان إعلان إقليم (كاراباخ) استقلاله عن أذربيجان أغلقت تركيا حدودها مع جمهورية أرمينيا وفرضت عليها حظرًا اقتصاديًّا مشترطة تنازل الأخيرة عن الإقليم لعودة العلاقات بين البلدين، كما شاركت تركيا في رعاية قرار مجلس الأمن رقم 822، والذي أكد أن مرتفعات كاراباخ جزء من وحدة أراضي أذربيجان، وطالب بانسحاب القوات الأرمينية.

في المقابل دعم المسؤولون في أذربيجان العمليات التركية في سوريا علنًا، فحسب موقع «مونيتور الشرق الأوسط» صرَّح أمين حسنلي عضو «مجلس دعم الدولة للمنظمات غير الحكومية» أن أكثر من ألف شاب ومحارب قديم في أذربيجان طلبوا الانضمام إلى عملية الجيش التركي لمكافحة ما أسماه بـ«الإرهاب» عبر الحدود في شمال شرق سوريا.

الغاز والاستثمار يوثقان الارتباط

أكد جيهون بايراموف وزير الخارجية الأذربيجاني في أغسطس (آب) الفائت أن المستقبل القريب سيشهد توقيع اتفاقية بين تركيا وبلدة في 29 مجالًا جديدًا، ويأتي هذا التأكيد تعزيزًا لاتفاقيات التعاون التي وقعت بين البلدين في 241 مجالًا، حيث تُعد تركيا من أكثر الدول تعاونًا مع أذربيجان في المجال الاقتصادي، فهنالك 4 آلاف شركة تركية تعمل في أذربيجان، وقد ساهمت في الاقتصاد الأذربيجاني بقيمة 12.6 مليار دولار.

«بايراموف» الذي جعل من تركيا أول محطة خارجية يحط فيها عقب تسلمه لمنصبه في يوليو (تموز) الماضي، لفت إلى أن حجم التجارة البينية بين البلدين لعام 2019م، ارتفعت بنسبة 33% مقارنة مع العام السابق، وأن الأشهر الخمسة الأولى من 2020م شهدت زيادة في حجم التجارة بين باكو وأنقرة بنسبة 20%، مشيرًا إلى أن نحو ألفي شركة أذربيجانية تعمل في تركيا برأسمال قدره 18.1 مليار دولار.

Embed from Getty Images

وبلغ حجم الصادرات التركية إلى أذربيجان عام 2011م مليارين و65 مليون دولار وارتفعت إلى 2.960 مليار دولار عام 2013م، فيما بلغ حجم الواردات 2.290 مليار دولار عام 2014م، وتعد المواد الصناعية الأكثر تصديرًا إلى أذربيجان، حيث بلغت نسبة الصادرات الصناعية 86% من حجم الصادرات، وجرى توظيف استثمارات أذربيجانية بمبلغ 5 مليارات دولار أمريكي في تركيا، أما تركيا فاستثمرت 6.3 مليارات دولار في أذربيجان.

«مشروع سلام إقليمي» هو وصف الرئيس أردوغان لمشروع نقل الغاز الطبيعي «تاناب» المشترك بين تركيا وأذربيجان، حين رعى حفل ربط أنابيب أذربيجان «تاناب» بالأنابيب التركية «تاب» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019م، ويُعد من أهم مشروعات الطاقة على مستوى العالم، لأنه سيعطي الأفضلية لتركيا على أنها نقطة مرجعية في أسواق الطاقة العالمية، وبفضله ستنخفض كلفة إنتاج الطاقة وستتمكن تركيا من تأمين الغاز دون انقطاع، حيث ستبلغ حصتها 6 مليارات متر مكعب؛ ما سيؤدي إلى انخفاض نسبة اعتمادها على الغاز الروسي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2017م، افتُتح أقصر خط حديدي دولي يربط بين أذربيجان، وتركيا، وأوروبا، بهدف نقل مليون مسافر سنويًّا، بالإضافة إلى نقل 50 مليون طن من البضائع كل عام، وتكمن أهميته الكبرى في مرور البضائع المُراد شحنها من الصين، وكازاخستان، وتركمانستان، وأذربيجان، إلى أوروبا عبر تركيا.

ما قصة إقليم «ناغورني كاراباخ»؟

تعود جذور الصراع بين جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان إلى عام 1918م، في نزاع متبادل لضم كل منهما إقليم «ناغورني كاراباخ» ذي الأغلبية الأرمنية إلى أراضيه، وهو جيب جبلي داخل أذربيجان، تحت إدارة سكان منحدرين من أصل أرميني أعلنوا استقلاله خلال صراع بدأ مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، والأسباب الكامنة وراء الصراع ما تزال بعيدة عن الحل بعد قرن من الزمان تقريبًا.

القصة هذه تحمل تصورات مختلفة للغاية ووجهات نظر مغايرة تمامًا حسب كل رواية، ووفقًا للمؤرخين الأرمن فإن الجمهورية الأرمينية ترغب في أن تشمل منطقة ناخيتشيفان المناطق الأساسية من البلد (شرق أرمينيا) وبالتحديد محافظة يريفان كما ترغب في تملك الأجزاء الشرقية والجنوبية من محافظة إليزابيث بول، وفي المقابل فأذربيجان ترفض كل هذه المعطيات وتُؤكد سيادتها ووحدة أراضيها على كل تلك المناطق.

طلب البرلمان في كاراباخ الانضمام إلى أرمينيا، وجرى التصويت على ضم المنطقة إلى أرمينيا من طرف واحد في فبراير (شباط) 1988م، وفي نهاية 1991م أعلن الإقليم استقلاله عن أذربيجان دون أن يحظى باعتراف أية دولة ولا حتى أرمينيا، وخلال الفترة الممتدة من 1988م إلى 1993م شهد الإقليم حروبًا راح ضحيتها آلاف القتلى، نتج منها سيطرة الأرمن على منطقة (توفوز) داخل أذربيجان، تقع بين كاراباخ وأرمينيا وتبلغ مساحتها نحو 8 آلاف كيلومتر مربع أي نحو 20% من مساحة أذربيجان، وقوبلت سيطرة أرمينيا بإدانة من مجلس الأمن الدولي وطالبها بالانسحاب، ثم جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار دون سلام في مايو (أيار) 1994م بين المتنازعين.

وفي نوفمبر 2008م، وقعت أرمينيا وأذربيجان إعلانًا يدعو إلى تسوية سلمية للنزاع، إلا أن المعارك لم تتوقف، وفي أغسطس 2014م، قتل عدد من الجنود الأذربيجانيين في اشتباكات مع الأرمن، وفي نوفمبر من العام ذاته، أسقطت القوات الأذربيجانية مروحية عسكرية أرمينية؛ مما أدى إلى مقتل أفراد طاقمها الثلاثة، وخلال عام 2016م أوقعت مواجهات بين الطرفين 30 قتيلًا.

وفي يوليو 2020 نشبت معارك بشكل مفاجئ بين البلدين سقط خلالها 16 قتيلًا ودمِّرت دبابة أذربيجانية ومواقع للمدفعية وبطاريات الهاون حسب شوشان ستيبانيان المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأرمينية، ليعلن البلدان عبر وزارتي دفاعهما استئناف المواجهات العسكرية، كما استنكرت تركيا عبر بيان لوزارة الخارجية التركية اتهام أرمينيا بأن أنقرة تمثل تهديدًا أمنيًّا لها، وقالت: «أرمينيا تسعى الآن وراء حملة تشويه منافقة ضد تركيا من أجل التغطية على تجاوزاتها بحق أذربيجان».

روسيا تشعل فتيل الحرب

«النسر التركي الأذربيجاني 2020» ليست المناورة العسكرية الأولى بين تركيا وأذربيجان، ففي يونيو (حزيران) 2019م انطلقت مناورات «الأخوَّة الراسخة» بين تركيا وأذربيجان في نخجوان الأذرية، بهدف تطوير التنسيق بين الجيشين والقدرة على تنفيذ عمليات مشتركة من خلال تبادل القوات المسلحة الخبرات فيما بينها، عززت صداقة البلدين موقف أرمينيا التي تكن ضغينة تجاه تركيا بسبب ما تقتنع به حول الإبادة الأرمينية خلال الحرب العالمية الأولى، والتي ترفض تركيا هذا الوصف لما حدث وتصفها بمجازر متبادلة.

سياسة

منذ 4 سنوات
7 ملفات تضع العلاقات الروسية التركية على المحك

أثناء ذلك تبقى روسيا أكبر قوة إقليمية، تقيم مع أرمينيا علاقات أوثق من علاقاتها مع أذربيجان، لكنها تبيع الأسلحة للطرفين. وضعت موسكو في أرمينيا 5 آلاف من جنودها بشكل دائم، وهو وجود يعود إلى حقبة التسعينيات، أيضًا اختار الروس أن يُبقوا الجزء الأكبر من قواتهم في أرمينيا في قاعدتهم (102) في غيومري، في حين أدَّت عضوية أرمينيا في تحالف الدول السوفيتية السابقة «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» نحو زيادة اعتمادها العسكري على موسكو طبقًا إلى ما أفضى إليه الاتفاق للدفاع الجوي المشترك في ديسمبر (كانون الأول) 2015م.

وقد نشر الروس قبل عام 2016م في أرمينيا سربًا من طائرات مقاتلة (ميج 29)، إلى جانب بضعة آلاف من الجنود، والمدرعات الثقيلة، وأنظمة الدفاع الجوية والصاروخية بعيدة المدى من طراز (إس-300) إلى جانب الدفاعات الجوية متوسطة المستوى من طراز (إس إي-6).

رئيس أذربيجان، إلهام علييف، صرَّح بأن المناورات العسكرية المشتركة بين قوات بلاده ونظيرتها التركية، تخيف حكومة أرمينيا، لكن الأكاديمي التركي، سمير صالحة، في حديثه لموقع «الجزيرة نت» اتهم روسيا بافتعال فتيل الحرب، مرجحًا أن موسكو قد تكون منزعجة من التقارب التركي الأمريكي في الملف الليبي، فبذلك تريد تذكير أنقرة بقدرتها على إزعاجها هي الأخرى في حديقتها الخلفية بالبلقان وآسيا الوسطى.

سوريون ضمن دعم تركيا لباكو

مع التوتر الحاصل بين أذربيجان وأرمينيا تناقلت وسائل الإعلام أخبارًا حول إرسال تركيا لمقاتلين سوريين إلى أذربيجان كما فعلت في ليبيا، وقالت وزارة الخارجية الأرمينية إنها ستقوم بالتحقق من هذه المعلومات، ولكن حتى اللحظة لم يصدر تأكيد رسمي من تركيا، في حين تسربت محادثات صوتية لمقاتلين سوريين تفيد بموافقة تركيا على ابتعاث ألف مجند من الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا إلى أذربيجان يبدأ نقلهم في 27 سبتمبر الجاري.

منطقة الشرق

منذ 6 شهور
«بيرقدار».. طائرة تركية قلبت موازين الحرب في سوريا وليبيا

حاول «ساسة بوست» التواصل مع المكتب الإعلامي للجيش الوطني، لكن حتى كتابة التقرير لم نتلق ردًّا، ويبدو أن صمت الأخير مفهومًا؛ نظرًا إلى التجربة السابقة في ليبيا، حيث استمر «الوطني» في نفي وجود مقاتليه في ليبيا حتى صرح الرئيس التركي أردوغان بذلك، وأفادت صحيفة «جسر» المعارضة للنظام السوري بأن الجيش التركي الموجود في سوريا افتتح منذ مدة معسكرًا تدريبيًّا لعناصر من الجيش الوطني بالقرب من مدينة الباب بمحافظة حلب، وذلك بغية تدريبهم وإرسالهم إلى أذربيجان إلى القاعدة العسكرية التركية المزمع إنشاؤها على الحدود بين البلدين، برواتب تتراوح من 1500 إلى 1800 دولار.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد