طائرةٌ تركية بدون طيار، محلية الصنع تدعى «بيرقدار»، فشلت مرارًا في تنفيذ مهامها، وانقطع الاتصال بينها وبين مركز القيادة غير مرة، كما اشتهرت بأنها غير مُحصنة من الاستهداف، وشوهد حطامها في الأرض أكثر مما سُمع طنينها في السماء، والمثير أنّ الشركة المنتجة لها كانت تعمل في مجال تصنيع قطع غيار السيارات، لكنها بالرغم من إخفاقاتها المتكررة في البداية صارت إحدى الطائرات المزعجة التي منحت تركيا يدًا قوية في صراعات الشرق الأوسط، ونافست على صدارة الصناعات العسكرية عالميًا.

«بيرقدار» التي نازعت هيبة السلاح الروسي في سوريا، حولت أيضًا مسار الحرب في ليبيا، وأفقدت الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر لأول مرة السيطرة على سماء غرب ليبيا، كما اغتالت كبار قادة حزب العمال الكردستاني شمال العراق، وهي الانتصارات الكبرى التي حصدتها تركيا في بلدان تشهد حروبًا بالوكالة بين الدول التي تُشكل نادي النخبة. التقرير التالي يشرح لك قصة الطائرة الصغيرة التي حررت تركيا من الحظر الأمريكي المفروض عليها في مجال استيراد الدرونز المقاتلة.

سلجوق بيرقدار.. صهر أردوغان وصانع طائرته الخطيرة

في عام 2005، أقام مهندس شابٌ يدعى سلجوق بيرقدار يبلغ من العمر 26 عامًا عرضًا حضره مجموعة من المسئولين الأتراك لمشاهدة طائرة بدون طيار، بيرقدار الحاصل على شهادة الماجستير من جامعة بنسلفانيا الأمريكية، باءت محاولاته إقناع المسئولين بتبنى مشروعه بالفشل، والسبب كما كشفته صحيفة «ذا إنترسبت» الأمريكية جاء بسبب عرقلة البيروقراطيين داخل الحكومة والجيش الذين اعتقدوا أنّ الأفضل شراء تلك التقنية من الولايات المتحدة بدلًا عن الاستمرار في تطويرها بأنفسهم.

في تلك الأثناء، كان رئيس الوزراء التركي وقتها رجب طيب أردوغان قد عاد من زيارة فاشلة إلى الولايات المتحدة لطلب شراء طائرات «بريداتور» الأمريكية المسيّرة، وكان الكونجرس قد رفض طلب أردوغان الذي قاده غضبه لتأسيس مشروع من الدرونز المقاتلة ستنتهي لمنافسة واشنطن التي تقبع في الصدارة.

حاجة أردوغان إلى الطائرات بدون طيار تكشفه برقية أمريكية كتبها سفير واشنطن آنذاك في تركيا، وبحسب تسريبات «ويكيليس»، فالدبلوماسي الأمريكي كتب قائلًا: «تسعى تركيا للحصول على طائرات دون طيار بشكل عاجلٍ لتمكينها من مواصلة عملياتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني بدون مساعدة أمريكية»، ويعزو سبب الحظر الأمريكي المفروض على تركيا إلى عام 1975 عقب «غزو أنقرة لجزيرة قبرص» بحسب وجهة النظر الأمريكية.

وفي الوقت الذي حظرت فيه الولايات المتحدة تصدير الطائرات بدون طيار إلى تركيا، كان معهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا قد منح فرصة استثنائية للشاب التركي الطامح الذي درس خوارزميات التحكم في الطيران الأوتوماتيكي، وبعدما حصل على الماجستير عام 2006، قرر العودة إلى تركيا على أمل صناعة نسخته الخاصة.

استوردت تركيا في نفس العام 10 طائرات بدون طيار من طراز «هيرون» الإسرائيلية، لكنّ الصفقة لم تمرّ بسلام، فسرعان ما اتهمت أنقرة الإسرائيليين بتخريب المحرك وأنظمة التصوير بشكل متعمد، ليبدو لتركيا أنه لا أمل من أية مساعدة خارجية.

في البداية التحق بيرقدار بشركة عائلته «بيرقدار ماكينا» المتخصصة في صناعة مكونات السيارات ضمن برنامج وطني لتصنيع السيارات محليًا، لكنّ الشركة سُرعان ما غيرت نشاطها محليًا عقب فوزها بمناقصة طرحها الجيش التركي لتصنيع نموذج لطائرة صغيرة مقاتلة بدون طيار، وهو المسار السياسي الجديد الذي صنع نجم المهندس الشاب ليصبح عرّاب صناعة الطائرات التركية بدون طيار، الذي تزوج فيما بعد من ابنة أردوغان.

لكنّ الحُلم التركي استغرق عشر سنواتٍ كاملة لم تخل من الإحباطات، والإخفاقات حتى نجح بيرقدار عام 2015 من إخراج نسخة ناجحة من طراز «بيرقدار TB2» المتطورة، والتي يمكنها حاليًا التحليق على ارتفاع 8 آلاف متر، والطيران لمدة 24 ساعة متواصلة، بحمولة أقصاها 150 كجم.

دولي

منذ 3 شهور
«الجارديان»: كيف شقت تركيا طريقها لتصبحَ ثاني أكبر مستخدم لـ«الدرونز» عالميًّا؟

منحت طائرات «بيرقدار TB2» تركيا مكانة دولية بتصدرها المركز السادس عالميًا في مجال صناعة الدروزنز بعد الولايات المتحدة، وإسرائيل، والصين، وباكستان، وإيران، وعلى المستوى المحلي، استخدمها الجيش بنجاح ضد حزب العمال الكردستاني في جنوب وشرق تركيا لوقف تمرداتهم المستمرة منذ عام 1984 من أجل الحكم الذاتي. التفوق الذي أحدثته الدرون وأثر على السياسة التركية في الداخل، سرعان ما تحول إلى سلاح خارجي مؤخرًا يمنح تركيا قوة كبيرة ونفوذ أكبر، بعدما حققت نجاحاتٍ في ليبيا وسوريا.

 كيف حولت طائرة «بيرقدار» مسار الحرب في ليبيا؟

من قاعدة عملياته في شرق ليبيا، أطلق الجنرال المتقاعد خليفة حفتر معركته للزحف على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل (نيسان) العام الماضي، والتوقيت السياسي للمعركة جاء بعد نحو أسبوع من زيارة حفتر للسعودية التي رأست القمة العربية في تونس، وقبل 10 أيامٍ من عقد المُلتقى الوطني الجامع الذي رعته الأمم المتحدة لبحث تشكيل حكومة وطنية.

تلقى حفتر الضوء الأخضر لدخول طرابلس بدعمٍ أمريكي فرنسي روسي، بالإضافة إلى ذخيرة مصرية، وأموال سعودية، وطائرات إماراتية، كما وصفها المتحدث باسم قوات حفتر بالضربات الجوية الصديقة.

الدعم غير المشروط الذي حصل عليه حفتر، دفع حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا للاستعانة بأنقرة، التي أعلنت دعمها غير المشروط لحكومة الوفاق، لتظهر بعدها المقاتلات التركية في شوارع طرابلس إلى جانب طائرات «بيرقدار» التي استغلت بُعد القواعد الجوية التابعة لحفتر عن مواقع الاشتباكات، وبدأت في قصف الخطوط الخلفية بدقة، ومنعت قوات الجنرال الليبي من التقدم.

النجاحات التي حققتها الوفاق بفضل الطائرات التركية قابلها من الجانب الآخر حصول حفتر على منظومة دفاع جوي متطور من طراز «بانتسير إس1/ إس آي 22» روسية الصنع، عبر الإمارات بحسب ما كشفته صحيفة روسية.

سلاح حفتر الجديد مكنه من فرض حظر جوي على طرابلس، نهايًة بالسيطرة على مدينة سرت الليبية الاستراتيجية في الشمال، من دون أن تتمكن المدرعة التركية من طراز «كيربي»، والتي يمتلك «صندوق قطر للاستثمار» نصف أسهم الشركة المصنعة لها، من إحراز انتصاراتٍ فارقة، كونها محصنة من الألغام فقط، وليس الصواريخ أو المدفعية، وهو التطور الذي دفع تركيا للتدخل رسميًا في الصراع الليبي.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019، أعلنت أنقرة توقيع اتفاقية أمنية مع حكومة الوفاق، منحت تركيا شرعية إرسال وحداتٍ عسكرية للقتال في طرابلس، ومنع الجنرال الليبي من اختراق الطوق العسكري حول العاصمة. استعانة الوفاق بحليفها القوي، أجبر غريمها على خوض الحرب حتى النفس الأخير، بالرغم من فشله في إحراز أي انتصارات فارقة. وفي منتصف المعارك وجه الجنرال الليبي قواته للمحافظة على الذخيرة، وهو ما كشف تعرضه لأزمة مالية لتمويل حربه.

وعن الدور الأخير الذي لعبته «بيرقدار» وحوّلت به مسار الحرب، فحكومة الوفاق أطلقت الشهر الجاري معركة «عاصفة السلام» التي اعتمدت على الدرونز التركية، وتوّجت بانتصاراتٍ تمثلت في السيطرة الكاملة لأول مرة على سماء غرب ليبيا، بعد اقتحامها لقاعدة «الوطية» الجوية الإستراتيجية – 140 كلم جنوب غرب طرابلس – وقبلها قصفت مسرح العمليات المتمثل في قاعدة «الجفرة» الجوية – وسط ليبيا – ودمّرت حظيرة طائرات مسيرة وطائرة شحن ومنظومة للدفاع الجوي.

سياسة

منذ شهر
الانتصاراتُ لا تكفي.. ماذا تبقى للوفاق لإنهاء وجود حفتر؟

انتصارات الوفاق الجوية في غرب ليبيا، مهدت لها مهاجمة مدن الساحل الغربي، واستعادة ست مدن في غضون ساعات وصولًا إلى الحدود التونسية، تحت غطاءٍ جويٍ احتكر بلا منازع سماء المعركة. وحاليًا تخوض حكومة الوفاق الفصل الأخير في معركة طرابلس، بمهاجمة مدينة ترهونة – جنوب طرابلس – آخر قلاع أمير الحرب الليبي في الغرب.

 طائرة منحت تركيا حصة في سوريا

تُصنف «بيرقدار» ضمن الطائرات العسكرية التكتيكية التي يمكنها القيام ببعض مهام طائرات «F16» الأمريكية، وبالرغم من تزويدها بذخائر محلية الصنع، إلا أنها أثبتت جدارتها في مهامها الخارجية، وباتت العمود الفقري للقوات الجوية التركية التي ساندت ثلاث عملياتٍ بشكلٍ أساسي في سوريا.

في العام الذي امتلكت فيه تركيا طائرة مسيّرة قادرة على خوض المعارك القتالية، شنت تركيا بالتنسيق مع الولايات المتحدة في 24 أغسطس (آب) عام 2016، عملية درع الفرات شمال سوريا لدعم المعارضة السورية في قتالها ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وهدفت المعركة إلى تأمين المدن التركية الحدودية من استهداف (داعش) من جهة، ومنع سيطرة القوات الكردية التي تعتبرها أنقرة «إرهابية» لعلاقتها مع حزب العمال الكردستاني من ضم مزيدًا من مدن الشمال.

توغل الجيش التركي لأول مرة على مدينة «جرابلس» الحدودية في الشمال، وهي الجبهة الجديدة التي سُرعان ما أرسل تعزيزات عسكرية من المناطق الجنوبية التركية المقابلة، لتبدو نوايا تركية جديدة داخل الشمال السوري. وفي مارس (آذار) عام 2018، شنت تركيا عملية جديدة سُميت «غصن الزيتون» داخل مدينة عفرين السورية الحدودية على مواقع الأكراد لمنع تمدد عناصر قوات حزب العمال الكردستاني.

بحسب وكالة «الأناضول» التركية، بلغ عدد ساعات تحليق طائرات بيرقدار نحو أربعة آلاف ساعة فوق عفرين، خلال مدة العملية التي استغرقت شهرين، كما خاضت الطائرة تحديًا جديدًا تمثل في القيام بمهام قتالية داخل ثلوج وعواصف وأمطار وضباب، كما أنها ساهمت في تقليل وقوع خسائر في صفوف قوات العملية.

وفي أكتوبر (تشرين الثاني) عام 2019، أطلقت تركيا تزامنًا مع توقيع اتفاقية أمنية في ليبيا، عملية نبع السلام في شمال سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية المعروفة اختصارًا باسم (قسد) والتي يغلب عليها الطابع الكردي، وهدفت العملية إلى طرد تلك القوات، وإنشاء منطقة آمنة لإعادة توطين 3.6 مليون لاجئ سوري دخلوا تركيا.

اعتمدت تركيا في حربها على طائرات «بيرقدار»، بالإضافة إلى قذائف المدفعية، وهو ما مهد لدخولٍ بريٍ بعمق 23 كم وصولًا إلى طريق «M4» الدولي، لتغير موازين القوى بعد سيطرتها على جزء من ذلك الطريق الذي كان في السابق يقع تحت سيطرة القوات الروسية والنظام السوري وقوات قسد.

وبخلاف الدور الهجومي لـ«بيرقدار» في عملية نبع السلام، فالطائرة المسيرة قدمت معلومات استخباراتية بفضل قدرتها على التصوير بدقة من ارتفاعاتٍ عالية، وساعدت تركيا في استهداف وتصفية المئات من المقاتلين الأكراد، ومنحتها يدًا طولى في الحدود الشمالية السورية.

مواقع أخرى

منذ شهر
مترجم: هذا ما عرضه ابن زايد على الأسد مقابل خرق إطلاق النار بإدلب

وفي 28 فبراير (شباط) الماضي، تعرض أردوغان لضربة كبرى تمثلت في مقتل 33 جنديًا تركيًا استهدفتهم قوات الأسد في مدينة إدلب السورية، وهي الضربة التي اعتبرتها تركيا إهانة، لتبدأ عملية جديدة بطلها طائرات البيرقدار. بعدها بيوم استهدفت الطائرة التركية اجتماعًا أمنيًا لقيادات من قوات النظام السوري، وآخرين من «حزب الله» اللبناني؛ مما أسفرت عن مقتل 10 قيادات، ليستمر القصف بعدها حاصدًا عشرات الآليات العسكرية، وجنود النظام السوري، وهي العملية التي اعتبرها أردوغان ردًا لكرامة جيشه بفضل طائرات الـ«بيرقدار».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد