عاد موضوع العلاقات الجزائرية التركيّة إلى الواجهة، بعد مقال صحفي لجريدة «الخبر» الجزائرية، اتهمت فيه تركيا بدعم حركة «رشاد» المعارِضة.

جريدة «الخبر»، إحدى أكبر الجرائد المكتوبة بالعربية في الجزائر، عنونت بالخط العريض على صفحتها الأولى: «العلاقات الجزائرية التركية على المحكّ»، نتيجةً للقاءات تمَّت، حسب الجريدة، بين مسؤولين أتراك وحركة «رشاد» الجزائرية المعارضة، التي تتَّهمها السلطات الجزائرية بأنها «قريبة من الإرهاب». ولكن السفارة التركية في الجزائر أصدرت بيانًا نفت فيه بشكل قاطع ما تناوله التقرير الصحفي.

وجاء في بيان السفارة التركية، يومَ 18 أبريل (نيسان) 2021، أنَّ: «ناشري هذه الدعاية الكاذبة وهذه الإشاعات الكاذبة التي تهدف إلى المساس بالتطور الإيجابي للعلاقات الحميمة والودية بين تركيا والجزائر، لا تأخذ بعين الاعتبار عمق الروابط الأخوية بين البلدين»، وأفاد مصدرٌ طلب عدم الكشف عن اسمه في حديث إلى «ساسة بوست» بأنَّ السفيرة التركية تعتقد أن هناك أياديَ فرنسية تقف خلف هذه المزاعم التي تربطها بحركة «رشاد» المعارضة.

وفي هذا التقرير نلقي نظرةً على العلاقات الجزائرية التركية، وتأثُّرها بمواقف فرنسا، وعلاقات أنقرة بالرباط ومواقفها في صراع الصحراء الغربية.

الصفحة الأولى لجريدة «الخبر» يوم الخميس 15 أبريل (نيسان) 2021

صفقة طائرات بدون طيَّار مع المغرب.. هل تكون سببًا لتأزيم العلاقات مع الجزائر؟

وبعد أيام قليلة من المقال الصحفي حول علاقات مزعومة بين تركيا وحركة «رشاد»، نقلَ موقع إخباري مغربيٌّ خبرَ عقد صفقة للقوات الملكية الجوية المغربية لشراء 13 طائرة بدون طيار من نوع «بيرقدار تي بي 2»، وعلَّقت مواقع مغربية بأن هذه الصفقة: «عملية شراء غير مسبوقة من شأنها أن تعزز مكانة المغرب في ميزان القوى العسكري مع الجزائر، ولكن خصوصًا مع البوليساريو».

أي إن صانع القرار المغربي – حسب موقع «لوديسك» – يشتري هذه المسيَّرات حذرَ مَن يضعُ الجزائر وجبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، صوبَ عينيه من خلال هذه الصفقة العسكرية مع تركيا، وهو ما يرجِّح أن يخلق حالة من الجفاء بين الجزائريين والأتراك.

Embed from Getty Images

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

شهدت العلاقات التركية الجزائرية تطورًا على الصعيدين السياسي والاقتصادي خلال العقد الماضي.

العديد من الرمزيات تطبع الزيارات الخارجية لأردوغان إلى الجزائر، فقد زارها كأوَّل وجهة خارجية مباشرة بعد انتخابه رئيسًا عام 2014، ثم زارها في 22 يناير (كانون الثاني) 2020، بعد فترة وجيزة من وصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة، في إشارة لرغبة أنقرة في تعميق العلاقات مع الجزائر، وعدم خسارة أكبر دول أفريقيا مساحةً، مع تأكيد تركيا المستمر على الإرث التاريخي بين الجزائر وتركيا، والذي يعود إلى القرن السادس عشر وعهد الدولة العثمانية.

وتعد الجزائر من أكثر الدول العربية والأفريقية التي زارها الرئيس التركي أردوغان منذ وصوله إلى السلطة؛ إذ حملته زيارة إلى البلد في كل من أعوام 2006 و2013 و2014، ثم زيارتان بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية في 2018، وأُخرى في 2020.

ورغم ما نقلته جريدة الخبر في مقالها، فإنَّ الجزائر لم تعترض رسميًّا لدى الجانب التركي في هذا الملف. وتحاول وسائل إعلام جزائرية أن تربط بين «رشاد» المُعارضة وبين جماعة الإخوان المسلمين، وأحيانًا تركيا وقطر.

تعاون اقتصادي وثيق.. هل يقلق فرنسا؟

التعاون الاقتصادي بين الجزائر وتركيا كبير في ملفات مختلفة. فالمشروعات التركية في الجزائر موجودة في عدَّة قطاعات، مثل البنية التحتية والنسيج والصناعة، ومن أبرزها مصنع الحديد والصلب «توسيالي آيرون آند ستيل» في مدينة وهران، ومصنعٌ لغزل القطن والنسيج في مدينة غليزان.

وصرّحت ماهينور أوزديمير غوكطاش، السفيرة التركية إلى الجزائر، بأن هنالك أكثر من ألف شركة تركية تعمل في الجزائر، وتوظِّف أكثر من 25 ألف عامل جزائري، بحسب السفيرة. وتعدُّ تركيا أكبرَ مستثمر أجنبي في الجزائر، بمبلغ يصل إلى 3.5 مليار دولار.

أما مع المغرب، فبلغ التبادل التجاري للمملكة مع تركيا حوالي 3 مليارات دولار عام 2019، وتقول وكالة «الأناضول» التركيَّة إن حجم استثمارات رجال أعمال أتراك في المغرب يصل إلى مليار دولار، توفِّر فرص عمل لـ8 آلاف مغربيٍّ، وتنشط في المغرب 160 شركة تركية.

Embed from Getty Images

ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي (يمين)، ومولود جاويش أوغلو، وزير الخارجية التركي (يسار)

وأشارت مجلة «جون أفريك» الفرنسية، والمقرَّبة من أوساط السلطة بباريس، إلى أن أنقرة تحصلت على صفقات كبيرة في قطاع البناء في عهد بوتفليقة، لإخراج البلاد من أزمة السكن التي عانت منها، ومن الجدير بالذكر أنّ الرئيس الحالي، عبد المجيد تبون، كان وزير السكن آنذاك، أي إنه المشرف الفعلي على هذا التعاون مع تركيا.

ولمّحت المجلّة الفرنسية إلى ما أسمته «الميول التركية للرئيس الجزائري»، بسبب صفقات المقاولات التي وقّعها مع تركيا أثناء وجوده على رأس وزارة السكن، بالإضافة إلى سفره إلى تركيا.

لتركيا تعاون تسليحي مع الجيش الجزائري بتزويده بالراديوهات ومضادات القنابل، وكذلك بين البلدين تعاون أمني، فمثلًا سلَّمت تركيا مؤخرًا للجزائر، قرميط بونويرة، ضابط جزائري فرَّ من الجزائر، وهو أحد أقرب مساعدي قائد الأركان السابق الفريق أحمد قايد صالح.

التاريخ والثقافة مجالان تستغلهما تركيا للدفع بدفَّة العلاقات مع الجزائر إلى الأمام؛ إذ قدَّمت تركيا عروضًا لمشروعات لترميم التراث العثماني، منها مشروع ترميم مسجد كتشاوة، الذي يعود تاريخ بنائه إلى العهد العثماني، وعرضوا على الجزائريين ترميم مدينة القصبة التراثية، ولكنهم اصطدموا بقرار السلطات بتسليم المشروع لمكتب هندسي فرنسي.

الصحراء الغربية.. نقطة الخلاف الأبرز بين الجزائر وتركيا

صحيح أن العلاقات التجارية والسياسية بين أنقرة والجزائر في نموّ، ولكن ملف العلاقة مع الجارة المغرب، قد يكون أحد نقاط الاختلاف بين الطرفين، خصوصًا وأن الجانب التركي أولًا لا يعترفُ بـ«جبهة البوليساريو»، وأن تركيا أيَّدت فتحَ المعابر في منطقة الكركرات، والذي تمَّ بالقوة العسكرية، في تأييد غير مباشر للعملية العسكرية التي أطلقها المغرب ضد «البوليساريو» في منطقة الكركرات في خريف عام 2020، الموقف الذي جعل جبهة «البوليساريو» تُعلن إلغاء اتفاقية وقف إطلاق النار مع الحكومة المغربيّة الجارية منذ 2021.

ومن الجدير بالذكر أن تركيا لم تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وتدعو لحلّ الصراع سياسيًّا.

وكان موقع «المونيتور» قد نقل تصريحًا لجنرال جزائري متقاعد قال فيه: «الجزائر دولة صبورة ومضيافة.. لكننا نشاهد بحذر الاستثمارات التركية في مدينة العيون، وباقي الأراضي المحتلّة»، بحسب اللواء المتقاعد. ونقل موقع «يا بلادي» المغربي خبرًا عن بعثة من رجال الأعمال الأتراك إلى مدينة العيون، كبرى مدن الصحراء الغربية، للبحث في سبل الاستثمار في الإقليم المتنازع عليه ويسيطر عليه المغرب. وكان الرئيس التركي أردوغان قد صرَّح خلال زيارة له إلى المغرب عامَ 2013 حول ملفّ الصحراء الغربية بالقول: «تركيا لا تعترف بجبهة البوليساريو، وندعم مفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة للوصول إلى حلٍّ عادل للقضية الصحراوية».

مقطع من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمغرب عام 2013

العلاقات التركية مع المغرب وانعكاساتها على ملفِّ الصحراء الغربية ليست المؤثر الوحيد في العلاقات الجزائرية التركية، فمثلًا يؤكد الباحث والناشط الجزائري محمد وعراب، رئيس «مركز العلاقات الجزائرية التركية» في حديث إلى «ساسة بوست» أن «العلاقات بين الجزائر وتركيا ممتازة، وأن هنالك تحرُّكًا كبيرًا للسفير الجزائري مراد عجابي في هذا الاتجاه، وهو أمر أزعج اللوبي الفرنسي في الجزائر» ووصفَ المقال الأخير بأنه «تحريضي وليس خبريًّا»، وأضاف وعراب: «أزمة العالقين الجزائرييين في المطارات التركية بسبب الجائحة أثرت كثيرًا، فقد تخلت الحكومة الجزائرية عن آلاف الجزائريين في تركيا، حتى تدخلت الحكومة التركية وآوتهم لشهور طويلة».

وكان ألف جزائري في 2020، قد احتجزوا في مطارات تركيا قبل العودة إلى بلادهم مع انتشار وباء كورونا، ولكن الجزائر كانت قد أغلقت جميع الحدود البرية والجوية في إطار إجراءات مواجهة الجائحة، وتسبَّبت هذه الإجراءات التي وصفها البعض بالقاسية في غضب وانتقاد العديد من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم محتجزين في مطارات مختلفة حول العالم دون القدرة على العودة لبلادهم.

وبالعودة للمقال، يرجِّح الباحث وعراب أن الهدف منه «قد يكون غرضه الضغط على تركيا» ويضيفُ بأن «تركيا من خلال العلاقة مع الجزائر، تطمح أن تكون بوَّابتها على أفريقيا، وهذا ما تدركه فرنسا جيِّدًا». ينظرُ اللوبي الفرنسي إلى الجزائر بوصفها مساحة نفوذ محتكرة لفرنسا، بوصفها القوة الاستعمارية السابقة، ويسعى للتخلص من أي قوة أجنبية تزاحمه، ويحاول اللوبي عرقلة العلاقات مع تركيا، التي يشهد معها تنافسًا حادًّا في العديد من الملفات الدولية، في ليبيا وسوريا، والقارة الأفريقية بصفة عامة. وقد عرفت الجزائر وتركيا تقاربًا في الآراء تجاه الموقف الليبي، عكس فرنسا التي راهنت على معسكر خليفة حفتر.

المصادر

تحميل المزيد